الطائفة الأشورية/الحلقة الأولى

السبت 24 حزيران (يونيو) 2006.
 
يواجه العراق مشروع تقسيم لعدد من

 

يواجه العراق مشروع تقسيم لعدد من الأقليات والطوائف. للتعرف على الواقع الإجتماعي للعراق تلقي "تحولات" الضوء على إحدى الجماعات التي يتشكل منها النسيج الوطني العراقي وهي الطائفة الآشورية(الحلقة الأولى).

إعداد: أسماء وهبة

 

ما هو مصير حقوق الآشـوريين في شمال العراق؟

حنا سوريشـو

من الواضح أنه رغم عدم استقرار المنطقة الشمالية من العراق، فإن الآشوريين يتمتعون في ظل الهامش الديمقراطي الذي توفره جملة ظروف محلية وإقليمية ودولية استثنائية في تاريخ المنطقة ، يتمتعوا بنوع من الحقوق والتي تعد الأولى من نوعها في تاريخ العراق السياسي، والفضل الأول يعود إلى الحركة الديمقراطية الآشورية التي استطاعت بفضل قوة تنظيمها وسعة شعبيتها وسلامة علاقتها مع القوى السياسية الأخرى ركوب موجه التحولات التي شهدتها المنطقة واستغلالها للمصلحة الآشورية. فالآشوريون يشاركون في البرلمان كما تشارك الحركة الديمقراطية الآشورية في الجبهة الكردستانية إضافة إلى حصة وزارة الصناعة والطاقة. والأهم من هذا الجانب السياسي هو المنجزات الثقافية التي تم تحقيقها خلال عشر سنوات الأخيرة، كتعليم المناهج الرسمية المقررة في المرحلة الابتدائية والثانوية باللغة السريانية في المدارس التي أكثريتها من الآشوريين وتأسيس المركز الثقافي الآشوري ومديريات للثقافة الآشورية  والتعليم السرياني والبث الإذاعي والتلفزيوني وإصدار المجلات والجرائد وطبع الكتب وغيرها من المنجزات الثقافية والفنية.

 وإذا كان صحيحاً بأن هذه الحالة الاستثنائية في تاريخ العراق السياسي الحديث أتاحت للآشوريين فرصة ممارسة جانب من حقوقهم القومية المشروعة هي إحدى إفرازات حرب الخليج الثانية وخروج المنطقة الشمالية من سيطرت النظام العراقي في بغداد الذي حرمهم من حقوقهم القومية والثقافية، فهل  لهذه الفرصة الاستثنائية جانب آخر يتمثل جزء منه في مدى قدرة الأكراد وزعامتهم وتنظيماتهم السياسية على التفهم المنطقي لطبيعة علاقتهم السياسية والجغرافية مع الآشوريين؟ خاصة وأن مثل هذا التساؤل يفرض نفسه عندما ندرك بأن الأكراد هم كأقلية ضمن العراق ككل ولم يكن لهم خبرات أو تجارب في الحكم المستقل أو الإدارة المستقلة لكي يتعاملوا حقوقيا وسياسياً مع الآشوريين. 

من المعروف أن الأكراد عاشوا إلى جانب الآشوريين منذ فترة طويلة حيث تتداخل أراض موطنهم التاريخي مع الحدود الجغرافية للمنطقة التي عرفت فيما بعد بـ "كردستان" فكان لهذا التداخل إلى جانب الاختلافات الدينية والقومية والحضارية وحتى النفسية عوامل ساهمت بشكل كبير في أن يرتكب الأكراد مذابح بحق الآشوريين وتشريدهم من أراضيهم والتي جعلت أن تتصف صفحات تاريخ العلاقات بينهما بالكثير من العداء والنفور والتوتر وخلقت نوع من عدم اطمئنان الآشوريين للجانب الكردي حتى قيام الحركة القومية الكردية المعاصرة ونضوجها ومن ثم تبلورها في أحزاب سياسية ومنظمات قومية، خاصة عند تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في الأربعينيات من القرن الماضي وبقيادة الزعيم ملا مصطفى البرزاني الذي كانت له علاقات وطيدة مع الآشوريين ومع بعض الشخصيات الآشورية، ربما بسبب أصوله التاريخية التي ترجع إلى جذور آشورية مسيحية وتحديداً إلى عائلة القس داود التي كانت من سكان قرية برزان الآشورية قبل فرض الدين الإسلامي على أهلها في القرون القليلة الماضية. كما لعب استبداد السلطة المركزية ضد الآشوريين والأكراد معاً وإهمالها للمنطقة الشمالية بشكل عام، عوامل أخر ساعدت على تقارب مصالح الشعبين في مواجهة التحديات المشتركة. وعندما نشبت الحركة الكردية المسلحة في بداية الستينيات من القرن الماضي ضد حكومة بغداد، أنظم بعض الآشوريين إليها باعتبارها حركة تحريرية معبرة عن مصالح المنطقة. وكان إبعاد حزب الديمقراطي الكردستاني كلمة "كردي" من أسمه وإحلال محلها "الكردستاني" كسياسة تكتيكية في هذا السياق باعتباره حزب لسكان منطقة كردستان كلها وليس للأكراد وحدهم، وهو نفس الأسلوب الذي أتبعه مجموعة من الأكراد بزعامة جلال الطالباني عندما انفصلت عن حزب الديمقراطي الكردستاني وأسست حزب الاتحاد الوطني الكردستاني.

ومن الملاحظ بأن اتحاد الوطني الكردستاني الذي يسيطر على منطقة سوران، ومركزها مدينة السليمانية،  لا يعاني من مشكلة الأقليات القومية كما هو الحال مع حزب الديمقراطي الكردستاني الذي يسيطر على منطقة بهدنان ومركزها مدينة دهوك حيث هناك اقليات آشورية وتركمانية وحتى يزيدية وبعض الجيوب العربية والتي يستوجب التعامل معها بشيء من الفطنة السياسية خاصة في ظروف استثنائية كظروف المنطقة التي من ممكن أن تستغل من أجل زيادة التوتر وعدم الاستقرار أو تحقيق بعض المنافع أو تثبيت بعض المراكز كما هو الحال مع تركيا  تجاه الأقلية التركمانية في العراق وهي نفس الورقة التي حاول اتحاد الوطني الكردستاني استخدامها في حربه "الباردة" مع الديمقراطي الكردستاني في دعواته المستمرة بضرورة حماية وصيانة حقوق الآشوريين والتركمان في المنطقة وكأسلوب لإحراج خصمه في هذه المسألة الحساسة .

ولما كان الأكراد قد عانوا الأمرين من استبداد السلطة المركزية مثلما عانوا بقية الاقليات،  خاصة الآشوريين منهم فأنه أ ستوجب على زعمائهم وعلى حركتهم السياسية  أن يكونوا أكثر ديمقراطيةً مع الاقليات ويتفهموا معاناة المضطهدين لذلك كان لازم عليهم إظهار الحركة الكردية كحركة تقدمية ديمقراطية أمام الرأي العام العالمي فيما يخص تعاملها مع الآشوريين كأقلية قومية ومسيحية،  سيما وإن الحقوق الممنوحة لهم لا تشكل تهديداً لا من الناحية العسكرية والسياسية ولا من الناحية الديموغرافية على السياسات الكردية في المنطقة وتجاه السلطة المركزية أو تجاه دول المنطقة. أي بعبارة أخرى يمكن القول، بأنه رغم قلة خبرة الأكراد في الحكم وفي التعامل الديمقراطي خاصة مع الأقليات المختلفة عنهم قومياً وديناً فأن الظروف الإقليمية والدولية الاستثنائية التي تمر بها المنطقة والتي فرضت على القوى الكردية المتحكمة أن تطغي على حكمها نوع من الديمقراطية وأن تمنح الآشوريين بعض الحقوق، فإن السؤال المفروض هو: إلى أي مدى يبقى الأكراد ديمقراطيون مع الآشوريين ومتسامحون مع ممارسة حقوقهم في المنطقة في حالة تغيير الظروف الاستثنائية وعودة الحالة الطبيعية السابقة للمنطقة أو في حالة تطبيع العلاقات مع النظام العراقي بعد مرحلة رفع العقوبات الاقتصادية أو بعد تحسين السمعة الدولية والإقليمية للنظام أو حتى بعد تغيير النظام في العراق ومجيء نظام جديد يكون للأكراد دوراً فاعلاً فيه؟ وهل يظل الأكراد على نفس الحالة، أي أنهم سيستمرون في تعاملهم الديمقراطي مع الآشوريين ويظل هؤلاء يمارسون نفس حقوقهم القومية والسياسية أم أن الأكراد سيساومون عليها ويضربون عرض الحائط كل الاتفاقات والقرارات التي تتعامل مع حقوق الآشوريين وينقضونها، خاصة إذا عرفنا بأنه للأكراد مشاكلهم التاريخية المستعصية تكفيهم للحد الذي لا يستطيعون تحمل مشاكل الغير أو الدفاع عنها والتضحية في سبيل حلها لاسيما عندما يكون الموضوع متعلقاً بمصلحتهم القومية وتحقيق فدراليتهم مع النظام العراقي.  ثم ماذا  سيكون موقف الأكراد من حقوق الآشوريين في ظل هذه الفدرالية التي من غير الممكن أن تتم إلا ضمن الإطار الموحد للعراق وضمن اتفاق مع الحكومة المركزية في بغداد ؟. أي ما هو مصير حقوق الآشوريين في حالة التصالح مع هذا النظام الذي يرفض التعامل مع أية حقوق أخرى للأقليات،  كحقوق الآشوريين، خارج إطار المشكلة الكردية ؟.

ولمعرفة موقف الاكراد تجاه الآشوريين في ظل المتغيرات الجديدة المحتملة لابد أن نتعرف على طبيعة تعامل الأكراد مع الآشوريين وهي الطبيعة التي تدور ضمن إطارين :

الأول : علاقة الأكراد مع الآشوريين كأقلية كردستانية مسيحية : وهي العلاقة المبنية على أساس إن الآشوريين أقلية كردستانية وفي بعض الأحيان يتماد التطرف في هذا الموقف إلى درجة اعتبار الآشوريين مجرد أقلية كردية مسيحية أو أكراد مسيحيون يتم التعامل مع حقوقهم القومية كجزء من حقوق الأكراد بشكل عام دون تمييز أو اختلاف. وقد وجدت الحركة الكردية من يؤيدها في هذا السياق من بعض الآشوريين المنتمين إلى أحزاب هذه الحركة أو الذين يعادون أو يعارضون التطلعات القومية الآشورية ويتراصون مع النظام العراقي في معاداته لحقوق الآشوريين القومية. هذا الاتجاه لا يترك أية مشكلة بالنسبة للأكراد ولا يشكل إعاقة أمام تحقيق المشروع الفدرالي الكردي مع النظام العراقي باعتبار الآشوريين جزء من مشكلة مجموعة " كردستانية" مسيحية  تعالج ضمن إطار المشكلة الكردية ككل، وهو سبب رئيسي يدفع زعماء الحركة الكردية وعلى الدوام تجاهل القضية الآشورية في وسائل الإعلام الدولية وفي المقابلات التي يجريها زعماء الحركة الكردية، خاصة زعماء الحزب الديمقراطي الكردستاني. ويظهر مثل هذا الموقف في تصريحات المسؤولين "البارتيين" عند الإشارة إلى التنوع القومي في العراق الشمالي والإشارة إلى حقوق "التركمان والمسيحيين". فإذا كانت تأكيدهم لحقوق التركمان يأتي تطيباً لخاطر تركيا وخشية منها، فإن الإشارة إلى حقوق المسيحيين ما هو إلا نفاق سياسي يقلد النظام البعثي في بغداد الذي يتغنى بمكارمه في منح "حقوق المسيحيين" رغم سلبه منهم أبسط هذه الحقوق. . وبالمقابل  يترك مثل هذا الموقف حساسية وحالة من التوتر والقلق لدى المنظمات والحركات القومية الآشورية ويثير لديها نوع من المخاوف من ابتلاع قضيتهم وهضم حقوقهم ضمن القضية الكردية، كما تواجه هذه السياسة الكردية معارضة كبيرة من قبل الآشوريين، خاصة من قبل المنظمات الآشورية التي تنشط في الخارج والتي تعتبرها سياسة مرفوضة وغير مقبولة على الإطلاق.

الثاني : علاقة الاكراد مع الآشوريين كحركة قومية سياسية : للآشوريين حركة قومية تمتد بدايتها إلى فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، غير إنها لم تتبلور في تنظيمات سياسية إلا في منتصف هذا القرن . وبقدر تعلق الأمر في العراق وبمنطقته الشمالية فإن الحركة الديمقراطية الآشورية والمعروفة بـ "زوعــا" التي تأسست رسمياً  عام 1979 والتحقت بالحركة المسلحة المعارضة للنظام العراقي في شمال العراق عام 1981، تعتبر أول حركة سياسية آشورية تتبلور في أهدافها وشعاراتها الطموحات القومية والوطنية للآشوريين وبشكل واضح ومتميز ومستقل عن غيرها من الحركات السياسية وبالأخص الحركة الكردية، وتحديداً الحزب الديمقراطي الكردستاني. لقد فرض قوة تنظيم زوعـا وكثافة نشاطها ودعمها من قبل أكثرية الآشوريين سواء في العراق أم في بلدان المهجر أن تكون حقيقة واقعية لم يكن من السهل تجاهلها من قبل الحركات الكردية والسياسية في شمال العراق أو من قبل تنظيمات المعارضة العراقية إلا وأتاحت الفرصة لها للمشاركة في معظم النشاطات السياسية ، خاصة مشاركتها في اللعبة الديمقراطية في شمال العراق وتحقيق بعض المكاسب في إطار الحقوق المشروعة للآشوريين التي سبق الإشارة إليها. هذه العلاقة السياسية مع الآشوريين وتنظيماتهم السياسية هي أساس الاتفاق القائم بينهما  في ممارسة الآشوريين لحقوقهم القومية ضمن إطار المؤسسات والأنظمة الرسمية والسياسية والحزبية في المنطقة.

ولكن السؤال يبقى قائماً وهو إلى أي حدود تستطيع الحركة الكردية وأحزابها السياسية التعامل مع الآشوريين سياسياً ؟ أي التحالف مع الحركة الديمقراطية الآشورية فيما إذا تمت المصالحة مع النظام العراقي أو تغيره بنظام آخر يمهد الطريق لتحقيق الفدرالية أو نوع من الحكم الذاتي للمنطقة الشمالية. وأين ستكون حقوق الآشوريين أو موقع الحركة الديمقراطية الآشورية من هذا التفاوض وهل ستتخلى الأحزاب الكردية عنها أو تساومها أو ستعتبرها مجرد جزء من المشكلة الكردية على أساس اعتبار الآشوريين مجرد أكراد مسيحيين؟ وماذا سيكون موقف الحركة الديمقراطية الآشورية في حالة تفاوض الأكراد مع النظام العراقي ؟ وماذا سيصبح مصير حقوق الآشوريين في المنطقة ؟؟ هذه التساؤلات التي تشغل بال الآشوريين بالدرجة الأولى نجد جانب من أجوبتها في التاريخ القريب عندما فاوض الأكراد حكومة بغداد عام 1992 حيث كانت الحركة الديمقراطية الآشورية والحزب الشيوعي العراقي الوحيدان من  أعضاء "الجبهة الكردستانية" اللذان أبديا تحفظاً على هذا التفاوض، وأساس تحفظ هذه الحركة كان قائماً ولا يزال، وهو أن النظام العراقي لا يعترف بالآشوريين كأقلية قومية فكيف يتم التفاوض حول منح حقوق لشيء غير موجود وغير معترف به، فأساس حقوق الآشوريين في العراق يقوم على الشعار الذي رفعته هذه الحركة في "عراق ديمقراطي حر والإقرار بالوجود القومي الآشوري" وهو المبدأ الأساس الذي لا يمكن التنازل عنه، كما يقول قياديو هذه الحركة، وبالمقابل هو المبدأ الذي لا يقبله النظام العراقي ولا يقبل التفاوض حوله لا بشكل مباشر ولا بواسطة الأكراد ، لذلك سيكون المبدأ الذي قد يشكل عاملاً معكراً ومقلقاً للأكراد عند تفاوضهم مع النظام العراقي حول فدراليتهم وبالتالي سيكون معياراً مهماً في  اختبار مدى مصداقية الأكراد تجاه الآشوريين.

إن ممارسة الآشوريين لبعض من حقوقهم القومية والتفافهم حول منظمتهم الطليعية ، الحركة الديمقراطية الآشورية  أصبحت جزء من الواقع الراهن ليس أمر إلغائها أو تجاهلها مقبولا على الإطلاق لا محلياً ولا دوليا، لذلك عندما تحين فرصة التفاوض والمساومات لتحقيق المشروع الفدرالي  قد تدفع الأكراد إلى سياسة  تحجيم هذه الحقوق وحصرها في مجالات معينة أو إيجاد منظمة آشورية بديلة للحركة الديمقراطية الآشورية تقبل بمثل هذه الحقوق  كحل وسط يتوافق مع خفايا المشروع الفدرالي أو في كون الآشوريين مجرد أكراد مسيحيين. وتمشياً مع هذه السياسية يحاول الأكراد تضخيم الوضع الطائفي للآشوريين واللعب بالورقة الطائفية من خلال التأكيد على حقوق هذه الطائفة أو تلك من دون أي اعتبار قومي مشترك بينهما. لقد كان من الطبيعي أن يكون توسع نشاط زوعا بين جميع الطوائف الآشورية في المنطقة وتزايد انتماء أبناء الطائفة الكلدانية الكاثوليكية إليها وتسلم بعضهم مناصب قيادية في المكتب السياسي واللجنة المركزية أن يؤدي  ذلك إلى تحجيم انتماء الآشوريين إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني وحتى إلى الحزب الشيوعي العراقي، أو الحزب الشيوعي الكردستاني، والى انحسار نشاطهما بين الآشوريين فظهرت الحركة الديمقراطية كمنافس حقيقي وجدي في هذا المجال.  ففي عام 1992 عندما خصصت خمسة مقاعد للآشوريين في برلمان الإقليم دفع الحزب الديمقراطي الكردستاني بقائمته تحت أسم "القائمة المسيحية الكردستانية"  كما دفع الحزب الشيوعي العراقي بقائمته تحت اسم "قائمة كلدو وآشور" لمنافسة قائمة زوعا والتي فازت بالنتيجة بأربعة مقاعد وفاز ممثل القائمة المسيحية بالمقعد الخامس، والذي هو بالأصل ومنذ فترة طويلة عضو قيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني.  وإذا كان مثل هذه الإجراءات في التنافس قد تبدو شرعية ومقبولة من الناحية الشكلية إلا أنها نوع من التحايل على الخصوصية القومية التي أقرت للآشوريين عن طريق حصر التنافس بينهم على المقاعد الخمسة. هذا ناهيك عن الإجراءات الأخرى كالاغتيالات وتعرض مقرات زوعا إلى الهجوم المسلح والتي كان من وراؤها "عناصر مجهولة" واستيلاء الأكراد للقرى الآشورية  كلها تصب في سياسة ترهيب الآشوريين وتحجيم نشاطهم السياسي والقومي وبالأخص ترهيب أبناء الطائفة الكلدانية من مغبة الانتماء إلى هذه الحركة الآشورية القومية، وهو الانتماء الذي سيكون له ثقلاً سياسياً مؤثراً، من الناحيتين الديموغرافية والفكرية، خاصة عندما نتذكر بأن المهندس فرنسيس شابو عضو البرلمان،  اغتيل عام 1993 والذي يعتبر أول شهيد برلمان الاقليم، كان من أبناء الطائفة الكلدانية المنتمين للحركة الديمقراطية الآشورية ومن اكثر العناصر النشطة في دعوته إلى توحيد الطوائف الآشورية.

ليس هذا فحسب، فقد لجأ الأكراد في السنوات القليلة الماضية أيضاً إلى لعب الورقة الطائفية وكشفها على الساحة السياسية لغرض تحجيم النشاط القومي الآشوري في المنطقة. فعلى الرغم من تعاملهم الرسمي والسياسي منذ البداية مع الآشوريين من خلال الحركة الديمقراطية الآشورية أو الأحزاب الآشورية الأخرى، فأنهم لا تفوتهم فرصة للإشارة إلى "الكلدان" كأقلية مختلفة عن الآشوريين، رغم عدم وجود حزب أو حركة سياسية كلدانية مستقلة تتعامل معها بشكل مستقل.  فالكلدان لا يطالبون بحقوق سياسية وقومية منفصلة أو مستقلة وخاصة بهم إلا ضمن الإطار القومي الشامل لجميع الطوائف، عدا نقر قليل من المرتمين في أحضان القوى الكردية المناوئة لتطلعات الآشوريين القومية وينادون بحقوق كلدانية مستقلة عنهم. والأكراد رغم معرفتهم الجيدة بوحدة الأساس القومي لجميع الطوائف وبالتالي وحدة الإطار العام لحقوقهم القومية، فإن القصد من  تأكيدهم للفروقات الطائفية والتسميات المتنوعة للآشوريين واللعب بورقتها هو إضعاف لزوعا وحصر نشاطها القومي الشامل لجميع الطوائف ومن ثم  تحقيق سياسة تحجيم حقوق الآشوريين في المنطقة وتفتيتها بين طوائف وممل حتى يسهل هضمها أو تجاهلها، أو بهدف خلق أو تهيئة استعدادات لخلق خيارات متعددة بديلة عن زوعا تقبل بالمساومات السياسية على حساب الآشوريين عند التفاوض مع النظام العراقي من اجل تحقيق الفدرالية(ألحلقة الثانية).