العدد الحادي عشر - آيار 2006

وليد قارصلي ..تحوّل إلى الصيغة الأثيرية .. واقفا

الاربعاء 7 حزيران (يونيو) 2006.
 

في 17 نيسان انتهى معرضه الاستعادي الأخير في المركز الثقافي الروسي بدمشق مسجلا بعضا من أبرز مراحل تجربته الفنية الممتدة منذ السبعينيات حتى الآن. في 18 نيسان أسدل الستار على اثنين و ستين عاما من حياة وليد قارصلي. هل كان لديه إحساس بالاقتراب من خط النهاية ؟ هل هي مصادفة ؟ هل عاد القدر لمناكفته ثانية كما فعل في المرة الأولى عندما غير مجرى حياته فحوله من مهندس إلكترون إلى فنان تشكيلي ملازم لسريره لبقية الوقت اللازم للحياة عبر حادث سخيف بمجرياته لكنه جلل في آثاره؟ لا أعتقد أني أملك إجابات لمثل هذه التساؤلات

 لكني و من خلال علاقتنا التي ابتدأت بتواصل يمكن القول عنه بأنه روحي عبر صديق مشترك كان ينقل لكلينا أراء ونقاشات و وجهات نظر في مواضيع مختلفة، و التي غالبا ما كانت مشتركة إن لم تكن متطابقة، كانت لعبة طريفة لعبها كلانا بمتعة و محبة حتى حان الموعد المرصود للقاء شخصي يبتدي  علاقة مباشرة و يومية تقريبا استمرت قرابة ستة عشر عاما و شملت كافة مناحي الحياة الاجتماعية و الفنية و الشخصية. من خلال هذه العلاقة، أعتقد أن وليد الذي برع تماما في فن الحياة و حول كل ما يصل إليه فكره و يده اليمنى - حيث أنه لم يتمكن من استخدام يده اليسرى إلا كمسند لرأسه المليء بأنهار الأفكار التي لا تنضب - إلى شكل من أشكال الفن بمختلف صوره و أشكاله، فالتصوير الزيتي الذي كرس له الكثير من وقته و تنقل بين مختلف مدارسه و اتجاهاته و خاض تجارب لا تحصى حتى وصل إلى مدرسته و شخصيته الخاصة به، و أقول مدرسة هنا تجاوزا لأنه شخصيا لا يؤمن بوجوب تأطير و تقييد الفن و الفنان ضمن أسوار مدرسة واحدة، فهو دائم التجوال بين مختلف هذه الأزهار كما يسميها، يركض إلى أمام السريالية و التجريد أحيانا، ثم يعود باستراحة هادئة في لوحة واقعية، تعبيرية، انطباعية، أو لأي مدرسة يمكن أن ينسبها النقاد، تمجد امرأة أو زهرة أو كأس شاي على طاولة صغيرة في مشرقة بيت شامي، ثم يعود للانطلاق ثانية لاكتشاف منطقة جديدة. لملم وليد من كل تلك البساتين مزّاجة ألوانه و خطوطه الخاصة بأسلوب و تقنية فريدة و عجنها بروح لا يحدها خط أفق و قدم أعمالا فنية لا يمكن للعين أن تخطيء و تنسبها لغيره.

إذا ذهبنا برحلة قصيرة في لوحات الغرافيك عند وليد، و التي نلاحظ أنها لم تنل حقها في العرض، فكلما تقرر عرضها يحدث ما يعرقل هذا العرض، فإننا نتيه بين ثنايا تلك الخطوط الرهيفة المتراكضة لاهثة لاكتشاف عديد ألوان الحالات الإنسانية و اختزالها لأبيضها و أسودها، و يأسرنا إحساس بمحاولة التحليق في الفضاء، و أعني الفضاء الكوني الخارجي الذي يعشقه و يتابع آخر أخبار العلم حوله فهو حقا لم يتمكن من إتمام دراساته العلمية لكنه بقي متابعا ممتازا لآخر الاكتشافات و الاختراعات العلمية و التقنيات الجديدة و التي انخرط ببعضها، كالحاسوب، الذي استطاع أن يمارس بعض أشكال الفن من خلاله، حيث يبدأ بتجاوز الكاريكاتير الذي مارسه فترة لا بأس بها إلى إبداع أفلام الرسوم المتحركة التي كان ينفذها من ألفها إلى يائها وحده بما فيها الموسيقا التي بدأها عازفا و مؤسسا لعدة فرق موسيقية في الستينيات و السبعينيات لكنه اضطر لتركها بعد الحادث، لكنه عاد و استخدمه للتأليف الموسيقي للعديد من الألحان و الأغاني و الموسيقا التصويرية لبعض المسرحيات و بذلك شكّل الحاسوب، و الذي احتل في الفترة الأخيرة جزءا مهما من حياته و أخذ من وقته حصة لا بأس بها، أداة جديدة أضافها وليد إلى أدواته الفنية من فراش و ألوان و أحبار و أقلام و أوراق و كلمات حيث مارس الكتابة في مختلف الفترات في القصة و الخاطرة الشعرية و الأغاني و المونولوجات و الترجمات، لكنه تحول في الفترة الأخيرة إلى الكتابة الالكترونية على الشبكة حيث أسس العديد من المنتديات الالكترونية الفنية و الأدبية و الفكرية كان من أهمها، بالنسبة له على الأقل، السيريانز، الذي طبعه بكل الحب الموجود فيه، و قل أن يوجد منتدى الكتروني عربي لم ير مساهمة من مساهماته الفنية أو الفكرية.

ما قيل سابقا، كان لمحة سريعة عامة و مقتضبة عن وجهه الفني، أما عن وليد الإنسان فأعتقد ، دون مبالغة ، أنه يمكن لمن عرفه أن يكتب معلقات أو مجلدات إن استطاع ، فمن الصعوبة بمكان الاحاطة بكل جوانب شخصيته ، فهو يجيد استنباط الأمل من أصغر الأشياء و أكثرها سهولة ، أو صعوبة ، و نقله إلى كل اليائسين و البائسين المحيطين به بطريقة سرية لا يمكن أن تشعر بها إلا بعد أن يكون الأمل قد تغلغل في أوصالك و تكتشف بعدها أنك أصبت بالعدوى التي لا بد منها في مرة تراه فيها مضطجعا على جنبه الأيسر الذي حمله على هذه الحال لخمسة عشر عاما أو يزيد ، حتى بعد أن ساءت حاله الصحية في الآونة الأخيرة فلا يمكنك أن تتجنب الإصابة بابتسامته في صميم قلبك ، و أهم ما في تلك الابتسامة أنها تسحبك بعيدا عن إحساسك بالرض و الحزن و الشفقة التي يمكن أن تشدك إليها حالة الشلل النصفي الذي شاركه أكثر من نصف عمره.

السيرة الذاتية أو C.V  وليد طويلة جدا
-  البركة - ، فهو عامـل الكثير مــن " العمايل " له و لنا ، و لا يزال ...

أحد الأصدقاء -  و أعتقد أنه موفق قات - قال ، بما معناه : وليد قارصلي عاش على سرير ، لكنه ظل واقفا .. و ذهب... واقفا !

وليد ..

يقول محمود درويش ما كنت أود أن أقوله لك طيلة الخمسة عشر عاما الماضية، و لم أتمكن ....

" تمنيت..

إني تمنيت أن أحملك

إلى أول الشعر

أو آخر الأرض..

ما أجملك ... "