الانتماء بين المجتمع الواحد والكيانات المختلفة

العدد 1 - تموز 2005 : ميشيل معطى
الثلاثاء 5 تموز (يوليو) 2005.
 
المقدمة المنطقية الأولى: "الناموس، اصطلاحٌ بشري لمجرى من مجاري الحياة أو الطبيعة، نقصد به تعيين استمرار حدوث فعلٍ، أو خاصةٍ، من أفعال وخواص الحياة أو الطبيعة، لا أن الطبيعة أو الحياة وضعت لكائناتها هذه النواميس، وأمرتها بالسير عليها. وفي كل النواميس التي نكتشفها، يجب أن لا ننسى أننا نستخرج النواميس من الحياة، فيجب أن لا نجعلها تتضارب مع المجرى الطبيعي الذي نعرفه بها. فكوننا اكتشفنا ناموساً، أو ناموسين من نواميس الحياة العامة، يجب أن لا يحملنا على نسيان الواقع الطبيعي ونواميسه الأخرى، فالنواميس لا تمحو خصائص الأنواع.
وإذا كنا اكتشفنا سنة التطور، فيجب أن لا نتخذ من هذه السنة أقيسة وهمية تذهب بنا إلى تصوراتٍ تنافي الواقع، وتغاير الحقيقة"سعادة. والناموس الطبيعي الأول: ناموس التأثير (العلة السببية) والنتيجة Cause & Effect Law، كظاهرة وجودية كونية Antologic إنما تعني بأن لكل حادثٍ نتيجة أو (نتائج)، تتميز بخصائص ذات طيفٍ واسعٍ من العلاقات التي تنتظم في الأشياء والظواهر، وتحكم حركة الطبيعة والمجتمع والفكر والتقنيات. وبالتالي، فإن النتيجة (أو النتائج) تغدو بسبب الظروف والخصائص البينية، حالة أو كينونة تتجلى في نشوء الأشياء، وتغيرها أو تحولها، نموها أو تطورها، انبعاثها أو صيرورتها. وبذلك يرتبط الحدث Event ـ النتيجة Result بالحدث Event ـ السبب Cause بعلاقة تسمى بالعلاقة السببية Causality Relation. فالعلاقة السببية هي علاقة بين طرفين يؤثر أحدهما على الآخر، مما يؤدي إلى وقوع حدث، أو علاقة بين حدثين يسبب وقوع أحدهما، وقوع الحدث الآخر كمثل أن "الأرض تكيف الإنسان، وهو بدوره يرد الفعل ويكيفها". وبما أن "الأرض مقسمةٌ بحسب تكونها إلى أقاليم وبيئات، وأن لكل إقليمٍ خصائصَ تختلف عن خصائص الإقليم الآخر، وأن لكل بيئةٍ خصائصَ تتميزُ عن خصائصَ البيئة الأخرى". ونتيجة لأن هذا التقسم إلى بيئات، كان هو السبب المباشرُ لتوزع النوع البشري إلى جماعات، والذي جعل الإنسان في الأرض موافقاً للبيئات الجغرافية التي كانت ولا تزال تحددُ الجماعةَ، لأن لكلِ بيئةٍ جغرافيتها وخصائصها، والتي لولاها لما استطعنا تفسير ظواهر المدنيات المختلفة، بفعل الممكنات. من أهم خصائص العلاقة السببية، أنها علاقة غير آنية، فهي تحتاج إلى الزمن. بمعنى أن السبب يسبق على محور الزمن، النتيجة. وهي علاقة مطردة، يمكن أن توّلد سلسلة أو شجرة أو شبكة من العلاقات السببية، من الأفعال وردود الأفعال في سيرورة الفعل والتكيف مع البيئة. وبذلك تغدو العلاقة السببية كمبدأ وناموس، من أهم المبادئ الأساسية والمركزية التي يعتمد عليها في فهم ووصف وتفسير حدوث الأشياء في الطبيعة والمجتمع ونشوء الأمم، والفكر، وحتى تحليل وتصميم نظم المحاكاة الإدارية والتقنية. يعبر بشكلٍ عام، عن العلاقة السببية بالنموذج [سبب (فعل Action) ـ نتيجة(رد فعل Reaction) ـ زمن]. وعلى سلم هذا التوزع الإحداثي الفراغي تتراءى التباينات الواضحة بين الشخصيات الاجتماعية التي صيغت (تبلورت) كنتيجة لعلاقة سببية عبر تفاعلات تاريخية طويلة بين التجمعات الإنسانية وبيئاتها، وتميزت بخصائص ذات مؤثرات متباينة متنوعة الصلاحيات، مختلفة الخصائص والكفاءات، ولولا هذه التنوعات والاختلافات، لما كان للاجتماعِ وللشخصيات الاجتماعية نظام يميز أمماً وبلدان عن أمم وبلدان أخرى. المقدمة المنطقية الثانية: نتيجة للمقدمة المنطقية الأولى، تتوزع الأمم والبلدان على سطح المعمورة وفق سلم التطور التاريخي بصورة توزعها وفق سلم التقدم السياسي والرقي الحضاري، ذلك نتيجة لتقسم الأرض إلى بيئات، والتي كانت السبب المباشرُ لتوزع النوع البشري إلى جماعات فأمم وبلدان. فالبيئةُ كانت ولا تزال تحددُ الجماعةَ وبالتالي الأمم والبلدان، لأنَ لكلِ بيئةٍ على وجه المعمورة جغرافيتها وخصائصها. " فلو أن الأرضَ كانت سهلاً منبسطاً في درجةٍ واحدةٍ من الحرارةِ والرطوبة، خالياً من الحدود الجغرافية من صحارى وجبال وأنهار وبحار، لكان من البديهي أن يؤدي انتشار النوع البشري فيها إلى إنشاءِ جماعةٍ واحدةٍ كبيرةٍ. ولكن الحدود الجغرافية الطبيعية، جعلت الإنسان في الأرض موافقاً للبيئات الجغرافية، التي لولاها لما استطعنا تفسير ظواهر المدنيات المختلفة". و"على الرغم من أن البشر من خلقٍ واحدٍ، وطينةٍ واحدة، إلا أنهم متنوعون في الصلاحيات، مختلفون في الكفاءات، ولولا هذه التنوعات والاختلافات، لما كان للاجتماعِ نظامٌ يميز أمم وبلدان عن أمم وبلدان أخرى"سعادة. المقدمة المنطقية الثالثة: إذا ما كان الإدراك نشاط من أنشطة العقل، فالحواس ليست إلا أقنية الإدراك في الإنسان، وعبرها يتلقى الإنسان أساسيات معارفه ومصادرها، وهي التي تقدم له المعونات التي تتناسب واحتياجاته. فهي موزعة في أنحاء الجسد. إلا أن هذه الحواس بحد ذاتها غير عاقلة، فكل حاسة هي أعجمية عن الأخرى، بحيث لا تمتلك حاسة التذوق مثلاً القدرة على الإبصار، كما لا تمتلك حاسة اللمس القدرة على السمع، وهكذا بالنسبة للحواس الأخرى. ويحتاج الإنسان إلى حاسة أوسع وأشمل بحيث تحيط بجميع الحواس الأخرى وتدركها، وتتبوأ عليها، ثم تتكفل بالتنسيق فيما بينها وإدارتها. فالإنسان بعقله الذي هو الشرع الأعلى، هو الذي ينظم الإدراك ويولد الوعي من داخله. فالحقائق تنشأ من وعي الإدراك، فمن سؤال "من نحن؟" تنشأ مسألة وعي الانتماء، الذي يتألف من بعديّن متراكبين لا يمكن فصلهما [المنتمي، والمنتمى إليه ـ حيث يتطوران بصورة مشتركة، ومعقدة، ذات إتكالية نفعية متبادلة وهذه الاتكالية النفعية المتبادلة هي التعابير الرئيسيةُ لوحدةِ الحياةِ، التي تَتطوّرُ عادة باتجاه الحد الأعلىَ من الحياةِ التي يُمكنُ أَنْ تتواجدَ في البيئةِ الافتراضية الممنوحة وليمتلىء بها كل محراب من المحاريب المخصصة لها (البسيطة والمركبة)، فالتّنوع والتّعقيد هو المخرج النظامي النّاتج. لكنهما لا يَقُودانَ إِلى الفوضى chaos. لذلك فإن التطور يَنْسجُ ثروةَ في نسيجِ هذا الإعتمادِ والاتكال المتبادل interdependence web (تواقف الشيء على الشيء الآخر)، لتَخْلقَ أنظمةً حيوية بيئية ecosystems حيث أن فيها كل الأجزاء تعمل سوية خلال دوراتٍ مركبة ـ معقدة وتوزانٍ واتزانٍ متساوق ومنسجم]، ولا تغليب لعاملٍ على آخر، فقيمة أيٍّ منهما، رهنٌ بتفاعلهما معاً. والضمور في أحدهما، يستتبع بالضرورة قصوراً في الثاني، فينعكس عطالة في تفاعلهما معاً. وبتفاعلهما تبرز جملة مركبة ذات بنية اجتماعية ـ تنظيمية ـ تنسيقية تأخذ موقعها في حيز الفعل، وحين ضبط أدائها بمقوّمات وخصائص، يتخلق متصور وعي الانتماء، ومن هنا نجد أن الانتماء يأخذ حتمية التعبير عن الوعي. المقدمة المنطقية الرابعة: تؤكد حقيقة الوجدان القومي كأعظم ظاهرة اجتماعية تتسم بدرجة عالية من التمدن في عصرنا، على ظهور شخصية الجماعة كأعظم "حوادث التطور البشري شأناً وأبعدها نتيجةً وأكثرها دقة ولطافة وأشدها تعقداً، إذ أن هذه الشخصية مركب اجتماعي ـ اقتصادي ـ نفساني يتطلب من الفرد أن يضيف إلى شعوره بشخصيته شعوره بشخصية جماعته ـ أمته، وأن يزيد على إحساسه بحاجاته إحساسه بحاجات مجتمعه وأن يجمع إلى فهمه نفسه، فهمه نفسية متحده الاجتماعي، وأن يربط مصالحه بمصالح قومه، وأن يشعر مع ابن مجتمعه ويهتم به ويود خيره، كما يود الخير لنفسه". فـ"كل جماعةٍ ترتقي إلى مرتبة الوجدان القومي، أي الشعور بشخصية الجماعة، لابد لأفرادها من فهم الواقع الاجتماعي وظروفه وطبيعة العلاقات الناتجة عنه. وهي هذه العلاقات التي تعين مقدار حيوية الجماعة ومؤهلاتها للبقاء والارتقاء، فبقاؤها غامضة يوجد صعوبات كثيرة تؤدي إلى إساءة الفهم وتقوية عوامل التصادم في المجتمع فيعرقل بعضه بعضاً ويضيع جزءاً غير يسير من فاعلية وحدته الحيوية ويضعف فيه التنبه لمصالحه وما يحيط بها من أخطار من الخارج"سعادة. وانطلاقاً من حقيقة الوجدان القومي يوضح المنطق القومي الاجتماعي بجلاء حقيقة تلك الحياكة الطبيعية لنسيج البيئة الإنسانية القومية الاجتماعية ذات المركب الاجتماعي ـ الاقتصادي ـ النفساني ضمن إطار حدودها الطبيعية الذي يمثل الوطن الواحد في بيئته المتميزة الخصائص. المقدمة المنطقية الخامسة: إن الانتماء إلى الأمة كمتحد اجتماعي طبيعي أتم حيث تغدو "جماعة من البشر، تحيا حياة موحدة المصالح، موحدة المصير، موحدة العوامل النفسية ـ المادية في قطرٍ معين، يكسبها تفاعلها معه، في مجرى التطور، خصائص ومزايا ، تميزها عن غيرها من الجماعات". إنما هو شعور الانتماء الطبيعي إلى مجتمع طبيعي "من أبرز صفاته، خضوعه للاتحاد في الحياة والوجدان القومي الاجتماعي". حيث أن الواقع الاجتماعي ـ التاريخي للمجتمع الطبيعي يشي بجملةٍ من الخصائص والمميزات والصفات التي تجعله شديد الحساسية في علاقاته الاجتماعية والسياسية والثقافية. فما من مجتمع طبيعي إلا ويكتنف جميع الأديان والمذاهب الدينية والإثنيات. وما من مجتمع إلا وفيه الكثير من الأفكار عن انتماءات سلالية وعنصرية وقبلية وعائلية وفيه الانقسامات السياسية الكيانية التي لا تزال تشكل الأولية في الانتماء ووعي الانتماء. فوعي أن الأمةُ هي مجتمعٌ واحد، إنما هو مبدأ موحد لكافة الفئات الاجتماعية انطلاقاً من وعي الوجود الاجتماعي بكافة مضامينه وتناقضاته، ويضع أسس مواجهة هذا الواقع بالقضاء على مسبباته بـ "إزالة الحواجز بين مختلف الطوائفِ والمذاهب"، وإبدال الشخصيات المتنافرة والمتناقضة بشخصية الجماعة الواحدة، وإيقاظ الوجدان الاجتماعي عن طريق تحديد الهوية القومية، وترسيخ الولاء القومي ـ الاجتماعي ليتقدم على أي ولاء آخر. فتغدو إضافة مركبة الانتماء البيئي ـ المكاني إلى مركبة الانتماء الاجتماعي لتكوّن محصلة (البيئة البشرية)، ولتكمل الأمة أساسها الذي تجده "قبل كل شيء آخر، في وحدةٍ أرضية معينة، تتفاعل معها جماعةٌ من الناس، وتشتبك، وتتحد ضمنها" . مفهوم الانتماء القومي الاجتماعي: انطلاقاً من المقدمات، ومن سلسلة أو شجرة أو شبكة نواتج العلاقات السببية نرى أن الشعور بالانتماء ووعيه إنما هو ثقافة استخلاص إنسانية ذات قيمة إحساسية موجبة في مكونات خواص الأمة وعاداتها وإنجازاتها المتميزة ـ كما هي حال في عبق الأريج ـ ضمن دورة اقتصادية ـ ثقافية ـ اجتماعية، ناجمٌ طرديّاً عن دوام استمرارية سيرورة العلاقة السببية بأبعادها الثلاثة فيما بين الإنسان وبيئته والإنسان في شخصية الجماعة [الإنسان ـ المجتمع (متحده) ـ البسيط فالمركب فالأتم]، وبالتالي فإن شعور الانتماء هو منتج وعي لهذه المنظومة تولد لديه مشاعر الحق والواجب والخير والجمال والحب والمحبة والارتباط الوشيج بكافة المكوّنات والقوى في منظومة نسيج الأمة. في المعارك الدائرة اليوم في وعلى مدى مساحة سورية الطبيعية ـ في المعارك المتعددة والمتنوعة الأوجه في كيانات الأمة السورية، في لبنان وفلسطين والشام والعراق وقبرص، و"في كلِ مظهرٍ من مظاهر أعمالنا الفكرية والسياسية والاجتماعية، نجدُ كم هو ضروري العامل الأخلاقي، وكم ينقص مجتمعنا تأسيس عقليةٍ أخلاقية جديدة" أساسها الشعور بالانتماء القومي الاجتماعي، الذي يهدف من خلال بناء صرحه وتوحيد قوى مركباته إلى توحيد منطق الرؤية القومية الاجتماعية كخطوةٍ أولى نحو بلورة الشخصية القومية الاجتماعية للأمة الواحدة، والتي تحدد المعالم الرئيسية لهذه الشخصية، لأن تلك "العقلية الأخلاقية الجديدة، هي شيءٌ أساسيٌّ جداً". فهذه "العقلية الأخلاقية الجديدة التي نؤسسها لحياتنا، لمبادئنا، هي ... للأمة، لمقاصدها، ولأعمالها، ولاتجاهها". هذا العامل الأخلاقي يحتاج إلى ترسيخ الشعور بالانتماء القومي الاجتماعي، ووعي هذا الانتماء، إلى الأمة السورية التي هي ذلك الـ" مجتمعٌ الواحدٌ" الذي يشكل بتفاعله مع بيئته الطبيعية "أمة واحدة"، أي أمةٌ واحدةٌ ـ مجتمعٌ واحدٌ. ونحن إذ ذاك "لا نسلم لحركة قوة الحدس، أو لتخمين شعور أو عاطفة أو رغبات استبدادية غير مستمدة من حقيقة المجتمع، ومن نفسيته وأغراضه الصحيحة في الحياة. وهذا المجتمع له نفسيةً مستمدةً من تركيبه، ومن خصائصه الفيزيائية الأنثروبولوجية" المتولّدة عن تفاعلية المكوّنات الطبيعية لنسيج البيئة الإنسانية القومية الاجتماعية ضمن إطارها الطبيعي الذي هو بيئتها الطبيعية، ومن تراثهِ وتاريخه الاجتماعي والثقافي والسياسي. والشعور بالانتماء ووعيه إنما هو "قوةً حيةً فاعلةً تتولد فيها مقررات مبدئية، أساسية هامة، وتبنى عليها خططٌ في السياسة النظامية، في السياسة التي تتجهُ إلى تقرير الاتجاه، والاعتناءِ بالقيمِ الهامة، الأساسية والجوهرية السامية، التي هي جوهر القضية السورية القومية الاجتماعية، وجوهر النظام القومي الاجتماعي". فالانتماء يظهر مدى فعل تلك "العلاقة الحيوية، غير القابلة للفصل، بين الأمة والوطن"، إلى جانب أن هذه العلاقة ومدى قوتها تظهر مدى "الترابط بين الأمة والوطن"، الذي "يقوى بانتماء الشخصية الاجتماعية التي هي شخصية المتحد ـ شخصية الأمة". وهذا الشعور بالانتماء و"الولاء القومي، هو الشرط الذي لا غنى عنه لنهوض الأمة، وتحقيق خير المجتمع القومي. وفي هذا الولاء، يتساوى الفلاح، و"العامل، والصناعي، والتاجر، والأديب، والفنان، ويتساوى أيضاً العالم والجندي" كما يتساوى فيه المسلمون بمذهبيهم المحمدي والمسيحي، وتتساوى فيه كل مكونّات المجتمع السوري الإثنية على اختلاف مشاربها (السوري، والعربي، والكردي، والشركسي، والأرمني، والكردستاني، ...)، والتي حلت في بيئته الإنسانية وتفاعلت داخله. وعي الانتماء القومي الاجتماعي: ففي مقولة "نحن سوريون" فنحن هنا هي المنتمي، و"السورية" هي المنتمى إليه الذي يقاس عليه المنتمي الذي نحن، وليس العكس. وعامل انتماء الـ"نحن" هنا تستند في بنائها على ما يبرز من خصائص "السوريّة" المنتمى إليها كثقافة استخلاص إنسانية وجودية. للوصول إلى فهم شعور الانتماء ووعيه، بدءاً بالأساسيات وارتقاءً إلى المحصلات في دائرة ناموس العلاقة السببية [سبب (فعل Action) ـ نتيجة(رد فعل Reaction) ـ زمن]. وهنا لا بد من التركيز على أن ما يحصل وجوباً بالمحصلات يقتضي الالتزام وجوباً بالنتائج، وبالتالي لا وجود لخيار آخر في الانتماء ما دام في الوجوب. والانتماء هنا ليس انتساباً أو استنساباً، فليس هنالك من فئةٍ واحدة (مذهب، طائفة، إثنية)، ولا من شكلٍ واحد من التنظيم (حزب سياسي، نادٍ، مؤسسة تعليمية، نقابة) يمكن أن تستوعب أو يستوعب حياة الإنسان الاجتماعية بكاملها، أو أن تستجيب (أو يستجيب) لحاجاته. فالإنسان المنتمي تُسْتوّعبُ حياته الاجتماعية في بوتقة المنتمى إليه وتكوّن من المزيج وحدة نظامية هي الأمة، التي تشكل المجتمع وتعين مداه الحيوي، وتؤسس جملة من الحقائق الأساسية:
-   المنتمى للمنتمي، والمنتمون إلى بيئة طبيعية هم أمة واحدة.
-   قضية الأمة التي هي مجتمع واحد، هي قضيةٌ قوميةٌ قائمةٌ بنفسها، مستقلةٌ كل الاستقلال عن أيةِ قضيةٍ أخرى، كما أنها تمثل قضية الوطن الذي هو البيئةُ الطبيعية التي نشأت فيها الأمة. وهي ذاتُ حدودٍ جغرافيةٍ تميزها عن سواها.
-   الأمةُ المنتمى إليها هي وحدة الشعب المتولدة منذ تاريخٍ طويل، ومصلحتها فوق كل مصلحة، وتستمد روح نهضتها من مواهبها وتاريخها الثقافي السياسي القومي وفق التطور التاريخي والتقدم السياسي والرقي الحضاري. وإذا ما قمنا بتحليل عوامل شعور الانتماء المركب إلى مركباته الأساسية، والمعروفة خصائصه المكتسبة بالتفاعل بين عاملي المنتمي والمنتمى إليه في جملة الحقائق الأساسية الآنفة والمكتسبة بالتفاعل بين عاملي المنتمي والمنتمى إليه، نجد أن هذا الانتماء الذي جاء وليداً لفعل ناموس العلاقة السببية [سبب (فعل Action) ـ نتيجة(رد فعل Reaction) ـ زمن]، يتألف من: 1- انتماء بيئي ـ مكاني (البيئة البشرية): وينتج هذا الانتماء نتيجة لتفاعل عامل الإنسان المجتمعيّ مع عامل البيئة الجغرافي منذ تاريخٍ طويل ضمن حدود الإقليم الجغرافية، التي تضمن وحدة الجماعة، لأنها تجمعها ضمنها، وتكّون العامل الأول في المحافظةِ عليها، لأنها الحصون الطبيعية في وجه غزوات الجماعات الأخرى. فهذا التفاعل هو جزء من اللاهوتِ الكونيّ، وتعبيرٌ جليّ عن تلك القوةِ المُدهِشةِ التي تُنظّمَ نفسها بصورة تكتمل نسبيّاً أكثر فأكثر بالأشكالِ المعقدةِ والمترافقة المتجمعة بتناسقٍ ووقار، بما لديها من القوة، والوحدة، واللغز، والجمال، والإبداع. فهي توقظُ في نفس المنتمي مشاعر مشابهة من الوقارِ، والانتماء، والتملك، والفضول، والحبّ، ومدى استجابتها وردود أفعالها المَرْتبطة بالقبولِ، والإتحاد، والإستكشاف والتأمل. وتعتمد على مدى قدرة وثقة وأفعال الإنسان المهيئة باعتمادية تبادلية وحساسية الاستجابة في أنشوطةٍ لولبية تطوّرية متصاعدة للاستزادة من إنتاجها الثقافي ـ المعرفي، محررة في نفس منظومة (الإنسان ـ المجتمع) مواقع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء. 2- انتماء اجتماعي: لا يمكن لأية معرفة إنسانية أن تصل إلى حقيقتها إلا من خلال ارتباطها بالمجتمع الذي تنتمي إليه، حيث أن العلاقات الاجتماعية ودرجة تطورها إنما هي نتيجة الانتماء الطبيعي التي تنمي المعرفة، "التي تعطي الوجود قيمة لا يمكن أن تكون له بدونها". ونظراً لأن مفهوم المتحد الاجتماعي (البسيط ـ المركب فالمتحد الأتم ـ الأمة) إنما يعني بأنه "مجمع الحياة الاجتماعية، وهو مقر الأحياء المتحدين في الحياة بكل مصالحها .... "، ومجال نشاط الإنسان، من حيث هو واقع طبيعي تجري فيه وقائع الحياة الاجتماعية بكل أشكالها، فهو بذلك يعتبر التشكل الاجتماعي الأول في التاريخ من حيث ظهوره ومن حيث أهميته، وهذا ما يقودنا للحديث عن المركب الآخر في معنى الانتماء إلى واقعٍ طبيعي تجري فيه وقائع الحياة الاجتماعية بكل أشكالها "باتحاد مجموعة من الناس في حياة واحدة على مساحة محدودة .....". فالمتحد دليل اجتماعية الإنسان، حيث يستحيل وجوده في حالته الفردية، فـ"يتحد مصير الفرد بمصير المجموع، ويكون الشخص للكل، والكل للشخص، بحيث ندغم شخصية الفرد في الجماعة ويظهران كأنهما شيء واحد". وبالتالي فإن "الاجتماع صفة ملازمة للإنسان في جميع أجناسه، إذ أننا حيثما وجدنا الإنسان وفي أية درجة من درجات الانحطاط أو الارتقاء، وجدناه في حالةٍ اجتماعية. وهكذا نرى أن المجتمع هو الحالة والمكان الطبيعيان للإنسان، والضروريان لحياته". فإلى تلك "البيئة المحددة" التي "هي البوتقة التي تصهر حياة الجماعات، وتمزجها مزجاً يكسبها شخصية خاصة، كالشخصية التي يكسبها "الشبهان (البرونز)" من مزيج النحاس والتنك والرصاص، وهي التي توجد الإمكانيات، لنشوء المراكز العمرانية التي تتألب عليها قوات المجتمع، ويحتشد فيها نتاجه الثقافي، فتتكون البيئة الاجتماعية التي تصبح ذات مناعة، تكمل ما نقص من الحدود الطبيعية. والحقيقة أن البيئة من حيث هي مركز الاجتماع والتكتل، هي أهم الحدود لتكوّن البيئة الاجتماعية، ولكن الحدود الطبيعية ضرورية لوقاية المجتمع، وحماية نموه، حتى يستكمل قوته الشخصية"[نشوء الأمم ـ الفصل السابع ـ الاثم الكنهاني]. ويشكل هذا المركب من الانتماء رابطة تضامن قوية، لأنه مجال للحياة المشتركة المقترنة بإدراك الأفراد بأنهم يشاركون غيرهم في منظومة الإنسان المجتمع في طريقة الحياة، وفي الأرض التي يحيّون عليها. ويمنحهم الانتماء الاجتماعي الطبيعي. 3- انتماء عاطفي [عاطفة المتحد]: وينشأ هذا الانتماء وينمو ويتطور بشدة نتيجة لخلق قيم ثقافية متوارثة من الأجداد. فالإنسان كائن حيّ عاقل ومفكر، والعقل لديه وظيفة الدماغ النامي والمتطور، ولولا العقل لكان الدماغ حماقة بيولوجية. فـ"قيمة عقل الإنسان تظهرُ في مقدار تفكيره ونوعه، والدليل على نوع هذه القيمة وأهميتها يظهر من نتائج التفكير المتجلية في الحياة الاجتماعية. ومن معرفتنا حقيقة الحياة القومية لشعبٍ من الشعوب، يمكننا أن نحكم على مبلغ تفكيره، وأن نعين بالضبط المحل الذي يحله ذلك الشعب من بقية الشعوب. وهذا الحكم، وهذا التعيين، لا يقتصران على وصف الشعب، الشعب المجموع فقط، بل يتناولان طبقات الشعب وجمعياته والهيئات التي تمثله، وكل فردٍ من أفراده، وكل فردٍ يُعْرَفُ في العالم بصفة شعبه، لأنه جزءٌ منه، وأخلاقه من أخلاقه، ولأن الشعب ليس إلا مجموع أفراده، فكما تكون حقيقته تكون حقيقتهم. ونتيجة لتطور الشعور بالشخصية المكتسبة من البيئة ومكوناتها ومواد غذائها، أخذ الإنسان يرتقي ضمن العلاقة السببية بتفاعل فكري مع البيئة ـ الطبيعة وقواها وظاهراتها، ويبحث عن أسبابها وعن علاقاتها، وعن مدى ارتباط حياته بها، فنشأ لديه اعتقادٌ بوجود مبدأ أو روح غير مادية تسكن أي كائن مادي من مكونات البيئة، فتولد لديه شعوراً أقوى إلى جانب منحى الانتماء إلى البيئة ـ الطبيعة. وبذلك تطور منحى مفهوم الانتماء، فاكتسب وجوب التعامل مع كائنٍ الأمة الحيّ كالمؤمنينِ الذين يُعاملُون معابدهم وأضرحتهم، كأماكن مقدّسة بوقار ولطافة وحنو والمحافظة على جمالها الكليّ المعقّد. فعاطفة المتحد تبرز وتتجلى نتيجة التّفاهمِ والتفهم الأعمقِ للحقيقةِ التي نحن جميعاً نكون كل أجزاءها، ذلك بالمعرفة الأعمق حول أن هذا المتحد الذي نحيّا فيه والملهم بوحيٍّ من الحياة المفعمة بالإلْهامِ والرّهبةِ والروعة المفعمة بالأسرار، وبالمعرفة الأعمق لطّبيعته وبيئته اللتين نحيّا فيهما، تولد لدينا انتماءً عاطفيّاً يربطنا به، ويُمكنُنا أَنْ نُحسّنَ تربية الأرضَ والعمل بها والتفاعل معها بشكلٍ أفضل، ونصون ثروةِ التّنويعِ الطّبيعي. 4- انتماء المصلحة: المصلحة هنا، تشمل: "ما يتعلقُ بالنفس، وما يتعلقُ بالعيشِ والكسبِ والأغراض المادية. المصالحُ ليست، بروحها، منافع مال أو بضاعة أو تجارة، أو شيء من ذلك، المصالحُ هي كل ما يرى الإنسانُ في الحقيقة تحقيقاً لجمالِ وجوده، تحقيقاً للغاياتِ السامية، ولجميع الغايات التي تجعل حياته جميلة ومطمئنة. فالمصالح إذن ليست مجرد منافع، المصالح هي مصالح الارتقاء والفن، مصالح جمال الحياة، كما هي مصالح الاقتصاد والصناعات والتجارة، المصالح المادية التي يتوقف عليها المجتمع مادياً". ويتحدد الانتماء للمصلحة بمدى وعي الانتماء لمصلحة المتحد وفق المبدأ الثامن: بأن "مصلحة سورية فوق كل مصلحة"، حيث "إن سورية تمثلُ لنا شخصيتنا الاجتماعية، ومواهبنا، وحياتنا المثلى، ونظرتنا إلى الحياةِ والكونِ والفن، وشرفنا وعزنا ومصيرنا، لذلك هي لنا فوق كلِ اعتبارٍ فرديّ وكل مصلحةٍ جزئية". فتغدو بذلك قضيةُ الانتماء، قضية انتماء "كل المجتمع لا قضية انتماء الفرد، وحينما تكون قضية انتماء المجتمع تغدو لنا أهمية شعور الانتماء في ترقية "حياة المجتمع " وترقية "جمال حياة المجتمع ". وترقية "الاتجاه الموحد في الحياة" الذي يجمع وحدة الأمة في إرادةٍ واحدةٍ واتجاهٍ واحد". وبهذا التحديد فإن وعي الانتماء إلى محصلة الانتماء (البيئة البشرية) ـ المتحد [مركبة الانتماء البيئي ـ المكاني إلى مركبة الانتماء الاجتماعي]، لا يتميز بصفاته ولا بخصائصه الناتجة عن الاشتراك في الحياة الواحدة فحسب، بل يتميز بما ينتجه الاشتراك في الحياة من وعيٍّ للمصلحة العامة، ووعيٍّ لأهميتها في الحفاظ على وحدة المتحد ـ الأمة، وعلى وحدة توجهه. ومن قناعةٍ بوجوب تحقيق هذه المصلحة والحفاظ عليها بالإرادة الجماعية للمتحد الأتم. حيث تتحدد المصلحة في "وحدتنا الداخلية الخاصة التي تكسبنا عصبية قومية تكفل بقاء حقوقنا لنا، وتولد فينا نهضة تجعلنا جديرين بالتمتع بجمال هذا الوطن ... وخيراته" [الآثار الكاملة ـ الجزء الثاني ـ ص: 42] وبذلك يرتبط الانتماء للمصلحة بوجهة الأغراض والعلاقات والإرادة. فتحقيق الأغراض وارتقاء العلاقات مرتبطان بدرجة وعي المصلحة الاجتماعية المشتركة بالدرجة الأولى، وبالإرادة التي تحقق هذه المصلحة من حيث هي "كل ما تنطوي عليه النفس الإنسانية في علاقاتها" ... ومن حيث "هي طلب حصول ارتياح النفس. وتحقيق ارتياح النفس هو غرض الإرادة" من المصلحة. 5- الانتماء الثقافي: "الثقافة تعني هنا، بمعنى Culture، وهي مجمل العلوم، والفلسفات، التي تتناول الحياة، وما له علاقة بها، وما يحصل من ذلك من مستوى عقلي، واتجاهاتٍ فكرية، واعتقاداتٍ مناقبية، وإدراكٍ للشؤون النفسية والمادية".وهي بالإضافة إلى كونها ذات منحى إنساني شامل، إلا أنها خلاصة تفاعل الإنسان ـ المجتمع ببيئته، وجميع المعارف واختبارات الإنسان ـ المجتمع في بيئته، التي بنت وخلقت القيم الأساسية للحياة، ونظراً لأن العمل الثقافي فريضة تؤدى، وأمانة متوارثة، قبل أن يكون وظيفة تمارس ، نرى في "الحقيقة أن طبيعة الثقافة عامة كطبيعة الدين". والقيام بدراسة البنية الثقافية لمجتمع من المجتمعات إنما تستلزم استقراء الإنجازات الحضارية والتجارب التاريخية، ومختلف المقومات الثقافية لهذا المجتمع. "فإذا تكلمنا عن الثقافة السورية، عنينا بها الدور الذي قام به السوريون في ترقية الثقافة العامة، وهو دور الجمع بين الزرع، والغرس، وسلك البحار، والتجارة، وإنشاء الحروف الهجائية، والدولة المدنية. وعلى الرغم من أن الثقافة لا تعين الأمة"، ولكن الانتماء الثقافي المتولد من آلية التفاعل ودرجته يكوّن فارقاً واضحاً بين أممٍ وأمم. وبالتالي يكون فارقاً في درجة وعي الانتماء، و"السبب في هذا الفارق، اقتصادي ـ جغرافي قبل كل شيء، حيثما وجدت المؤهلات الروحية"سعادة. لأن هذه جميعها ليست سوى تعبيرات عن تركيبٍ ذهني ناجم عن آلية التفاعل مع البيئة بالدرجة الأولى، وما طرأت عليها من تلاقحاتٍ ثقافية بالدرجة الثانية، وتجمعت أجزاؤها خلال ظروفٍ ومراحل تاريخية، بحيث يكون بعضها قد جاء من أكثر من مصدر، ليشارك في هذا التركيب، وليستمر في مفاعيل آلية التفاعل. إن التراث الثقافي الذي امتلكته وما زالت تمتلكه الأمة السورية في أجيالها المتعاقبة، إنما يعبر عن مدى متانة التركيب البنيّوي التاريخي للنواتج الثقافية ـ المعرفية لتفاعل الإنسان ـ المجتمع داخلياً، ومع بيئته. وهذا التركيب البنيّوي إنما هو نتيجة تراكبية تفاعلية تعاقبية دائمة ومتواصلة نابعة من الحاجة ومن الخبرة الحياتية، بالإضافة إلى حصيلة التداخلات الثقافية التاريخية، في سياق التفاعل، فكان للشعب السوري الأهلية الكاملة للتأطر في المؤسسات السياسية التي تتجلى في مفهوم الدولة القومية الاجتماعية، خاصة وأن السلالات التي كوّنت الشعب السوري هي التي أسست الحضارة العالمية، وذلك من خلال ما أنجزه منذ ما قبل التاريخ انطلاقاً من نشأة الزراعة وما أعقبها من قيام السوق واقتصاده وتأسيس المدينة ثم الدولة ـ المدينة. بالتالي فإن الانتماء الثقافي يغدو في سياق التفاعل، وفي تتبع أعمال الإنسان على مسرح البيئة البشرية مرتبطاً بدرجة وقيمة المرتبة الثقافية، التي هي الـ"نسبة ما بين حصول أسباب العيش، والعمل المبذول في هذا السبيل، لأن كل تطورٍ في الحياة الاجتماعية وأنظمة الاجتماع، لا يمكن أن يحدث إلا ضمن نطاق هذه العلاقة"سعادة. وعلى اعتبار أن [الثقافة النفسية جارت الثقافة المادية وقامت عليها، إذاً فالحياة العقلية لا يمكن أن تأخذ مجراها إلا حيث تستتب لها الأسباب والمقومات. ولذلك نجد التطور الثقافي بجميع مظاهره، يرتقي ويسبق غيره، حيث أسباب الحياة أوفر وأرقى مما في سواه]. فلقد كان النظام الاجتماعي للبيئة البشرية "دائماً حاصلُ تفاعل الإنسان والطبيعة أو البيئة بطريقة معينة، أو منبعثٌ منه وموافق له"سعادة. فلقد كانت حتمية إضافة مركبة الانتماء الثقافي و"نحن نتتبع تطور الثقافة العمرانية بتتبع تنظيم الإنسان مجتمعه بناءً على هذا التفاعل" نشوءاً و ارتقاءً، وفاقاً لمقتضيات تطورات الطبيعة والبيئة، أي أنه تطور محتم بالاختيار الطبيعي. وإذا كانت المجتمعات البشرية الثقافية تتقارب بعضها من بعض بعوامل ثقافتها، فلا يزال لنا في حالات بعض المجتمعات، وشؤونها الاجتماعية، بقية تدل على أن "البشرية" و "الاجتماع البشري" ليسا مدلولين شائعين بين جميع البشر". ونتيجة لذلك الواقع فـ "إن أول نقطةٍ نأخذها هي: أننا ننظرُ إلى الأمةِ في واقعها ـ في تكوّنها وحدة حياة، ومن غيرِ اعتبارِ وجوبِ إخضاعها لأي مبدأٍ، أو قاعدةٍ استبدادية مطلقة لا تقومُ الحقيقةَ لإخضاعها إليه، كالقول مثلاً "أن السوريين ليسوا في الأصلِ شعباً واحداً، أو عرقاً واحداً". لذلك لا بد أن نعتبر "الأمةُ أمراً واحداً": "إنه وحدة الحياة التي جُمْعْتْ فيه مجمل العناصر الأساسية التي تتركبُ منها، ودمجتها ببعضها البعض، فكونت منها حياةٌ واحدةٌ، متفاعلةٌ، موثقةٌ، أي مجتمعاً واحداً موحد الحياة والمصير .... هذه هي حقيقةٌ أوليةٌ، ومنها يجبُ أن نبتدئ، لأنها هي الوجود الذي نراه ونلمسه وندركه بالحاسةِ والفكر الذي نحياه". "إذن، لا حاجة إلى أصلٍ واحدٍ معين لنشوء الأمة، لنشوء القومية. فالأمة موجودةٌ بتفاعلها ضمن بيئتها، ومع بيئتها"سعادة. "لكن هذا الوجود بذاته، المستغني بواقعه عن أصلٍ واحد، لأنه في "حقيقة اشتراك" عدة أصول، لأن في اشتراك هذه الأصول، حقيقةً في نفسها، مختلفةً عن أيةِ حقيقة أخرى ممثلةٍ بطابع وبمزايا خاصة تميز هذه الجماعة، هذه الأمة، هذا المجتمع، عن أممٍ ومجتمعاتٍ أخرى". وهذا التفاضل والتمايز بين أمم ومجتمعات العالم قد فرزها إلى أمم متقدمة وأخرى متخلفة، ليس فقط على سلم التطور السياسي والرقيّ الحضاري فقط، وإنما على سلم التطور التاريخي العام، باعتبار أن الأمة ـ الوطن حدثاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً في الوقت نفسه. 6 ـ الانتماء الوطني: فيما تتعدد الدرجات الاقتصادية والسياسية والثقافية على سلم التطور التاريخي، فإن مفهوم الانتماء إلى الوطن ـ بيئة الأمة هو أهم وأبرز وأرقى درجات سلم التقدم السياسي والرقي الحضاري، وبالتالي هو أهم وأبرز معايير وأسس التفاضل والتمايز بين الأمم والمجتمعات، فـ "الاجتماع البشري عريقٌ في القدم، وأنه صفة بشرية عامة"، إلا أن "المجتمع الإنساني، ليس الإنسانية مجتمعةً، ومن يدري، هل يقدر للإنسانية أن تصير مجتمعاً واحداً في مستقبل العصور"سعادة. وبالتالي فإن الأمة ـ الوطن كحدثٍ شمولي، ليس ظاهرة عامة تنسحب على كافة الأمم والمجتمعات البشرية، بل هو ظاهرة خصوصية بالأمم والمجتمعات التي تتوفر فيها مقومات الأمة ـ الوطن بالمعنى البيئي ـ الاجتماعي ـ السياسي ـ التاريخي المتناسق الأصيل المدعّم بأسباب الحضارة وعوامل المدنيّة. يتموضع الانتماء الوطني بالمعيار السياسي داخل الحدود السياسية ـ الطبيعية بالمعنى القومي الاجتماعي متجاوزاً الحدود السياسية المتحركة بتحرك الانتماءات الاجتماعية على خلفية ميوعة مفردات الأثنية ـ العرقية والعشائرية والقبلية والطائفية .. الخ التي دفعت بتلك الانتماءات إلى سطح الحياة الاجتماعية، فيما غاص الانتماء الوطني للأمة الواحدة بعيداً في قاع مستنقعات التخلف السياسي والقصور الحضاري لمجتمع الأمة الواحدة. فوطن الأمة هو حقيقة من الحقائق الاجتماعية الكبرى بأوزانها الثقيلة. ويفترض الانتماء لهذا الوطن الإيمان بشرطٍ مبدئي أساسي: بأن "الأمةُ السوريةُ مجتمعٌ واحدٌ". وهذا إنما يستلزم العلمانية، بأننا في الوطن السوري جميعاً مسلمون لرب العالمين، فمنا من أسلم لله بالقرآن ومنا من أسلم بالإنجيل ومنا من أسلم بالحكمة، وليس من عدوٍ يقاتلنا في ديننا ووطنا غير اليهود، وبضرورة "فصل الدين عن الدولة"، و "إزالة الحواجز بين مختلف الطوائفِ والمذاهب". فهذان الشرطان المبدئيان هما:
-   أساس الوحدة القومية، و دليلُ الوجدان القومي.
-   والضمانُ لحياة الشخصية السورية واستمرارها. فهي أمةٌ واحدةٌ ـ مجتمعٌ واحدٌ. فوحدة المجتمع هي:
-   قاعدةُ وحدة المصالح، ووحدة المصالح هي وحدة الحياة.
-   وعدم الوحدة الاجتماعية ينفي المصلحة العامة، التي لا يمكن التعويض عنها بأيةِ ترضياتٍ وقتية". الخلاصة ـ الانتماء القومي الاجتماعي: بذلك نرى أن مفهوم الانتماء لا يقوم في الفراغ، بل أنه واقعٌ محدد، فهل يدرك أبناء الأمة الواحدة بأنهم مجتمع واحد ذو هوية واضحة، ويضعون هدفاً يسيرون عليه. وبأن قاعدة الأمةِ الواحدة في المجتمعِ الواحد، هي القاعدة الصحيحة للوجود القومي. لا يمكنُ أن تكونَ أمة واحدة إذا لم يكن هنالك مجتمعٌ واحدٌ، أي إذا لم تكن الحياة الاجتماعي واحدة. فإذا حصلت تجزئةٌ في المجتمعِ، تعرضت الأمةُ لخطرِ الانحلال النهائي، والاضمحلال. فصحة الأمةِ وتقدمها، لا يكونان إلا في مجتمعٍ واحدٍ. فالحركة القومية الاجتماعية تقيمُ بهذا المبدأ وما يتعلق به، حرباً عنيفةً مميتة على عوامل تجزئةِ المجتمع إلى مجتمعات، والأمةُ إلى أمم ـ هذه العوامل التي تجعلُ من كلِ طائفةٍ دينية، ومن كلِ عشيرةٍ أو طبقة، مجتمعاً قائماً بنفسهِ، وأمةً منفصلةً عن الطوائف والعشائر أو الطبقات الأخرى. فلا يمكنُ للأمةِ الواحدةِ أن تتجهَ في التاريخ اتجاهاً واحداً بعقلياتٍ متعددة، متباينة أو متنافرة". هذا أمرٌ مستحيل، حيث لا يمكن التوفيق بين تناقض المجتمع في كيانهِ والوحدة القومية. وبالتالي فإن مقولة الأمة ـ الوطن تقوم بالضرورة التاريخية على الأسس والخطط العامة لتطور البشرية وارتقائها في ثقافاتها المادية الناتجة عن تفاعل الإنسان والطبيعة (البيئة [الأرض ومقوماتها]). وإذا ما كانت البيئة في أحد مركبيها (الأرض)، والتي تعني تلك المساحة أو البقعة المحددة بحدود جغرافية بارزة تحمل اسم الأمة ـ الوطن، فإن الشعب، إنما هو مجموع عناصرَ وهجراتٍ كبيرةٍ متجانسة يقطنون ويتفاعلون تفاعلاً مزدوجاً مع البيئة، وفيما بين بعضهم البعض، وأولئك الذين ينسبون أنفسهم إلى نسب الأرض الوطني وحسب، وعلى خلفية هذا النسب، يحتسب الوطن السياسي، وتنحسر وتتراجع الأنساب والأحساب الاجتماعية والدينية الأخرى العائدة لمجموع العناصرَ والهجرات الكبيرة المتجانسة المكونة لنسيج الأمة بـ "إزالة الحواجز بين مختلفِ الطوائفِ والمذاهب". ذلك أن الشعب الذي بات ينتمي إلى الأمة ـ الوطن بات يمثلُ مقولة مدنية متقدمة على مفردات العرق والدين والطائفة والمذهب والفئة والعشيرة والقبيلة والفئة والجماعة، فالشعب ليس مقولة تحل محل المقولات الأخيرة، أو تقوم على أنقاض كل منها، بل هو قاسمها التفاعلي الجدلي الإيجابي المشترك والمطلق ليكون بمثابة إسمنت قومي اجتماعي، يكفل شروط تعميق الكيان الوطني، مؤسساً بذلك عقلية أخلاقية جديدة تؤسس لحياة الأمة ـ الوطن، ووسائل تقدمها، وتجهزها بقوة الاتحاد المتين، والتعاون القومي الصحيح، وتمهد لإقامة نظامٍ قوميٍّ اجتماعيٍّ جديد، يعمل على نمو الأمة، هذا النظام الذي يجب أن يكون:
-   هو الهدف العملي الأساسي.
-   هو الغاية التي تطلبها حياة إنسانية مرتقية.
-   هو الغرض الذي تريدُ تحقيقهُ نهضةُ أمةٍ فتيةٍ ، قد ولدتْ ولادةً جديدةً بتعاليم الحياة الجديدة.
-   ويهيىء لها استعمالِ نشاطها وقوتها، ويقضي على المفاسد الاجتماعية والروحية والسياسية، والحزبيات الدينية، والإقطاع المتحكم بالفلاحين، والرأسمالية الفردية الطاغية، والعقليات المتحجرة، المتجمدة، والنظرة الفردية، والمنازعات الداخلية، والفوضى الداخلية، وضعف النظام الداخلي، ويهيىء لمقاومة ومهاجمة الأعداء الذين يأتون، ليجتاحوا بلاد الأمة بغية القضاء عليها تمهيداً للسيطرة، فـ "كلَ أمة أو دولة، إذا لم يكنْ لها ضمانٌ من نفسها، من قوتها هي، فلا ضمان لها في الحياةِ على الإطلاق"سعادة. حيث يتوجب على "كل أمةٍ تريدُ أن تحيا حرة مستقلة تبلغُ فيها مثلها العليا، يجبُ أن تكون ذات وحدة روحية متينة"سعادة. أن تشملُ "جميع قضايا المجتمع القومي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والروحية و المناقبية، وأغراض الحياة الكبرى"، التي تحيطُ بـ"المثلِ العليا القومية، وبالغرض من الاستقلال، وبإنشاء مجتمعٍ قوميٍّ صحيح" وينطوي تحت ذلك "تأسيس عقليةٍ أخلاقيةٍ جديدة، ووضع أساسٍ مناقبيٍّ جديد"، يكوّن "قضيةً ونظرةً إلى الحياةِ كاملة"، أي "فلسفةً كاملةً"، وأن:
-   توجه " حياة الأمة ... نحو التقدم والفلاح".
-   وأن تحرك " عناصر "القوة القومية" فيها لتحطيمِ قوة التقاليد الرثة"
-   وأن تحرر "الأمة من قيود الخمول والسكوت إلى عقائد مهترئة"
-   وأن تقف "سداً منيعاً ضد المطامع الأجنبية التي تهددُ مصالح ملايين السوريين وكيانهم". وأن تسعى إلى "إنشاء تقاليد جديدة، تُرْسْخُ فيها نظرتنا الجديدة إلى الحياة ومذهبنا القومي الاجتماعي". يتوجب في مظهر الانتماء القومي الاجتماعي و"في كلِ مظهرٍ من مظاهر أعمالنا الفكرية والسياسية والاجتماعية، نجدُ كم هو ضروري العامل الأخلاقي، وكم ينقص مجتمعنا تأسيس عقليةٍ أخلاقية جديدة، لأن العقلية الأخلاقية الجديدة، هي شيءٌ أساسيٌّ جداً"سعادة. على النحو المشار إليه، فإن مفهوم الانتماء إنما يفترض الأمة ـ الوطن كواقع قومي اجتماعي محكوم بجدلٍ أساسي هو جدلية تفاعل الشعب بالبيئة، داخل حدودها الطبيعية، بحيث ترتسم الهوية القومية الاجتماعية ـ الوطنية لأفراد الشعب الواحد على حجم حدود البيئة الطبيعية، وعلى مقاس القاسم والمصلحة الوطنية العامة التي تتلخص بأن "مصلحة سورية فوق كل مصلحة"، تحت سقف الانتماء القومي الاجتماعي ـ الوطني للكيان السياسي لدولة الأمة الواحدة، بأن "الأمةُ السوريةُ مجتمعٌ واحدٌ". وتكمن عظمة مفهوم الانتماء في أنها تربط ماضي الأمة بحاضرها نحو مستقبلها. فالمجتمع الذي يفتقدُ إلى هذا المفهوم، تتفكك مكونات نسيجه الذي صنعه بآلية التفاعل المحييّ. ويهدر طاقته ويفقدها، ولا يقوى على التحرك إلى غاية واضحة. ولا يمكن بالتالي بعث نهضة مهما كانت، ولكن بترسيخ مفهوم الانتماء القومي الاجتماعي على كامل النسيج السوري، يسهل نشر العقيدة وتحقيق الهدف.