طائفية المواثيق تلغي شرف المواطنة/"السفير"/2006/06/26

احمد جابر
السبت 1 تموز (يوليو) 2006.
 

من لزوميات الشرف، الرفعة، ومن أخلاقه الترفع، ومن تجلياته قول الحق والالتزام بإنفاذه... الخ. ولأن الحق <أقلوي> دائما، وجب أن يكون الشرف في موقع النقد والاعتراض والتصويب والإرشاد... أي في موقع المعارضة المستمرة... لأن السيادة، تاريخيا، انعقدت ألويتها لما يناقض الحق ويسفهه، أي على حساب الشرف ومنظومة قيمه، وعلى الضد من الفضائل التي سعى الى تعميمها...
لقد استحضر الشرف طويلا، في معرض الحديث عن مزايا <العربي> المرتحل في صحرائه، مع ذلك البدوي، كان الشرف فردياً، فلما اتخذ صفة <الحضرية الجمعية> كانت الكلمة <الشرف> السياسة، التي هي، عملياً، بلا شرف، بل إنها تقيم على الطرف النقيض لمعادلة كل ما هو شريف!!
مبعث هذا الكلام، هو ما توصل إليه <عرب> السياسة اللبنانيين من اتفاق حول ميثاق للشرف، أريد له أن يكون ضابط إيقاع لخروج الطوائف، وقادتها، عن المألوف، ومدققاً لغوياً، يحذف، بنباهته، ما يخرج عن غث الكلام الطوائفي المعروف... هكذا، وبجرة يقظة <وطنية> وفي ساعة تجلٍ وفاقي، صاغ الطوائفيون لذواتهم درعاً من حصانة، تقيهم شر المساءلة، وتدفع عنهم بليّة المزاح، وتزيد من كثافة حصاناتهم التي تقترب، حثيثاً، من الامتناع على الاختراق...
لكن، لندع الشرف الطوائفي جانباً، لأنه بدعة اخرى، لا تتمكن قواها العملية الحقيقية من تحويلها الى <نص يقيني> أصلي... يظل التضليل الكثيف، رداء للبدع الظاهرة الشفافة... وعليه، لنصرف الانتباه الى <الشرف الوطني> العام، الذي يعتدى عليه كل يوم، من قبل أبطال الشرف أنفسهم، ففي جوهر هذا الانصراف، وفحواه، دعوة اخرى للخروج على عهود الطوائف ومواثيقها... وعلى كل شرف <خاص> فيها ايضا. إذ، في معزل عن هذا المسلك، لن يتأتى للبنانيين شرف الانتماء الى وطن يجبّ كل المزارع الطائفية، مثلما لن يكون لهم شرف بلوغ مواطنة تلغي كل <المواطنات> المذهبية... وبالتالي، لن يحوزوا شرف الرحلة الى مستقبل مغاير، لأن الطوائف تريدهم مسمّرين، أبدا، على صهوات الجياد، وفي ظلال السيوف، يلوكون ماضياً، ليس فيه إلا المنافحة عن مغاور التراث والذود عن كهوف الأجداد!!
بناء عليه، لنا أن نتساءل: ما الذي ينال من الشرف <الوطني> العام؟ وما الاعتداءات التي ينفذها ضده كل شرف طائفي <مخصوص>؟ مبرر السؤالين الآنفين، مستمد من قصر المسافة التي ما زالت تفصلنا عن موعد جلسة الحوار القادمة، وطول الرحلة، التي ما زالت تباعد بين اللبنانيين و<دار استقرارهم>.
إذا كان <الشرف الوطني> ملازماً للاندماج الداخلي، ولعملية بنائه الصعبة، فإن كل ما تقدم عليه الطوائف، وجماهيرها، لا يعدو كونه نصالاً مغروزة في صدر هذا الشرف. أمثلة كثيرة يمكن اللجوء إليها، وشواهد يمكن انتزاعها من الأفواه، واللقاءات <ويافطات> الترحيب والاستنكار والافتداء... الخ. مما يعرفه اللبنانيون جيداً. مما باتت يشكل جزءاً من عاداتهم ومشاهداتهم اليومية. فعندما يعتلي خطيب طائفي صهوة منبره الفتوي، بكامل أبهة شرفه، فإنه يعتدي مباشرة على <شرف العموميات>، وهو إذ يعلي من شأن ذاته، ومن قدر قضيته، فإنما يمارس في اللحظة عينها حطاً من قدر القضايا الأخرى، ويسلك مسلك المخاتلة في النيل من الذوات الباقية. وبينما يختزل القائد الطائفي عموم الأفكار <الخاصة> ويحتكرها في صالح نباهته، ويقصي باقي الأفكار ذات المنبت المختلف، لتصير اللغة كلها مطابقة، أو مؤيدة لأفكاره، فإنه يمارس تضليلاً ويرتكب فعل ادعاء لا يمت الى الصدق، مع الذات ومع الآخرين، بصلة. وفي لحظة ارتفاع <يافطات مغفلة>، يدّعي رافعوها نيابة عن مدينة أو بلدة أو مؤسسة... استعداد الجميع لبذل النفس افتداء <لزعيمهم>، يحق للقارئ العابر بهدوء بين <نقاط الطوائف وفواصلها>، أن يتحسس رقبته، لأن أحدهم استسهل استباحة حياته زوراً... تفعل مكبرات الصوت الطوائفية فعل زعمائها، فترتدي الأصوات <غير الأليفة> غالباً، رداء موعظة دينية، أو تتخذ لذبذباتها قالب شعائر طقوسية، فتحتل بالإكراه، وعلى الضد من <ذوق العامة>، مساحات النوم، وفراغات الآذان، دون أن تهتز <لشرف الاجتماع> راية، أو تنثني له سارية!! ليس من <الشرف> حصول ذلك، لأن في ذلك خروجاً على استقامة الحياة المشتركة، وعلى سهولة انسيابها. ذلك أن الشرف، كما يفترض، لا يعدو كونه <منظومة قيمية> اندماجية، محددة في إطار زماني، ومرتكزة الى حدود مكانية... في حالتنا، يشكل لبنان <الوطن الناجز> المفترض، بعدي الزمان والمكان المنوه عنهما... لكن ما تفعله <الطوائف> يقتصر على إزالة الحدود، لتطلق أعنة ممارساتها في فضاء اللامحدود، على هذا الوجه، تلغي الطوائفيات عملية المراكمة اليومية التي تتيح بناء <المنظومات الاعتبارية> العامة، التي يقع <الشرف> المعوّل عليها ضمن بنيتها الفسيحة. ما مؤدى ذلك المباشر؟ ليس أقل من حجز الاستقرار المديد، في قمقم القلاقل الطوائفية، وبالتالي منع كل ما هو <شريف> من التبلور، هذا إذا أدمنا التمسك بفكرة تقول: ان لا مجال في بناء الأوطان، إلا <لشرف جامع> وان الاقامة في صحراء الشرف الفردي، باتت متعذرة!!
عليه، يصير من أفعال الشرف، تكراراً، تسفيه <الشرف الطوائفي> المحشو، سياسة، والمترع، فئوية، والضاج بمنوعات العصبيات... أول الخيط <الرفضي> تعرية خطب التضليل والفرز والتزوير، ثم الانتقال الى التأسيس لفكر متنور نقيض <للظلامية> الطوائفية العامة، وبالتالي المبادرة الى بناء تيار اجتماعي وطني، يسعى الى بناء استقلاله الفردي والجمعي، في رحاب دولة قانون تمنع الاعتداءات المذهبية على كل ما هو واعد، أي شريف، في <الكيان> اللبناني، وضمن مجالي الخاص والعام فيه.
قد يكون من نتيجة ذلك، بروز حاجة ماسة، لتوقيع ميثاق شرف شعبي، يعلن البراء من العصبيات الطوائفية، ومن مواثيقها البالية، ميثاق يلتفت أهله الى حقيقة، أن <العصبية> ليست حكراً على أرباب الطوائف، بل إن حيزاً واسعاً من <فسحة العلمانية> الضيقة أصلاً صار مشغولاً من قبل هذه العصبية!!