الطائفة الآشورية/الحلقة الثالثة

السبت 24 حزيران (يونيو) 2006.
 
وقد تحوّلت هويتنا الآشورية إلى س

 

يواجه العراق مشروع تقسيم لعدد من الأقليات والطوائف. للتعرف على الواقع الإجتماعي للعراق تلقي "تحولات" الضوء على إحدى الجماعات التي يتشكل منها النسيج الوطني العراقي وهي الطائفة الآشورية(الحلقة الثالثة).

إعداد: أسماء وهبة

 

 وقد تحوّلت هويتنا الآشورية إلى سلعة إنتخابية حين حلت عبارة "الشعب" كبديل عن عبارة "القومية" في الخطابات السياسية، وبذلك بدأت الهوية  - "سمّها ما شئت" -  تفقد ميزتها القومية، وهذا ما حصل فعلاً بعد أن نزلت الأسماء الكوميدية إلى السوق بعدّة موديلات وأغلبها باللون البنفسجي الدارج... فقد بدأت بـ"كلدوآشوري" مع قرب البدء بكتابة الدستور المؤقت وتعيين اللجان المشاركة، وأكملت بـ"كلدوآشوري سرياني" مع قرب انتخابات المجلس الوطني المؤقت ومجالس المحافظات - لتنتهي بـ"مسيحي" في الإعلان الرسمي عن التمثيل في المجلس الوطني المؤقت والحكومة.

 إذاً كل ما نسمعه اليوم ما هو إلاّ كذبة كبرى، وما الأسماء المركبة إلا اغتيالاً للهوية الآشورية تحت شعار "الوحدة"، ومن أجل الكراسي "الكردية المسيحية" بالأرجل الآشورية، وليس هناك وحدة طالما هناك من يتمسك بهويته الآشورية مقابل من يُهملها، وهذا أمر طبيعي كون القضية ليست قضية إسم كما يحاول البعض ترويجه بل هي قضية هوية، وبما إنّ التاريخَ حقيقة ثابتة لا تقبل التغيير، فإن محاولة تغيير الهوية تتسبب عادة بنشوء تيارات متناحرة، ليزيد ذلك من الإنقسامات عوضاً عن التوحيد، هذا من الناحية النظرية، فما بالك لو أثبتنا من الناحية العملية فشل هذه السّبُل المتبعة في الوصول إلى أهدافها (المُعلنة)، حيث تمّت التضحية بكل الثوابت القومية في سبيل النجاح في استحقاق 30/01/2005، وهنا نسأل مروّجي التسميات المركبة، وخصوصاً الحركة الديموقراطية الآشورية بصفتها راعية تلك "الوحدة":

   أين وصلتم في ما تسمّونه "وحدة" ؟ 

  لماذا انسحب دعاة القومية الكلدانية من قائمتكم رغم اعتمادكم الإسم الكوميدي كتكتيك "توحيدي" كما ادعيتم في السابق؟

  ماذا يُفسّر لكم فشل التسونامي الكلدانية (5)  التي غيّرتم إسمكم ومبادئكم من أجلها، في تنظيم مجرّد لائحة أو إيصال مجرّد ممثل للمجلس الوطني المؤقت (6) ؟

  لماذا قبلتم يتسمية "مسيحي" للمقاعد في المجلس الوطني والحكومة، ولم تعترضوا مطالبين بتسمية "كلدوآشوري" طالما تعتبرونها المناسبة ؟

  أين قيمة نداء رجال الدين الذين كانوا البُعبُع في مؤتمركم في 23/10/2003 ؟ ومن استجاب لندائهم بمساندة فلان وفلان ؟

  كيف تفسّرون تسعير لائحتكم بـ 36 ألف صوت من أصل أكثر من 500 ألف آشوري يحق لهم التصويت بعد كل هذه الخطوات التي تعتبرونها "إنجازات وحدوية" (الأسماء المركبة) و"التعامل مع الواقع" (الإنهزامية والخضوع في سياستكم الخارجية) ؟

 أمّا إذا كان تهميش آشوريي ما تسمّونه "سهل نينوى" حجتكم في الفشل، أفليس هذا نتيجة تستركم على الممارسات الكردية الإرهابية في السابق؟ أم أنها "مُجرّد تجاوزات فردية تتمّ معالجتها"، كما سابقاتها ؟ ولماذا لم تفضحوا الفاعلين فيما فَضَحَهم منافسوكم وهم في العراق مثلكم وبدون حراس شخصيين ؟

 أمام كلّ ما وَرَدَ حول هذه الوحدة الكاذبة، لم يأخذ المثقف الآشوري دوره في الوقوف بوجه هذه السياسة وقفة صارمة، بل لاحظنا رومانسيته بهدف كسب الرضى (البعض وليس الكل) فقد قرأنا في الآونة الأخيرة - بعدَ 30/01/2005 - الكثيرَ من المقالات التي تبكي على نتائج الإنتخابات وتدعو إلى "الوحدة" وبأقلام معروفة، ولكن كتّابها يتعاملون دائماً بالمطلق وبشكل عام، متناولين طرحاً أو مُخططاً سياسياً ثمّ يلجأون إلى الوصف الشاعري لنتيجة طرحهم قبل أن تولد، بدون استخلاص العبر من المؤتمرات السابقة وبدون التطرّق إلى عمق المشكلة ولا حسبان الحواجز التي ستواجه الدعوة إلى كل مؤتمر "توحيدي"، لذلك نرى دائماً أمطاراً من المقالات التي لا تعدّ قراءتها إلا مَضيَعة للوقت، فكلمات كل مقالة موجودة في المقالة التي سبقتها وقد أصبحت كوجبات الطعام.

 وما هذه المقالات نفسها والدعوات اليوم إلا إثباتاً لفشل مؤتمرات الأمس والذين كتبوا عنها وغازلوها هم نفس المثقفين والكتاب، بدءاً من مؤتمر الأحزاب الثمانية في لندن (الفشل في الوثوق بمن يشتحقّ الثقة)، مروراً بمؤتمر أمستردام (الفشل في متابعة المقررات بجدّية)، وصولاً إلى تأسيس ما يُسمّى "المجلس القومي الكلدوآشوري" في أيار/2003 (الصندوق الفارغ الذي تحوّل إلى "كلدوآشوري سرياني" بعد امتعاض رؤساء الكنيستين السريانيتين)، وانتهاءً بمؤتمر يونادم كنا في بغداد (الفشل في احترام الهوية والمصير) - الذي لم يأتِ إلاّ مُكمِّلا للخلافات والإنقسامات السياسية داخل البيت الآشوري، ومسماراً في نعش الهوية الآشورية والمصير - والواقع اليوم هو الشاهد.

 إنّ للمثقفين دورٌ رائدٌ في حل مُشكلة التسمية، خصوصاً إذا كانوا ينتمون إلى المجتمعات الطائفية التي لم تفهم الهوية الآشورية بسبب فِتن رجال الدين، وهناك ضمن هذه الطوائف عددٌ كبير من المثقفين المؤمنين بآشوريتهم والذين عليهم أخذ دورهم بشجاعة والوقوف في وجه كلّ طفيلي يحوّل نفسه إلى حاجز أمام الوحدة "الآشورية"، سواء كان رجل دين أو سياسة، كما أنّ التحليلات والتعليقات الحذرة والخوف من الإنتقاد لم يعد يُجدي نفعاً كون الشعب الآشوري يمرّ الآن بأكثر المراحل حساسية في تاريخه.

 أمّا فيما يخصّ البسطاء، فبالإضافة إلى إنجرارهم وراء الوحدة على حساب الهوية، يبدو أن قسماً كبيراً منهم بات يُستعمَل كأداة للوصول إلى المناصب ولأهداف لا يعرفها ولم يَع بعد سياسة التخاذل والإنبطاح رغم وضوح هوية أبطالها، فقد انتفض فجأة حزب حرية ما يُسمى "بيت نهرين" والحركة والمنظمة الديموقراطيتين الآشورية و"الآثورية"... والمعذرة لو نسينا آخرين، انتفضوا هؤلاء ونظموا التظاهرات بدعوة بعض المساكين الذين لا يعرفون بأن المواطنة لا تقتصر على الحق الإنتخابي فحسب. مهما يكن، فتلك الحركة الجماهيرية تعني بأن الشعب الآشوري قادرٌ على التعبير والتظاهر لأجل ما يَعتبره أموراً مصيرية، وبوركت أيدي المتظاهرين وأرجلهم ويافطاتهم وصيحاتهم ... ولكن :

   لماذا لا نتظاهر إلا من أجل الكراسي والمناصب؟

  أين كان منظمو تظاهراتنا حين تمّ احتلال الأراضي الآشورية من قبل قوى التكريد والأسلمة والتعريب عبر عقود ؟

  أين كان منظمو تظاهراتنا حين كانت قوى التتريك والتكريد في تركيا تتقاذف الكرة الآشورية لينتهي بها المطاف على أبواب سفارات أوروبا في منتصف الثمانينات ؟

  أين كان منظمو تظاهراتنا حين ملّ سفراء الدول الغربية في أنقرة وإسلام آباد من طلبات الآشوريين اللاجئين من إيران وحين رماهم القدر أخيراً في شوارع الدول الأروروبية بدون مأوى ولا مأكل ؟

  أين كان منظمو تظاهراتنا قبل سنة فقط، حينما تمّت كتابة الدستور المؤقت المشؤوم الذي يكرّد ويؤسلم من تظاهرنا ضد تهميشهم؟ ألم يخرجوا هم آنذاك قائلين: "اليوم عيد الأمة الكلدوآشورية" وألم نرقص حينها بالذات في شوارع بغداد وبدعوة منهم فيما كان التركمان يتظاهرون احتجاجاً على نفس الدستور، ويرمقوننا بنظرات الأسف والشفقة ؟

  لماذا لا نسأل أيّاً من قياصرتنا القاصرين وبكلّ بساطة :"لأية قضية تناضل يا مناضل؟"... قبل أن نتظاهر من أجل كرسيّه...

  لماذا لا نتعظ من مواقف سياسيينا الإنهزامية على مستوى التعاطي الداخلي والخارجي؟ ونكون على قدر المسؤولية في القرارات تجاه الإستحقاقات القومية والوطنية؟

  لماذا نسمح لبعض سياسيينا بذرِّ رماد أتفه الأمور في عيوننا جاعلين أنفسَنا عبيداً لسياستهم الإنبطاحية وأكاذيب "الواقع" التي أصبحت ذرائعهم الرئيسية لإنهزاميتهم أمام الحفاظ على هويّتنا الآشورية والمطالبة بحقوقنا المشروعة؟

 إنّ القضية الآشورية يا من تظاهرتم، أكبر من حركة أو منظمة أو شخص، وهي ليست أبداً قضية ظرفية طارئة، بل هي معاناة طويلة ولدت قبل ولادة البؤساء الذين نظموا تظاهراتكم، وهي قضية حقوق "مصيرية" أكثر من كونها قضية حقوق مادية تقتصر على تدريس اللغة وكرسي وزاري وأعمال خيرية وتعليم الخياطة، كما أنّ تقرير المصير الآشوري يكون "بجانب" تقرير مصير أية فئة عراقية أخرى وليس "تحته" ولا "ضمنه".

  من يستطيع أن ينكر بأن القضية الآشورية كانت في عصر ما قبل الأحزاب والمنظمات بأوج عظمتها من ناحية الإندفاع الفردي والجماعي ومن ناحية البروباغندا؟ ومن كان ليصدّق بأننا سنواجه بعد ولادة الأحزاب ما نواجهه اليوم فعلاً؟  

 فلنعترف إذاً بأن الحركة القومية الآشورية أثبتت فشلها، كون تغيُّر الظروف قد يكون سبباً لتغيير الطرق في العمل السياسي ولكن ليس الثوابت القومية (الهوية) ولا الساسية (المطالبة بالحقوق المصيرية).

 ولنعترف بأن الحركة القومية الآشورية استسلمت في المراحل الجادة عندما يحين موعد المواجهة، وبشكل خاص من جانب المنظمات العجوزة التي تعتبر نفسها الرائدة في "النضال" و"التوعية" - ولنتذكر بأنه حتى الأحزاب المخلصة للهوية الآشورية ليست موحّدة سياسياً بكل معنى الكلمة.

 ولنعترف بوجوب خضوع هذه الحركة إلى عملية تنظيف وتجديد تجرّدها من كافة مفاهيمها الوحدوية والواقعية والحكموية وإلى ما هنالك من شعارات تافهة طالما استعملت كمؤامرات على الأمة الآشورية.

 ولنعترف بأننا نفتقر اليوم إلى "قيادة"، إن لم يكن لتدافع عن حقوقنا وهويتنا، فأقله لتطرح مشاكلنا، وقد آن الأوان لإدراك ما ينتظرنا وتحديد الأهداف مهما كانت العوائق - داخلية أم خارجية - فهناك تياراتٌ تصرّ على طرح القضايا المصيرية الآشورية رغم كل الصعوبات والتهديدات، وما ولادة هذه التيارات إلا الفرصة الوحيدة المتبقية أمامنا لرفع صوتنا، بعد أن طفح الكيل من المواقف الغير مُشرفة حتى الآن، وإن هذه التيارات الجديدة اليوم بحاجة إلى مساندة الشعب الآشوري بكلّ فئاته الكنسية والمؤسساتية، وبدعم الأبطال الذين تظاهروا بالأمس في سبيل المجهول.

 لذا نأمل بأن يستمرّ القيمون على هذه التيارات التي بكل أسف يرفضها البسطاء بسبب "حداثتها"، بمسيرتهم بكل ما أوتيوا من إيمان تجسّد في برنامجهم الإنتخابي، وشفافية صادقة في توضيحهم للإسم والتسميات، وشجاعة تمثلت في نداءاتهم في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، حول الممارسات التكريدية (ما لم يجرؤ عليه الآخرون)، ونناشدهم بأن يعملوا على رصّ صفوفهم باستمرار وأن يحاولوا قدر المستطاع شرح استراتجيّتهم ومفاهيمهم القومية لمن لم يفهمْها بعد، من آشوريين وغيرهم من قوميات العراق. 

 وعلى منظماتنا المخلصة للثوابت القومية الآشورية العمل لعقد مؤتمر قومي آشوري عاجل في العراق، على أن تتمّ دراسة عدّة مطالب مصيرية تكون انطلاقة جديدة للـقضية الآشورية المخدّرة على يد المؤسسات السياسية الهرمة والمهترئة، على أن تمثل هذه النقاط مطالباً آشورية حقة في العراق الجديد، وأن تكون وطنيّة نابعة من مبدأ "المساواة" الذي يتغنى به كافة الساسة العراقيين، الكاذبين منهم والصادقين، كما أن عدم موافقة أعداء الأمة الآشورية على تحقيق هذه المطالب لن يُلغي شرعيّتها، وهذا هو المدخل الوحيد إلى الوحدة الحقيقية، وحدة "آشورية" نابعة من ثقة الشعب الآشوري بأحزابه... وتصبحون على قضية... 

الهوامش:

 (1) تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية (AFP) بتاريخ 24/10/2003.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر.

(4) برنامج "نقطة نظام" على قناة "العربية" بتاريخ : 19/11/2004.

(5) المقصود هنا الفكر "القومَوي" الكلداني الذي ظهر مؤخراً لدى البعض من أبناء الكنيسة الكلدانية والذي ضخمه 

     "الوحدَويون"،   وليس الطائفة الكلدانية بشكل عام.

(6)  نجحَ ممثل واحد من دُعاة القومية الكلدانية، ولكن بصوت الأكراد ومن خلال قائمة ما يُسمّى "كردستان"

     (الحلقة الرابعة والأخيرة).