حقائق عن الإدارة اللبنانية "الطوائفية/"النهار"/ 26-6-2006

بقلم سامي أ. حداد ()
الثلاثاء 27 حزيران (يونيو) 2006.
 
New Page 1

انا مدير عـــام في الادارة العــــامة في لبنـــان منذ سنوات طويلة، لست مارونيا ولا ارثوذكسيا ولا كاثوليكيا ولا ارمنيا ولا بروتستانتيا ولا من الاقليات (فكلنا في هذا البلد اقليات)، ولست شيعيا ولا سنيا ولا درزيا ولا علويا ولا حتى علمانيا... فانا بكل بساطة لبناني فقط!
ولست تابعا لـ"تيار الحريري" ولا لحركة "امل" او "حزب الله" ولا للتقدمي الاشتراكي، كمــا لســت منــتــمــيا الى جمــاعــة لحــود او "التــيــار الوطني الحر" او الكتائب او "القوات اللبنانية" او "المردة"، ولا الى الطاشــناق او الهنشــاق او الرامغافار، كما اني والحمد لله لست بعثيا ولا ناصريا ولا "قومجيا" ولا "اخوانجيا" ولا "حبشيا"... فانا بكل فخر لبناني فقط!
وليست لدي اهواء خاصة تشدني الى سوريا او مصر او السعودية، ولست ايراني الهوى، وطبعا ليست لدي ميول معينة تربطني بالولايات المتحدة او فرنسا او بريطانيا... فانا بكل تواضع لبناني فقط!
ورغم احترامي لهم جميعا، لم اقم قبل ذلك بزيارة للبطريرك صفير، ولا للبطريرك هزيم ولا المطران عودة، ولا للبطريرك لحام، كما لم افتح علاقات خاصة مع المفتي قباني او المفتي قبلان او شيخ العقل... فانتمائي الوحيد بكل حرية الى لبنان فقط!
والمثير انــي لم اتشرف بلـــقاء اعـــلـــى المراجـــع الرسمية اللبنانية (من رؤساء جمهورية وحكومة ومجلس نيابي ووزراء ونواب والاداريين الكبار...) لطلب شخصي هنا او خدمة هناك او حظوة هنالك، ولكن تشرفت بلقاء هؤلاء القادة (السابقين والحاليين) لاسباب تتعلق بالمصلحة العامة دون سواها!
والاهم انه من حسن طالعي اني دخلت "جنة" الادارة العامـــة مصادفـــة، لا لثـــروة امي او لجاه ابي او لارث سليل لعائلتي، ولا لتزلّم هنا او تزلّف هناك او تبعية هنالك... ولكن نتيجة لبعض الشهادات والخبرات والمهارات وحسن السيرة التي ازهــو بــاني اتمتــع بــها والتــي كانــت ثمرة يانعة لجهد وجهاد واجتهاد!

حقائق مرّة

ولاني كذلك... اردت ان اعرض لجيل الادارة اللبنانية الجديد وللطامحين بخدمة بلدهم عبر المراكز الادارية القيادية التي "يتنافس عليها المتنافسون" بعض الحقائق المؤلمة كعصارة تجربة طويلة ومريرة:
الحقيقة الاولى: اذا اردت ان تصل يوما الى منصب من مناصب الفئة الاولى، فعليك ان تكون واحدا من هؤلاء:
-
اما ان تكون حزبياً او طائفيا (اي منتميا الى الطائفة التي تمثل لا الى الوطن كاملا) او "متزلما" لاحد السياسيين، وعليك بالتالي ان تخدم الجهة التي اوصلتك الى هذا المركز على حساب القانون وعلى حساب الآخرين وغالبا على حساب الخزينة العامة.
-
اما ان تفتح على حسابك، وعندها تعتبر الدولة والوظيفة فيها بقرة حلوبا.
-
واما ان تكون الاولى والثانية معا.
-
او تختار ان تكون نزيها وشريفا. على ان تبقى مفلسا، وبالتالي يمكنك بالكاد ان تعيش وسط غابة مستشرية لذئاب "متناهشين".
الحقيقة الثانية: اعلم ان رواتب وتعويضات مناصب الفئة الاولى على ثلاث درجات:
-
الدرجة الاولى تحصل فيها على راتب وتعويضات رسمية وقانونية تصل الى عشرات الملايين من الليرات اللبنانية، وهي حكر على بعض المقربين من اصحاب الحظوة.
-
الدرجة الثانية تحصل فيها على راتب وتعويضات تراوح بين 5 و10 ملايين ليرة شهريا.
-
الدرجة الثالثة والاخيرة تحصل فيها على راتب الحد الادنى من الفئة الاولى بحيث لا يتجاوز 1500 دولار شهريا بعد المحسومات، فاذا كنت آتيا من احدى المدن او البلدات البعيدة عن بيروت لتعمل في العاصمة (حيث متوسط ايجار الشقة 800 دولار شهريا)، فانك ستضطر للتسول على معاشك في كل شهر، في حين ان رواتب بعض وظائف الفئة الثانية (كمستشفى بيروت الحكومي الجامعي) يتجاوز 6 ملايين ليرة لبنانية شهريا كما ان تعويضات الاعضاء غير المتفرغين في بعض المؤسسات العامة (من الذين يعملون في مهن حرة اخرى ولا يدامون الا ساعات قليلة في الشهر) تبدأ من مليونين ونصف المليون (ايدال) لتصل الى تسعة ملايين شهريا (مجلس الجنوب)!!
الحقيقة الثالثة: انك بين ليلة وضحاها قد ترمى كورقة "الكلينكس" (وعذرا للتعبير)، سواء تغير الوزير المختص او تغير مزاج رئيس الجمهورية او لم تتماش مع تطلعات رئيس مجلس النواب او انك لم تلب مطلبا من مطالب رئيس مجلس الوزراء او انك خرجت عن تمن من تمنيات احد الوزراء او النواب النافذين او حتى لاقل من هذه الاسباب "الوجيهة"، فلربما طمع احد اصحاب الحظوة في وظيفتك ورأى نفسه مكانك فكان له ما اراد...
ولهذا فقد تسمع اسمك على التلفاز (وانت لم تزل تداوم مجانا في عملك ليلا خارج اوقات الدوام) بأنك وضعت في التصرف او انهيت خدمتك... (نعم هكذا... وبكل صفاقة!)، وفي افضل النتائج تصل بعد سنوات الى حكم من مجلس شورى الدولة ينصف مظلمتك، وهيهات هيهات ان ينفذ. ولن انسى ما حييت قول احد الزملاء الموضوعين في التصرف بعدما خدم الدولة بنزاهة الحكيم المتفاني "الفرق يا أخي بين المدير العام في الخارج (ويقصد دول العالم المتحضر) وبين المدير العام في جمهورية من "جمهوريات الموز" كلبنان بسيط جدا: فالاول تعامله دولته معاملة القائد الاداري الاساسي الذي يخطط وينفذ ويبدع، اما الثاني فيعامل معاملة "الطرطور" بأمتياز".
الحقيقة الرابعة: ان الادارة اللبنانية اصبحت اكثر من اي وقت مضى مقبرة للابداع. خطط ما شئت، استوح ما بدا لك، استثمر معارفك وعلومك وخبراتك كيفما ارتأيت... النتيجة واحدة: تأخير بيروقراطي هنا، وقطع طريق سياسي او طائفي او زبائني هناك، وعدم اكتراث تام هنالك... اترك هذه الخزعبلات التطويرية او التحسينية او التقدمية لبلاد اخرى، وابتسم... انت في لبنان!

الحقيقة الخامسة: تحت بنود "الصلاح والاصلاح" التي اضحت على كل شفة ولسان، هناك من السياسيين من يريد ان يقاسمك في رزقك وحياتك ومستقبل اولادك، فمن مشاريع "تعاقد وظيفي" هنا (التي ما ان تطرح حتى تسحب من التداول... وما ان تسحب حتى تعود لتطرح باشكال ومسميات اخرى)، الى تجميد رواتب هناك، وزيادة ضرائب هنالك... بل الى أسوأ من ذلك عبر طرح مشاريع تقضي بتخفيض الرواتب التقاعدية وتقييد الضمانات الاجتماعية وتقليل التقديمات الصحية...
الكل عينه على ما تبقى من ورقـــة توت اخيرة تستر عورات من ضحى بعمـــره من موظفي الدولة، فالمهم ان نجــد وسائل سهلة لسداد عشــرات مليارات الدولارات التي ذهــبــت سرقة وهــدرا وتنفــيــعات وفوائــد فاقــت في اغلــب الاحــيان عتــبـــة الربــا المحرم في كل الشرائع السماوية والقوانين الارضية.
والمؤلم ايضا وايضا في هذا المجال ان ما ينطبق على المديرين العامين ورؤساء مجالس ادارة المؤسسات العامة ينطبق على موظفي الفئة الاولى في بعض الاسلاك الاخرى، ولا سيما السلك الديبلوماسي حيث يعامل السفراء الاجانب في لبنان معاملة "الامراء" من قبل اركان الدولة اللبنانية، فيتدخل هؤلاء السفراء في كل شاردة وواردة من الحياة الداخلية في البلد ويبرزون على الصفحات الاولى للجرائد والمجلات وتتصدر تصريحاتهم مطلع نشرات الاخبار المرئية والمسموعة... في حين نرى ان السفير اللبناني في الخارج ما هو الا موظف "مغمور" عادة، يكتب التقارير الى رؤسائه، ويكتب بعض موظفي السفارة التي يرئسها في حقه التقارير (بعدما سادت سياسة التجسس بين معظم الموظفين في سفاراتنا في الخارج، حيث يكتب كل فريق في حق الآخر للجهة التي ينتمي اليها)، وعليه ان يستقبل الوزير الفلاني او السياسي العلاني اذا قام بزيارة رسمية او خاصة الى البلد الذي يقيم فيه هذا السفير الذي "تحجمه" حكومة بلده قبل أي طرف آخر.
وينطبـــق الأمر كذلـــك على السلك القضائي، وليس أدلّ على ذلـــك من هاتـــيــك الدماء الزكية للقضاة الاربعة، المرحومين حسن عثمان ووليد هرمـــوش وعصام ابو ضاهر وعمـــاد شـــهاب، الــذيـــن زُهــقـــت ارواحـــهـــم هدراً منذ سبــــع ســنوات (في 9 حزيران 1999) على مذبح اللامبالاة الرسمية في لبنان، لامبالاة الا من كلمات... كلمات... كلمات (على حد تعبير المغنية الفرنسية الراحلة داليدا).

العقم الفكري

وبعد كل هذا "العقم الفكري" لدى معظم من يقود بلدك او جُلّ من يطمح لقيادته:
-
يأتيك من السياسيين الجدد من يريد اقناعك بقوله لمهاتفيه: "انا بالروح والدم افديكم" وهو يستثمر ثروات عائلته "المليارية" في الخارج.
-
ويأتيك من يربطك واحفاد احفادك برسن فوائد الديون العامة التي لا "تبقي ولا تذر".
-
ويأتيك من يريد ان يرأسك ويرأس بلدك غصباً عنك وعن امك وابيك... والا الويل والثبور وعظائم الامور

- ويأتيك من يطمع برهنك ورهن مستقبل ابنائك عبر رهن كامل مقومات وطنك لشقيق ظلم واستبد او لاجنبي حرم واستعبد.
-
ويأتي من يريد ان يغامر بك ويعيدك الى كارثة حروب عبثية لم تزل آثارها ماثلة في الابدان والوجدان، كما في كل مكان...
وانهي بواقعة مؤلمة ومخزية ومخجلة ومعبّرة:
يروي احد موظفي وزارة الدولة لشؤون التنمية الادارية انه منذ اعوام قليلة تم تكريم قدامى الموظفين الكبار في لبنان، في حضور رئيس المجلس الوطني لقدامى موظفي الدولة الدكتور خطار شبلي، وقد لاحظ العديد من المراقبين حينها قلة الاهتمام الفعلي للدولة اللبنانية بهؤلاء الذين افنوا زهرة شبابهم في خدمتها، خصوصاً لجهة الرواتب التقاعدية الهزيلة التي يتقاضونها والرعاية الرسمية الشاحبة التي تسود اوضاع معظمهم والتي انعكست هزالاً وشحوباً على عيونهم واسماعهم ووجوههم واجسامهم وملابسهم وتصرفاتهم...
ويتابع الراوي متأثراً: "يا صديقي هذه هي الحال التعيسة والمزرية لقدامى الموظفين الكبار عندنا... اما في الغرب فيصبح بعض هؤلاء القدامى من المستشارين الكبار في القطاعين العام والخاص، فيما ينعم بعضهم الآخر بكل وسائل الراحة المادية والرفاهية المعنوية طيلة مرحلة "العمر الثالث" من حياتهم".
هذا غيض من فيض واقعنا اللبناني المضحك - المبكي...
لذا استأذن المفكر السياسي ملحم قربان لاقول لكل سياسي محترم في لبنان: "احترامك لادارييك الشرفاء بعض من احترامك لنفسك... ام إنَّا نشترع لك؟".