الطائفة الآشورية/الحلقة الثانية

السبت 24 حزيران (يونيو) 2006.
 
هذه السياسات وألاعيب البعثية الم

 

يواجه العراق مشروع تقسيم لعدد من الأقليات والطوائف. للتعرف على الواقع الإجتماعي للعراق تلقي "تحولات" الضوء على إحدى الجماعات التي يتشكل منها النسيج الوطني العراقي وهي الطائفة الآشورية (الحلقة الثانية).

إعداد: أسماء وهبة

 

هذه السياسات وألاعيب البعثية المجربة والمكشوفة تثير كثير من التساؤلات عن مصير "تحالف" الآشوريين مع الأكراد وجدوى ممارستهم  لحقوقهم القومية في المنطقة الشمالية، وهي تساؤلات تثير مخاوف الآشوريين في الداخل والخارج وتخلق حالة من التشكك في مصداقية الأكراد تجاه الآشوريين، وهو شعور مشروع لهم في الخوف على  ووجودهم في المنطقة الممتد في أعماق التاريخ، ذلك الوجود الذي لم تحدد معالم مستقبله في ظل المشروع الكردي للفدرالية، وإذا أستمر هذا الوضع، أي من دون التحديد الواضح والمبين للآشوريين وحقوقهم في المنطقة فإن الفدرالية الكردية سوف تبلع الموطن التاريخي للآشوريين وتهضم كل حقوقهم التاريخية المشروعة.  فهل يثبت الأكراد مصداقيتهم في التعامل مع الآشوريين من خلال فدراليتهم أم أنهم سيخونهم في أقرب فرصة عندما يتفاوضون مع النظام العراقي ويتركونهم عرضة لغبن المساومات ؟.

هذا التساؤل يفرض نفسه بشدة على جميع فصائل وأحزاب الحركة القومية الآشورية أن تأخذه بمأخذ الجد عند تعاملها مع الحركة الكردية أو مع قوى المعارضة العراقية وأن يكون مثل هذا المأخذ فاعلاً ومؤثراً يستلزمه قبل كل شيء، وحتى قبل التفكير والتخطيط والبحث في المشاركة الآشورية في مؤتمرات المعارضة العراقية، أن تكون فصائل الحركة القومية الآشورية متوحدة توحداً كاملاً بهذا الشأن وأن يرموا جانباً خلافاتهم الساذجة والتافهة ويضعوا مصلحة الأمة الآشورية فوق جميع الاعتبارات الحزبية والشخصية، فهو المعيار الوحيد الذي سيثبتون به مصداقيتهم تجاه الآشوريين. وما عليهم إلا أن يتعلموا من الماضي القريب وأن يتجنبوا التعثر مرة أخرى بنفس عثرة "الزعامة" ورغبة كل منهم أن يكون "الزعيم الأوحد" للأمة، وليتذكروا بأنهم إذا لم يحترموا نفسهم بوحدة صوتهم ورأيهم فأن الآشوريين أو غيرهم سوف لا يحترمونهم أبداً وتصبح مشاركتهم في المعارضة العراقية مجرد فقاعة هواء في سماء ساخنة. 

 

السّوقُ السياسية الآشوريَّة:باعة وزبائن وبضاعة ...

 رغم كلّ ما مرّ في تاريخ الأمة الآشورية ورغم مرور تسعين عاماً على انطلاقة حركتها القومية، لا يزال قسمٌ كبيرٌ من الشعب الآشوري يعاني من سوء فهم أهمية تقرير المصير راضخاً للأمر الواقع، وسوء فهم الهوية تائهاً في صحراء التسميات، وأصبحت "بساطة" قسم كبير منه الحجة الأبرز لإنهزامية المنظمات والمؤسسات التي تنشط في كافة المجالات، فبحسب فهمنا "البسيط" بساطة هؤلاء، إن أية حركة قومية تكون قبل كل شيء "فكرية إصلاحية" عن طريق مؤسساتها التي يقع على عاتقها توجيه المجتمع، بينما نرى بأن مؤسساتنا موجهة من قبل المجتمع البسيط نفسه، أما حين تنجح هي بتوجيهه، فلا يكون ذلك إلا لأهدافٍ لم تتبناها أصلاً، وعن طريق ذرّ الرماد في عيونه مُستغلة بساطه. 

لقد أتت تحديات بداية القرن العشرين (عصر ما قبل "الوحدة") بكل دمويتها لتكون سبباً أساسياً في ولادة الحركة القومية الآشورية. بينما أثبتت تحديات بداية القرن الواحد والعشرين (عصر "الوحدة") بأن قسماً كبيراً من الشعب الآشوري ليس إلاّ مجرّد مجموعة زبائن في السوق السياسية الآشورية يتبضّعون بالأسماء المركبة اللابسة ثوب "الوحدة" والشعارات الإنهزامية اللابسة ثوب "الواقعية"، تماماً كما أثبت الباعة من ساستنا في نفس السوق بأنهم مجرّدُ زبائن في السوق السياسية الغير آشورية يتبضّعون بالمناصب اللابسة ثوب "الديموقراطية"، فيما هم ليسوا في الحقيقة إلا أدواتٍ وأتباعاً أمام كل قرار واستحقاق وقانون وحدث، بحيث ستفقد الهوية الآشورية صفتها القومية وحقوقها المصيرية ليتحوّل الشعب الآشوري إلى مجرّد مجموعة من كتل اللحم والعظام تسير في شوارع آشور المكرّدة والمؤسلمة.

 لقد جاءت الإنتخابات الأخيرة امتحاناً للشعب الآشوري منطماتٍ وأفراداً في قدرته على مواجهة الواقع، وقد فشل في هذا الإمتحان، كما صُدمنا جميعاً بنتائج الإنتخابات ولكن كلّ منا صُدم على طريقته ولأسباب مُختلفة عن صدمة الآخر، وقد تخللت الإنتخابات حملات إعلامية لم يُحسِن بعضُ ساستنا ممارستها بحسب أصول التعامل من ناحية الإعلام داخل البيت الآشوري، بحيث توزعت التهم الخطيرة المدعومة بوثائق لم يرها أحد (بغضّ النظر عن صحّتها أو عدم صحّتها)، وأكاذيب حول "طائفية" لائحة أخرى  ليتسبّب كل ذلك في زيادة الشرخ في المجتمع بين مؤيّدٍ لهذا وذاك، وبذلك أفقدت هذه التهم ثقة قسم كبير من التاخبين بكافة الأطراف معاً وزرعت في نفوسهم النفور من المشاركة في الإستحقاق.

 أما بخصوص الفشل في التعامل ضمن البيت العراقي بشكل عام، فحدِّث ولا حَرَج... وقد لوحظت بوادر هذا التعامل في مثلث القوائم الآشورية التي لم يهتمّ الناخب لبرامجها بقدر ما اهتمّ بشخصيات بعضها والهالة البرّاقة التي ترتسم حولها تحت شعار النضال (الذي لا يعرف الناخب والمرشح عنوانه) وقدسية دماء الشهداء (الذين تمّ إهمال مسيرتهم) والحكمة والرويّة والواقعية (التي ليست إلا غلافَ الإنهزامية).

 إذا لم يتوقف فشلُ الإنتخابات على قلة عدد الناجحين من اللوائح الآشورية بقدر ما توقف على سوء نوعيتهم - فماذا لو نجح مئة مرشح غير مُهتمّ بهويته ولا بحقوق شعبه؟ وماذا لو وصل شخصٌ مؤهّلٌ ولو كان واحداً أحد ؟

 وبالآنف ذكره، فإن فشل الآشوريين في الإنتخابات كان فشلا نوعياً أكثر من كونه كمّياً، ولسنا هنا بصدد الدعاية للائحة معينة، فقد انتهى وقت الدعايات وحان وقت استخلاص العبر من النتائج وطريقة التلاعب بالثوابت القومية من أجل المصلحة الحزبية، وربّما الشخصية أو حتى "الغير آشورية"، وما تعدّد القوائم الآشورية الذي يعدّ سبباً في الفشل الكمّي والنوعي في آن، إلاّ نتيجة لتعدد الرؤى التي تجلت بين أسطر البرامج الإنتخابية لكل قائمة  وبذلك نستطيع القول بأن الناخب الآشوري لم يفهم الأبعاد السياسية لقراره في التصويت لفلان أو فلان، ليس لأن القسم الأكبر من الناخبين لم يقرأ البرامج الإنتخابية فحسب، بل لأن بعض من قرأها قادته الطائفية والعاطفة والتبعية وعبادة الرموز. كما لم يكن هذا الفشل إلاّ حلقة صغيرة في سلسلة الخيبات التي مرّ فيها الشعب الآشوري من خلال عدّة استحقاقات سياسية هامة أيضاً لم يفهمها الكثيرون أو رفضوا أن يفهموها وأهمها مؤتمر لندن للمعارضة العراقية، ثمّ الدستور الكردو- إسلامي المؤقت.

 إذاً من خلال امتحان الإنتخابات نلاحظ بأنّ المسيرة الآشورية تواجه اليوم مُشكلتين أساسيّتين:

 1.     عدم أهلية بعض الساسة وذلك واضحٌ من خلال استخفافهم بأهم الثوابت: الهوية القومية، والحقوق المصيرية.

2.     سوء فهم قسم كبير من الشعب الآشوري لأهمّ عوامل إستمرارية الحركة القومية لشعب مُضطهد ومهمّش، والعاملين الأساسين هما الحفاظ على الهوية والمطالبة بالحقوق، هذا بينما نرى بأن الخلاف في الميدان السياسي الآشوري هو في الحقيقة على هذين العاملين المهمّين بالذات، فعامل الحفاظ على الهوية تشوبه مشكلة التسمية، وعامل المطالبة بالحقوق تشوبه الإنهزامية والذلّ والخضوع.

 بعيداً عن الشرح التاريخي الذي مللنا منه في تفسير الفارق بين "الإسم" و"التسميات"، نستنتج بأن كذبة "الوحدة" قد أخذت الكثير من وقت الشعب الآشوري بحيث تحولت إلى قضيّة بحدّ ذاتها، ولا يخفى على أحدٍ بأن مشكلة التسمية (الأسماء المركبة) أيضاً قد لعبت دورها الفاعل في تقسيم المجتمع الآشوري وذلك استمراراً لتداعيات نشوء فكر قومي "كلداني"، وآخر "سُرياني"، وما هاتين البدعتين إلا نتيجة التعصّب الطائفي التقسيمي لدى بعض رجال الدين والمنتفعين من ورائهم، مستغلين بساطة وطيبة بعض الآشوريين الذين يؤيّدونهم لمجرد انتمائهم إلى طوائفهم - وقد اتسمت مرحلة ما بعد صدام تحديداً، بحرب شعواء بين الفكر "القومي الآشوري" والأفكار المُستحدثة والمستورَدة، حين برز صراع أيديولوجي إلى جانب السياسي، بظهور حركة قوْمَويّة تحت الإسم الكلداني بدعم وتحريض التيارات الكردية ورجال الدين والفاتيكان، وأخرى تحت الإسم السرياني بدعم وتحريضِ رجال الدين وبعض التيارات التي لم ولن نفهم منها لا قضيتها ولا هويتها... كل ذلك داخل البيت الآشوري لدرجة أن تحوّل من يُحَجِّم الهوية الآشورية إلى "وحدوي" فيما تحوّل من يُقدّسها إلى "متعصِّب"... هذا فيما تحاصرنا التيارات المعادية التي تعمل بدورها على طمس هويتنا القومية وتهجيرنا من آشور سواء بتكريدها من قبل بعض "العلمانيين" أو أسلمتها من قبل بعض "الوطنيين".

1. و رجعنا إلى بداية مرحلة ما بعد صدام، نلاحظ بأنه بعد أن طبخت الحركة الديموقراطية الآشورية الطبخة الكلدوآشورية وأعلنت اعتمادها التسمية "السياسية" الجديدة، ورغم الإنتقادات التي تعرّضت لها من قبل الكثير من الآشوريين الحريصين على الثوابت القومية ومنهم الكثير من مسانديها بالذات، عقدت الحركة ومناصريها، المؤتمر "الوحدوي" في بغداد الذي هلل له البسطاء من الشعب الآشوري بدون أن يفهموا غاياته وأسبابه والأسس التي خرج بها. ولكي نبيّن ذلك .     قائمة ركزت على الوطنيّة والهوية القومية والحقوق (139) - لم ينجحْ منها أحد

2.     قائمة ركزت على الوطنيّة وبعض الحقوق - وأهملت الهوية القومية (148) - لم ليس علينا إلاّ اقتباس أقوال أكثر "القادة الكلدان" رهبة على أكبر حركة سياسية آشورية، وهو السيد شليمون وردوني (كسياسي وليس كمطران)  الذي قال في كلمته :

إنّ غاية رؤساء الكنائس والطوائف المسيحية تأسيس مجلس مستقل يعمل فيه المسيحيون كافة على توحيد كلمتهم امام الدولة وامام الشعب في العمل والبناء لتكون كل قومية وكل طائفة عضوا مهما فيه (أي في المجلس) وبدونه يكون المجلس ناقصا ويكون عمله عسيراً" (1)، إذا قالها بصراحة، لتكون "كل قومية وكل طائفة عضواً مهماً فيه"، أي أن الإسم الكوميدي سيجمع "طوائف وقوميات"، بما معناه أن كلّ من الإسمين الآشوري والكلداني هو إسم طائفي وقومي في آن، وبذلك فإن وحدة مؤتمر بغداد كانت وحدة القومية الآشورية مع ما تسمّى "القومية الكلدانية" تحت شعار "مسيحي" موحّد.

ويتابع وردوني خطابه التاريخي قائلاً: "إنّ هذا المجلس يدير أموره بنفسه ولكن بالتشاور مع السلطة الكنسية هو يختار له تسمية تمثله شمولا في الدستور العراقي الجديد حيث لا تذكر فيه الاديان بل القوميات. وهذا هو الهدف الرئيسي من انعقاد هذا المؤتمر لتوضيح الفكر والاستئناس بالآراء"(2) وفعلاً هكذا جاءت التسمية الوفاقية "الكلدوآشورية" في الدستور المؤقت المشؤوم بعد خمسة أشهر من "الإستئناس بالآراء" لتمثل قوميتين (لم يتم الإعتراف بأي منهما رسمياً بأية حال . 

وأيضاً يتابع ويُبشر البسطاء بأن ما تسمى "القومية الكلدانية" لن تذوب بالإسم الكوميدي قائلاً: "إنّ أعضاء المجلس الحاليين وصلوا الى تسمية مجلس الكلدواشور المستقل فقط من اجل توحيد التمثيل وليس لصهر أية من القوميات او الاثنيات وانما لاعطاء تسمية تشمل الجميع، اما اذا وضعت كل هذه القوميات في الدستور فالخير في ذلك والا فيوضع اسم عام يتفق عليه الجميع" (3).

 

إنّ الكنيسة الآشورية الكاثوليكية المسيطرة على مُجتمعها (مثقفين وأميين) تتبنى اليوم هذا الفكر الهدّام بالتعاون مع "الوحدَويين" والفاتيكان وقيادة القبائل الكردية، وهذا ما أوصلنا اليوم إلى الإعتراف بنا كـ"مسيحيين" رسمياً وبدون أية صفة قومية.

 ومن خلال ما جرى في فترة ولادة الإسم السخرية نلاحظ إلتقاء المصالح بين الأطراف التالية:

1-     مصلحة الفاتيكان المُستاء من المدّ الإنجيلي بين القبائل الكردية في السليمانية، والذي يحاول جاهداً الحفاظ على الإسم الكلداني داعماً رجال الدين الآشوريين الكاثوليك كون الإسم الكلداني هو صورة الوجود الكاثوليكي في العراق ولن يكون ذا قيمة فيما لو تمّ الإعتراف بالإسم الآشوري وحده في الدستور كقومية جامعة.

2-     مصلحة القبائل الكردية في تقسيم الشعب الآشوري، وذلك بخلق أحزاب "كلدانية" وهذا ما حصل.

3-     مصلحة "الوحدويين" الآشوريين، في الحصول على أكبر عدد من الأصوات من أجل

" الوصول إلى منصب.

 وستقف الكنيسة الكلدانية بوجه دعاة "الكلدانية" نفسهم، كونها لن تقبل بتاتاً بأن يأخذ الساسة دورها، وذلك واضح من خلال المواقف الوحدوية "الكلدوآشورية" التي تطلقها الكنيسة الكلدانية متى علا صوت "القوميين الجدد" بطريقة إنفصالية، والمواقف الإنفصالية من الكنيسة نفسها متى انخفض صوت "القوميين الجدد" وهنالك اليوم خلافات منها المعلن ومنها المستتر بين الساسة والكنيسة بحيث يحاول كلّ منهم السيطرة على إدارة الدفّة "القومية" الكلدانية.

 وفوق ذلك كله، تحوّلت التسميات المركبة إلى تغطية للمؤامرات، بحيث نزلت إلى السوق السياسي الآشوري كأدوات لإلهائنا عن القضايا المصيرية التي لم تفلح في معالجتها معظم الأحزاب الآشورية منفردة ومجتمعة، أو حتى في مجرّد طرحها رسمياً في المنابر غير الآشورية، ويكاد يشك المرء فيما لو كانت الأسماء المركبة قد تمت "الإستعانة" بها لتمرير مشاريع أخطر، أي خلق مُشكلة التسمية من أجل الوقوف في وجهها - بعدما تحولت "واو العطف" بين عبارتي "آشوري" و"كلداني" إلى الشغل الشاغل في مؤتمر لندن للمعارضة وخلال كتابة الدستور المؤقت المشؤوم -  وكذلك في دستور ما يُسمّى "كردستان"، وقد غطت هذه "الواو" رغم سخافتها، على التهميش بحقوق الشعب الآشوري في البيانات الرسمية العراقية بحيث لم نرَ مناهضي "الواو" يحتجون على ذلك التهميش، وقد نجحوا في لفت أنظار قسم كبير من الشعب الآشوري عن إهمالهم للأمور المصيرية. فقد وُلد طرح "المنطقة الإدارية" في ما يُسمّى "سهل نينوى" ليكون جزءاً من المخطط الكردي لضم شرقي الموصل إلى ما يُسمّى "كردستان" - وقد طالب مؤخراً بعض ارجال الدين اليزيديين والآشوريين من أتباع البرزاني بضمّ ما يُسمّى "سهل نينوى" إلى ما يُسمّى "كردستان"، ولم نلاحظ أي تعليق من جانب المطالبين بالمنطقة الإدارية "الكردستانية".

 وبأيّ حال، لم يتمّ الإعتراف بقوميتنا ("سمّها ما شئت" - كما يقول الباعة لزبائنهم) حتى هذه الساعة، كما أن المجتمع العراقي وساسته الذين لا ينتمون إلى ما يُسمّى "شعبنا" لا يَعتبروننا قومية بل مجموعة طوائف "مسيحية"، فالإسم المركب يعطي انطباعاً مسيحياً أكثر منه قومياً وأبرز من عبّر عن ذلك هو السيد إبراهيم الجعفري الذي قال في كلمته الإفتتاخية في مؤتمر يونادم كنا: "أنتم كآشوريين وكلدان وسريان بوحدتكم سترتقون لمستوى القوى العراقية الفاعلة..." ولا زالت تقال هذه العبارات الخبيثة في كافة التصريحات لكافة الساسة العراقيين، وبضمنها السيد يونادم كنّا نفسه وصاحب الإمتياز لماركة "كلدوآشوري" والمناهض الأوّل للـ"واو"، حيث قال في إحدى مقابلاته ما حرفيّته: "هناك العديد من العوائل أو الآلاف من العوائل من الفيليين إلى الشيعة وإلى الكرد وإلى الآشوريين وغير ذلك والكلدان وغير العراقيين الذين تم تهجيرهم" (4) طبعاً قالها سهواً...

 إنّ اللجوء إلى الأسماء الكوميدية المركبة كان الخطأ الأكبر رغم نيله إعجابَ بعض الآشوريين العاطفيين والإنتقائيين من كافة الأذواق، وبتشجيع بعض المنظمات التي تخرّج مؤسِّسوها من المدارس المعادية للخصوصية القومية الآشورية ليس في العراق وحده بل في مختلف بلدان تواجد الشعب الآشوري كذلك، بحيث ظهر باعة الهوية بأفكارهم المتنوعة؛ هذا قومي سوري وذاك كردستاني والآخر شيوعي والآخر "مسيحي عراقي" والأخير عروبي سابق ... كلهم يدعون إلى الوحدة لشعبٍ لم يأبهوا له يوماً فيما يقف ذلك الشعب حائراً حول السبيل إلى تلك الوحدة. وفي نفس الوقت حَوَّلت التسميات المركبة تلك الوحدة إلى مشكلة لدى من يفهم هويته الآشورية أصلا، وقد تآكله صراعٌ داخلي فيما يختار بين الإخلاص لهويته الآشورية أم وحدة ما يُسمّى "شعبنا" تحت تسمية هزلية (ألحلقة الثالثة).