فاتح المدرس.. ثورة لونية وثقافية

العدد 2 - آب 2005
الجمعة 5 آب (أغسطس) 2005.
 
اختزل فاتح المدرس حقبةً طويلةً من التجربة اللونية والثقافية حتى أصبح علامة فارقة في الفن الحديث، وغدا بالإمكان الكتابة عن اللوحة قبل المدرس وبعده.. يقول أدونيس: إن إبداع فاتح المدرس في تاريخ الحركة التشكيلية السورية، يمثل معيارية كلاسيكية عالية يؤرخ بها ويقاس عليها.

من المعرض الأول للفنانين التشكيليين السوريين في مدرسة التجهيز الأولى بدمشق، إلى المعرض الأول لأعماله في نادي اللواء بحلب عام 1950، بدأت مسيرة فاتح المدرس الفنية، وراحت تظهر بوضوح خصوصيته في التعامل مع الخط واللون، فنال عدة جوائز محلية وعالمية، وابتداءً من نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات اقتحم العالمية بخطى واثقة، وراح يحقق حضوراً مختلفاً في المعارض التي أقامها في ميونخ والبندقية ونيويورك وباريس، وفي عام 1963 اقتنى الدكتور فالترشيل رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية مجموعة من أعماله.

يقول عن رؤيته للتشكيل: واجب يبرر وجودي في هذا العصر، فأنا عربي سوري أعيش على جانب من أرض هذا الكوكب، لي تاريخي ولي حسي الجمالي بهذا التاريخ، كما أنني في أعماق شعوري أدرك واجب احترام هذا التسلسل الجمالي ونموه.. إن واجبي أصعب من واجب الإنسان الأوروبي، فهو لم ينقطع عن التسلسل التاريخي في بنائه المعاصر، بينما التفت أنا إلى الوراء لأرى حلقاته مفقودة من النشاط الفني في تاريخ بلادي..

لفاتح المدرس مواقف حاسمة وواضحة تجاه القضايا الكبرى، التي لم يبتعد عنها أبداً، فالأرض والحرية وفلسطين تلازمه دائماً، وخيار الشعوب في المقاومة رغم كل الانهيار واليأس، خيار بشّر به وراهن على ديمومته وانتصاره.. غضب كثيراً من محمود درويش بعد أن اعتزل مدّة في باريس وقال: هذا الشاعر الجيد لم يعد جيداً بعد أن غادر فلسطين، لأنه خسر المادة التي تروي نبتة شعره، إنه اليوم شجرة عطشى في باريس.

كتب فاتح المدرس القصة والشعر، فأصدر عام 1980 مجموعته القصصية الأولى عود النعنع وفي عام 1985 أصدر ديوان الزمن الشيء مع صديقه الشاعر حسين راجي، حاول أن يمارس تقنية اللون على الكلمات، مستفيداً من عفويته وواقعيته في حرفية النص الأدبي، حيث الطبيعة والأسطورة ترافقانه على الدوام.

بدأ في الأربعينيات فناناً سريالياً، يشرح كل لوحة من أعماله بتعليق فلسفي أو أدبي، وهنا برز الجانب الأدبي في شخصيته المتوازنة مع الجانب الفني. استمد ألوانه من حقول الشمال في حلب، وحظيت القرية والبيت العتيق على مكانة متقدمة في أعماله، فظهرت شديدة الاتصال بالطبيعة على اختلاف ألوانها الفطرية.

فاتح المدرس، رسم التاريخ.. وتمسّك بالجغرافيا.. مكوّناً حالة نادرة من الفرادة والتميز تستحق الوقوف والتأمل طويلاً، فسعادة المشاهدة والحيوية الروحية التي نجنيها، من أعماله نادراً ما نقبض عليها في هذا الوقت..

في الخمسينيات، عندما ربحت لوحة فاتح الرائعة كفر جنّة القرية المستلقية على جبال الشمال بألوانها العجيبة غير المألوفة، وبالنبض الحي لصخورها البنفسجية الهادئة والحمراء الحارة، أحس الجميع أنَّ عهداً جديداً في الرسم السوري قد بدأ، في ذلك الوقت، وفي رابطة الكتاب السوريين، طرح اسم فاتح المدرس لقبوله كعضو في الرابطة الأدبية.

أحتجّ أحد المكثرين المقلين: إنه لم يكتب سوى ثلاث قصص بعد. ورددنا جميعاً بحماسة: لكنها تعادل ثلاثة كتب.!!

وقبل فاتح بالاجماع في رابطة الكتاب السوريين.

سعيد حورانية

الذين يعرفون فاتح المدرس يعرفون أنه، لشدة ما قدس الحياة، آلمته الحياة. ولشدّة ما تألم تألم كمسيح، لكن دون أن يأمل بيوم ثالث يقوم فيه، تألم لحساب أن تخلد قيمة الجمال ويعلو شأن الروح، لأنه بفطرة الحكيم البدائي، استطاع أن يميز بين العدالة وبين الطنين الزائف للشعار الخبيث، وبالتالي عرف كيف يعثر على إجابات الأسئلة الكبيرة، دون لجوء إلى القواميس.

نزيه أبو عفش

إن رسماً كهذا مهما كان فنياً فهو متميز بتفوقه، باتزانه، ليس هو بلعبة في النهاية، ولا بالتجريدي بالمعنى العصري للكلمة، هو أكثر من هذا وذلك، هو الشعر. أي ما يولد بفضل الفن في كل لحظة تحت أنظارنا هو ما لا يهرم أبداً، هو ما يمثل أبداً الولادة والموت. وهذه الألوان المتدفقة من أقدم العصور والمثقلة بالتاريخ الفردي والجماعي، السابحة في شكل موسيقي تظهر وكأنها على وشك الغرق وهي مع ذلك تطفو أبداً على وجه اللجيج.

فرناند روبيون


بعض لوحات فاتح المدرس