يحدثونك عن حل فدرالي هو المشكلة /"السفير"/2006/06/28

تقي الدين سليمان
السبت 1 تموز (يوليو) 2006.
 

لو فكّر اللبنانيون لحظة واحدة في كلفة النظام الطائفي في الماضي والحاضر وما يؤدي إليه من أزمات، لتوقفوا نهائيا عن دعم زعمائهم في معارك تدعيم مواقعهم ونفوذهم، ولأدركوا ان هذه المواقع، وتلك المؤسسات التي جرى تقاسمها طائفيا، ليست ضمانة لأي فئة من اللبنانيين إلا في دائرة المحسوبيات الضيقة والاستزلام، وفي ما خلا ذلك أصبحت عبئا على الجماعات الطائفية ومن خلالها على الوطن. فالطائفية العادلة نظرية مستحيلة، والديموقراطية الطائفية كذبة كبيرة، ودولة القانون في ظل الطائفية وهم كامل. ليست أزمة لبنان اليوم أزمة سياسية عابرة يمكن تداركها بالتسويات، إلا اذا قبلنا المنطق القائل ان لبنان مشكلة دائمة تجد لنفسها حلولا موقتة باستمرار. هذا المنطق هو الذي تعوّل عليه الطبقة السياسية تهربا من مواجهة تحديات التغيير والاصلاح. من دلائل الازمة المستعصية الحل تحت سقف النظام الطائفي الحديث الشائع منذ سنة تقريبا عن <الفدراليات> الطائفية التي بلورها قانون الانتخاب والانتخابات التي استفتت الناس على رموزها الطائفية وعلى مفاهيم وشعارات خاصة بالطوائف والمذاهب. وبالفعل انتجت الانتخابات مركزيات طائفية بطريقة او بأخرى أزهقت النفَس الأخير للعملية الديموقراطية واسقطتها تحت سنابك خيل الطائفيات الجامحة نحو تأكيد وجودها ودورها وفرض تصوراتها على جدول أعمال البلاد. لقد أصبحت الطائفية عارية من كل لبوس ديموقراطي منسوب لها زورا ودخلنا في تعددية سياسية تقيم توازنات اضطرارية في ما بينها وتستدعي <ميثاق شرف> عشائريا خارجا عن قواعد القانون لتنظيم صراعها الحاد على السلطة. وقد أطاح هذا الصراع بموقع رئاسة الجمهورية ودورها، وبالحكومة ووحدتها وفعاليتها عندما شلها بالاستنكاف او اشتراط التوافق على قراراتها، وبالمجلس النيابي الذي تعطل دوره في التعبير عن السيادة الشعبية فنشأت <مؤسسة الحوار الوطني> رديفا داعما لشرعيته المنقوصة او حتى المطعون فيها. ثم انتقلت معركة السلطة الى القضاء فاستباحت مؤسسة دستورية اساسية تنظم عمل المؤسسات الاخرى هي المجلس الدستوري، واسقطت هيبة القضاء العدلي وحولته في لحظات الى مجلس ملّي ليس من أولوياته نصاب العدالة. وانزلقت البلاد مجددا الى النقاش حول ترجمات هويتها القومية ولم يراعِ الجدل حرمة لقوافل الشهداء الذين ساهموا في استعادة أرضها ووحدة ترابها ولا حرمة التضحيات التي بذلت في مواجهة الحفاظ على موقع البلاد وجذورها وانتمائها ومصالحها الكبرى الثابتة في الماضي والحاضر. ولا نتحدث بعدُ عن الاقتصاد وقد خرجت الاستثمارات العقارية عن أي حد مألوف ما يهدد صلة المواطن بأرضه، وصارت الهجرة قيمة وطنية، واستفحال العمالة الأجنبية ميزة حضارية. إذا كانت هذه السياسات عفوية <وبريئة> فهي تدل على مأزق وطني تعجز الطبقة السياسية عن لجم مساره الانحداري، ويعجز النظام السياسي عن تدبير مشكلاته.
لكن ما يُقلق اكثر أننا عدنا نسمع بصوت جهوري الدعوة لنظام <فدرالي> تحت شعار ان تدير كل جماعة نفسها فهذا أضمن لوحدة البلاد وحل نزاعاتها والتعايش بين مفاهيمها وثقافاتها وتقاليدها وتطلعاتها. ولسنا من أصحاب <العقد> في النظر الى مشاريع الحلول لأزمة النظام السياسي، ونفهم جيدا ان <الفدرالية> لا تعدو كونها صيغة من صيغ الأنظمة السياسية التي تلائم المجتمعات التعددية وتشكل اطارا لوحدتها الكيانية، لكننا معنيون بالتفكير في لبنان يتجاوز <فدرالية> قائمة من نوع خاص هي مصدر الأزمات الى نظام سياسي آخر، وهذا النظام يجب ان يتوافق عليه اللبنانيون طبعا، ومن شروط نجاحه ان يستوعب مصالح جميع الفئات وتطلعاتها. ان نظامنا السياسي الحالي هو <فدرالية شخصية> كما يسميه ميشال شيحا، قائم على كيانات طائفية تحفظ تمثيل الجماعات سياسيا في الحكم وتؤمن مشاركتها. وهذا النظام يقوم على وحدة القاعدة الناخبة الى حد بعيد بحيث لا يتمفصل على كيانات جغرافية صافية، ولو أنه في واقعه العملي يعطي الجماعات الطائفية مناطق نفوذ تهيمن عليها وتديرها بشراكة ضعيفة من الآخرين، وهذا هو سبب جوهري لعدم عدالة هذا النظام ولا شك في ذلك. ولو سلمنا جدلا، وعلى سبيل الافتراض الذي لا تدعمه وقائع العيش المشترك وما فيه من تشابهات لدى الفئات والشرائح الاجتماعية، ان الطوائف تتمايز ثقافيا او اجتماعيا، او ان لها تقاليدها وقيمها الخاصة، فحري ان نبحث عن صيغة شراكة لا تجعل من هذا التمايز مصدرا لنزاعات اضافية. وبالفعل ان النظام الطائفي، او الطائفية السياسية هي النظام الذي يشحن التمايزات الثقافية والاجتماعية ويحولها الى صراع سياسي على السلطة. وليست الفدرالية بهذا المعنى حلا لأن النزاع سيبقى قائما على المساحات المشتركة إياها، اي على ما هو عام ومصالح مشتركة وادارة مشتركة وعامة للبلاد وليس على الجوانب الاخرى من المسائل التي تجد حلولها في حركة المجتمع المدني لا على مستوى الدولة أصلا. فهل نظام <الفدرالية> او <الكانتونات> يُعفينا من الاختلاف على سياسة لبنان الخارجية او سياسة لبنان الدفاعية او حتى سياسة لبنان المالية العامة. وهل نظام <الفدرالية> يُسقط أهمية الصراع على المواقع المركزية في الدولة، الرئاسات وما سواها؟!
وعلى فرض ان هذه الامور قد حُلّت بمشروع دستوري فذ ومبدع، وان اللبنانيين تخلوا عن وطنيتهم الجامعة وطموحاتهم العابرة للجغرافيا وللطوائف، وأنهم ارتضوا العيش في عب طوائفهم وأطلقوا العنان لثقافاتهم الحصرية التي لن تكون الا ثقافات مذهبية فقيرة <سياسوية> مؤدلجة على حجم القوى السياسية المسيطرة هنا او هناك، فهل سيكونون بذلك قد تحرروا من وطأة السلطات <المستبدة> في طوائفهم، ومن رياح الثقافات الأصولية والسلفية التي يفترض أنها الصمغ الوحيد الذي يمكن ان يماسك هكذا مجموعات ومتحدات سياسية. لكن ليس هنا بيت القصيد. ان القضية الأكبر هي ان تجربة الذهاب في مشروع <الفدرالية> قد خبرها لبنان في سنوات الحرب، وعرف اللبنانيون ان مؤداها الحقيقي هو الفرز الجغرافي السكاني الطائفي، وأنها مشروع حروب أهلية لن تتوقف على رسم حدود الجماعات، ولا مخططات التقسيم والاقتطاعات من هذا اللبنان الواحد. فلو كان هذا الخيار ممكنا ان يلجأ اليه اللبنانيون سلميا لكان مما يستحق البحث والمناقشة. على اي حال نحن لا نطرح الموضوع من باب هذا الخطاب السياسي او الثقافي وقد تسربت اليه بشكل لافت كلمة <الفدرالية>، بل لأننا نعتقد ان النظام السياسي الحالي بتكوين قواه واستقطاب طوائفه هو نموذج معلن عن تداعيات الواقع السياسي، وهو يقود الى جغرافيات طائفية. بل ان مجمل حركة القوى السياسية اليوم يقود البلاد الى تفكك الدولة وضرب وحدتها وتعطيل النظام السياسي والمؤسسات او تقاسمها بشكل فظ يمنع فعاليتها. وهذا أمر قد يطول او يقصر تبعا لمعطيات خارجية فتدخل السياسات الوطنية في لعبة <انعدام الوزن> ويعجز اللبنانيون عن ادارة شؤونهم الحياتية اليومية. نعم، المشكلة باتت بهذا الحجم. ان توازن القوى الراهن في البلاد لم يعد ميزانا سياسيا يسهل تحويله والرهان على اجراء تعديلات أساسية عليه. فحين تقف الطوائف مستنفرة لحقوقها وما تعتبره مصالح جوهرية لها، يتعذر ان نتوقع تغييرات يمكن ان تؤدي الى رجحان سياسي يسمح بحسم خيارات البلاد الأساسية.
من هنا لا نفاجأ بأي دعوة لتجاوز <الطائف> من زاوية ما قرره لنظامنا السياسي تحت سقف المبادئ والمسلمات الوطنية التي نصت عليها مقدمة الدستور. فلا يجوز ان يكون لدينا <عقد> و<محرّمات> في معالجة نظامنا السياسي بالروح التي تحرره من قيوده الطائفية التي هي نقيض كامل لحقوق الإنسان.
هل يمكن للبنانيين ان يستمروا في العيش ضمن نظام من التمييز في الحقوق المدنية والسياسية على أساس طائفي، ولماذا هم يقبلون الانظمة المدنية في الدول التي يهاجرون اليها ويمارسون حياتهم في ظل قوانينها ويحققون نجاحات وانجازات كبيرة. وهل فعلا ان المواقع الطائفية تشكل <امتيازات> حقيقية لغير أصحابها والمحظيين في الوصول اليها، ولماذا تدافع جمهرة الناس عن هذه الامتيازات <الفئوية> وأحيانا الشخصية. وماذا يفيد اللبنانيون ان يظلوا أسرى تصنيفات طائفية لا تخدم إلا فئة محدودة تتناقص كل يوم مع تراجع دور الدولة الراعية لصالح اقتصادات السوق الليبرالية، والى متى يمكن ان يقبل اللبنانيون ان تدير شؤونهم حفنة من الناس ميزتها الخضوع لأهواء أرباب السلطة الذين يجددون نفوذهم بالتجاوز على حقوق المواطنين والتحكم بها.
ومن نافل القول ان هذا الكلام لا يلقى صدى، إلا لأن لبنان سائر نحو احتمالات محددة: إما ان يختار طريق <التوحش> في ظل نزاعات من العنف الأهلي مجددا، وإما ان يختار طريق الدولة.
(?) محام وكاتب سياسي