العدد الحادي عشر - آيار 2006

الأكثر صلابة وسخرية

هيام الجندي
الاربعاء 7 حزيران (يونيو) 2006.
 

القلق يتغلغل عميقاً في الشعر الحديث، وكثيراً من الشعراء المعاصرين تمادوا في التجربة، وأوصلوا إحساسهم بالأزمة والفوضى إلى حدود بعيدة، من هنا تكون تجربة (الماغوط) كرائد لقصيدة النثر الحديثة متشظية بكل الاتجاهات، تتحرك في فضاء من الحرية بعيداً عن الأقفاص.

بالمعنى الفني يمكن اعتباره (الماغوط) شاعر ثورة بامتياز امتدت على مساحة العام العربي، وقد أعطت تجربته نتائجها فقصيدة النثر لولا الماغوط لكانت قد شقت طريقها بصعوبة أكبر ولكانت واجهت من المعوقات والنكران أكثر بكثير مما لاقتهُ مع وجوده.

ثمة من يقول: الشعر هو الأشياء في حدودها القصوى والماغوط كان دائماً يبحث عن الحدود القصوى في الشعر والمسلك في حياته اللانمطية والمليئة بالتصورات الخاصة والمفاجئات يكون للواقعية والبساطة إغراء خاص فهو الذي قال: (عندما كلفت بجمع التبرعات لحزب اشتريت بالنقود (بنطلوناً) ).

هذه الفعلة لا يقوم بها لص بك شاعر كبير له فلسفتهُ الخاصة للحياة، وفي إحدى مقابلاته التلفزيونية عندما قال للمقدمة اللقاء (عندما ذهبنا إلى بيروت كنا مقملين وجوعانين ومضروبين بالسياط). هذه المواقف كثيرة في حياة الماغوط ويجب أخذها بدلالاتها بحيث يتحدث هو عنها بكل جرأة وبساطة ووضوح حد الصدمة كما إنها تمزيق للعالم المغلق القائم على الزيف والنفاق إنه لا يخجل من بؤسه ولا من فقره ولا من جوعه ولا من عريه. هكذا يقدم نفسه كما هو تماماً وهذا النمط غير موجود في ثقافتنا العربية.

ولهذا أجد أن أية محاولة لتقديم صورة عن الماغوط ستواجه إشكاليات كبيرة إذ من غير السهل تأطير صورته والإحاطة بها لغناها وتنوعها إنه شاعراً وشخصاً استثنائياً.

في عالمنا يمكن اعتباره ليس رائداً للشعر الحديث بل رائداً للحرية. هرب من الأحزاب لكنه لم يهرب من الهموم الحقيقية والجوهرية لمجتمعه ولشعوب المنطقة التقط الهامشي والتفاصيل المرهفة بالحياة بحس فطري أصيل. كتب عن التشرد والفقر والجوع والتسكع والمرارة. قصائده المليئة بالأرصفة والوجوه والأشجار ومظاهر الحياة الأخرى. وفي كل ما كتب وقف وجه لوجه أمام موضوعاته بصلابة وسخرية مرة.