تطبيع إسرائيلي مغاربي بسرعات متفاوتة

السبت 1 تموز (يوليو) 2006.
 

يزور سيلفان شالوم، وزير الخارجية الإسرائيلي المغرب الأقصى خلال أيام، قبل أن يقود وفد بلاده إلى القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي تستضيفها تونس بين 16 و18 من الشهر الجاري.

ويرى مراقبون أن هذه الجولة العلنية تمثل دليلا إضافيا على أن طريق التطبيع الإسرائيلي مع عواصم مغاربية باتت "شبه سالكة".

تعتبر هذه الجولة المغاربية استكمالا للقاءات عقدها شالوم مع وزراء خارجية كل من تونس والمغرب وموريتانيا على هامش الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة التي انتظمت في نيويورك في شهر سبتمبر الماضي، إلا أنها المرة الأولى التي يقوم فيها وزير إسرائيلي بجولة علنية من هذا النوع منذ اندلاع الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2000، مما يؤكد أن طريق التطبيع الإسرائيلي مع عواصم مغاربية باتت شبه سالكة.

تجميد رسمي وتكثيف العلاقات

فعلى الرغم من التجميد الرسمي للمكاتب التمثيلية في الدولة العبرية في أعقاب القمة العربية في القاهرة عام 2000، إضافة لإغلاق المكتبين الإسرائيليين في كل من الرباط وتونس، تكثفت العلاقات التجارية والسياحية والثقافية والأمنية المغاربية - الإسرائيلية بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، حتى أن أحد المصادر، الذي رفض الكشف عن هويته، اعتبر أن العلاقات لا ينقصها سوى رفع العلم فوق المكاتب التمثيلية التي عادت لتعمل بوتيرة أعلى مما كانت عليه في العقد الماضي، أسوة بنشاط السفارة الإسرائيلية في موريتانيا، ولم يكن هذا الجزء الخافي من جبل الجليد غائبا عن المراقبين.
فعندما أعلن شالوم منذ أشهر أن عشرة بلدان عربية ستطور علاقاتها مع إسرائيل قريبا، اتجهت الأنظار إلى العواصم المغاربية لأن كثيرين كانوا يُدركون أن ثمرة التطبيع "أينعت وحان قطافها".
فمع تونس، تكثفت المبادلات التجارية وتطور تبادل الزيارات بين رجال الأعمال، وتوسع التعاون الأمني، وخاصة لتبادل الخبرات في مجال مكافحة الإرهاب، وبات شبه مألوف تنظيم مؤتمرات دولية في منتجعات سياحية مقفلة بمشاركة وفود إسرائيلية، وآخرها مشاركة وفد إسرائيلي في المؤتمر الدولي للكشافة في منتجع الحمامات، والمشاركة المرتقبة لوفد إسرائيلي آخر في مؤتمر نوادي "الليونز"، الذي تستضيفه تونس أواخر الشهر الجاري.
غير أن محرار توسع العلاقات التونسية - الإسرائيلية هو من دون شك طقس "الزيارة" السنوية لكنيس "الغريبة" في جزيرة جربة، الذي يعتبر أقدم معلم يهودي خارج فلسطين.
وتستمر طقوس "الزيارة" التي تتم في "الحارة الكبيرة" يومين، تقام خلالهما شعائر دينية وولائم وحفلات يحضرها عادة رجال دين إسرائيليون ونواب في الكنيست ووزراء سابقون ووفود إعلامية، ويرعاها من الجانب التونسي وزير السياحة الذي يلقي كلمة باسم الرئيس بن علي في المناسبة.
وبعدما تراجع عدد "الزوار" الإسرائيليين إلى بضع عشرات في مطلع العقد الحالي بسبب المخاوف الأمنية التي رافقت الانتفاضة الثانية، والإنفجار الذي تعرض له كنيس جربة يوم 11 أبريل 2003، والحرب التي شنها التحالف على العراق، لوحظ أن أعداد السياح قفزت إلى أكثر من أربعة آلاف في السنتين الأخيرتين، من ضمنها قسم كبير أتى مباشرة من إسرائيل.
وفي الصيف الأخير، حلت أعداد كبيرة من السياح الإسرائيليين في جنوب تونس لتمضية الإجازات في جربة، وأقيمت لهم جولات سياحية في مناطق عدة وسط رقابة أمنية مشددة.
وعبّـر مسؤولون إسرائيليون عن رغبة حكومتهم بمعاودة تنشيط العلاقات السياسية مع تونس، ولعب "اللوبي" التونسي القوي في وزارة الخارجية الإسرائيلية دورا بارزا في تسريع خطى التطبيع، وفي المقدمة الوزير شالوم نفسه والسفير الإسرائيلي في باريس نسيم زفيلي، الذي زار تونس في أواخر التسعينات لما كان أمينا عاما لحزب العمل في ظل رئاسة بيريز، وكذلك السفير الإسرائيلي الحالي في القاهرة شالوم كوهين المولود في مدينة نابل، والذي عمل رئيسا للمكتب الإسرائيلي في تونس منذ فتحه إلى إقفاله (المؤقت).
وكان لافتا أن شالوم وقف أمام عدسات المصورين مستهلا مؤتمرا صحفيا عقده في شهر سبتمبر الماضي في مقر الأمم المتحدة بعد الاجتماع مع نظيره التونسي عبد الوهاب عبد الله، متباهيا بكونهما ينحدران من بلد واحد. وكان شالوم المولود في مدينة قابس التونسية يرتبط أيضا بعلاقات صداقة متينة مع الوزير السابق حبيب بن يحيى، المنحدر من بلدة المطوية التي لا تبعد عن قابس سوى عشرة كيلومترات. أما زفيلي، فأقام نشاطات مشتركة في باريس مع نظيره التونسي، من أهمها ندوات للاحتفال بشخصيات ثقافية يهودية تونسية.
ويمكن القول أن الخشية من رد فعل الرأي العام الذي يعارض بشدة أي تطبيع مع إسرائيل، يشكل أهم عقبة أمام تطوير علاقات كاملة على الطريقة الموريتانية، خصوصا منذ أن وجدت تونس نفسها في خط المواجهة بعد انتقال مقرات القيادة الفلسطينية إليها من بيروت اعتبارا من سنة 1982، ولم يتوان الإسرائيليون عن شن غارة على تلك المقرات في ضاحية حمام الشط مطلع شهر أكتوبر 1985 قادها رئيس الأركان الجنرال ايهود باراك شخصيا من الجو، مما أسفر عن استشهاد عشرات التونسيين والفلسطينيين. وأصدر مجلس الأمن للمرة الأولى في تاريخه قرارا بإدانة الغارة الإسرائيلية، وطلب دفع تعويضات لتونس، لكن القرار لم يُنفذ حتى اليوم.
وعندما وجهت الحكومة التونسية دعوة رسمية لشارون لحضور افتتاح قمة المعلومات، أثارت الخطوة ردود فعل قوية في أوساط مختلفة، وبخاصة النقابات العمالية والمحامين وأحزاب المعارضة. والأرجح أن واشنطن نصحت شارون بعدم تلبية الدعوة، مخافة أن تؤدي زيارته لتسميم الوضع الداخلي أيام القمة التي أشارت بعض التسريبات الإعلامية إلى احتمال مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شيمون بيريز في أعمالها ضمن الوفد الإسرائيلي.
وكذلك، تلعب الطائفة اليهودية في تونس، وفي مقدمتها رئيسها رجل الأعمال روجي بيسموث، الذي عُين أخيرا عضوا في مجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان)، دورا مهما في دفع مسار التطبيع الثنائي واستئناف التبادل الدبلوماسي، إلا أن شالوم أعلن سلفا أن التونسيين اعتذروا عن معاودة العلاقات الدبلوماسية في الأمد المنظور بسبب المعارضة الشديدة التي تلقاها خطوات التطبيع لدى الرأي العام.

المغرب: علاقات علنية

ما المغرب، الذي أقام علاقات تعاون وثيقة مع الدولة العبرية مثل التونسيين منذ مطلع الستينات، فكرس التطبيع الدبلوماسي في أعقاب التوقيع على اتفاقات أوسلو، إذ وقع وزيرا الخارجية عام 1994 على اتفاق لإقامة علاقات دبلوماسية وافتتاح مكتبين تمثيليين في الرباط وتل أبيب، لم يكونا يختلفان عن سفارتين.
وفتح الاتفاق الطريق للقاءات علنية ودورية بين الوزراء، وإقامة مبادلات سياحية وتجارية ما انفكت تتكثف في السنوات الأخيرة، إلا أن المغرب سبق جميع البلدان المغاربية إلى العلاقات العلنية مع الدولة العبرية. فقد استقبل الملك الراحل الحسن الثاني شمعون بيريز في قصر إيفران أمام عدسات المصورين عام 1985 غير مبال بموجة الانتقادات الواسعة داخل المغرب وخارجه. وكشف أنه لعب دورا أساسيا في إقناع الرئيس المصري الراحل أنور السادات بزيارة القدس المحتلة والتوقيع على اتفاقات كامب ديفيد عام 1979.
وتعود قنوات الاتصال المباشرة بين الملك الحسن الثاني والدولة العبرية إلى ما قبل اعتلائه العرش، إذ أقنعه الإسرائيليون بكونهم كشفوا مؤامرة ضده بوصفه وليا للعهد في ديسمبر 1959، وهذا ما يفسر إقباله على تطوير التعاون معهم بعد توليه مقاليد الحكم عام 1961، وبخاصة في المجال الأمني، أسوة بالعلاقات التي كانت تقيمها إسرائيل آنذاك مع شاه إيران.
واعتبر محللون أن المكتب الذي افتتحه "الموساد" في المغرب منذ تلك الفترة شكّـل تمهيدا لمكتب التمثيل الدبلوماسي الذي فُتح في أواسط التسعينات، علما أنه كان يدير أيضا مكتبا سريا في تونس في الفترة نفسها لتنظيم تهجير اليهود التونسيين إلى فلسطين.
وكلف الملك الراحل المخابرات الإسرائيلية بتكوين كوادر استخباراته، وخاصة حراسه الشخصيين، وكان ضابطا الإتصال مع "الموساد" هما الجنرال محمد أوفقير، الذي تولى لاحقا منصب وزير الداخلية قبل أن "يعدمه" الملك في أعقاب محاولة انقلابية فاشلة، والجنرال أحمد الدليمي، قائد المنطقة العسكرية الجنوبية لاحقا والذي قضى أيضا في حادث غامض.
وتمثلت أهم حلقة للتعاون بين الجانبين في ترتيب اختطاف المعارض المغربي البارز مهدي بن بركة من باريس يوم 29 أكتوبر 1965 واغتياله بتنسيق مباشر بين الملك الراحل ورئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك ليفي أشكول، وبواسطة خلية ضمّـت كلا من أوفقير والدليمي (اللذين نفذا العملية) مع رئيس "الموساد" مائير أميت.
لم يكن هذا التعاون سريا، إذ أماطت صحيفة "بول" الإسرائيلية اللثام عن تورط "الموساد" في اغتيال بن بركة في عددها الصادر في 11 ديسمبر 1966 (مع أنها متخصصة في الصور الخليعة)، لكنها تحفظت عن إعطاء التفاصيل متعللة بأن "هناك تحقيقا جاريا في الموضوع، يمكن أن يؤدي إلى إسقاط حكومة أشكول".
واللافت أن ثلاثين ألف نسخة من العدد جُمعت من الأسواق باتفاق بين الموساد والحكومة، وأحيل كاتبا المقال على المحكمة بتهمة إفشاء أسرار الدولة، فقضت بسجنهما سنة واحدة، مما برهن على شدة ضيق الرسميين الإسرائيليين من إفشاء سر بذلك الحجم.
غير أن الأهم من التعاون الإستخباراتي الذي كُشفت تفاصيله في الأيام الأخيرة، هي الموافقة الرسمية المغربية على التعاون في مسألة الهجرة، إذ كان الهدف الرئيسي للإسرائيليين هو تهجير 250 ألف يهودي مغربي إلى فلسطين للسيطرة على الأراضي المنتزعة من سكان البلد، وانطلقت الهجرة بوتيرة كثيفة اعتبارا من سنة 1948، واستمرت إلى 1975، لكنها كانت سرية في المرحلة الأولى قبل أن تصبح علنية ورسمية لاحقا.
ولعبت الاتصالات بين الحكومة المغربية والمؤتمر اليهودي العالمي دورا أساسيا في تنظيم تلك الهجرة، لكنها اتخذت بُـعدا سياسيا أكبر مع الدور الذي لعبه الملك الحسن الثاني في الصراع العربي الإسرائيلي من خلال التقريب بين أنور السادات وميناحيم بيغن، ثم من خلال إقناع الدول العربية بالاعتراف بإسرائيل في مؤتمري فاس الأول والثاني (1981 و1982) من خلال القبول بتسوية على قاعدة القرار الأممي رقم 242.
وفي المغرب، كما في تونس، لعب رموز الطائفة اليهودية دور الجسر بين الحكومتين بواسطة الصداقات المتينة التي حافظوا عليها في إسرائيل. وفي هذا السياق، تبنى الملك الحسن الثاني ومن بعده الملك محمد السادس، الأمين العام لمجلس الجماعات اليهودية في المغرب سيرج بيرديغو، الذي تولى منصب وزير السياحة (1993-1995)، وأندري أزولاي الذي كان مستشارا خاصا للملك الحسن، والذي يحتفظ بعلاقات حميمة مع كبار الزعماء الإسرائيليين، وقد استقبل في مناسبات عدة مجموعات من رجال الأعمال الإسرائيليين في المغرب ممن وُجهت لهم الدعوات بصفتهم تلك.
ولوحظ أن محمد السادس تبنى يهودا من معسكر آخر، أبرزهم المعارض السابق أبراهام سرفاتي الذي اختاره مستشارا له بعدما أمضى سنوات طويلة في سجون والده.
هذه الرسائل الموجهة إلى إسرائيل تدعمها رسائل خطية نقلها في مناسبات عدة وزير الخارجية محمد بن عيسى في لقاءاته المتكررة مع نظرائه الإسرائيليين. وأثمرت تلك الاتصالات الدائمة تكثيفا للعلاقات الرسمية على جميع الأصعدة، التجارية والسياحية والأكاديمية، وصولا إلى مجالات صغيرة ودقيقة مثل الزيارات المنتظمة التي يقوم بها عناصر من اليهود السلفيين المتشددين المنتمين إلى حركة "لوبافيتش" إلى الميناء الصغير في مدينة "أسفي" على المحيط الأطلسي جنوب الدار البيضاء، للتأكد من مدى مطابقة المنشآت المعدة لحفظ السمك "الكاشير" للتعاليم التلمودية، قبل تصديره للجاليات اليهودية في أمريكا.
والأرجح أن شالوم لن يزور المغرب للسياحة، وإنما ستكون محادثاته، على ما أكدت مصادر مغربية، لبنة أساسية في استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الحكومتين.

"العلاقة مع إسرائيل ستسمر"

والظاهر، أن العلاقات الموريتانية - الإسرائيلية تُعتبر لدى الجانب الإسرائيلي نموذجا للمستوى الذي ينبغي أن يصل إليه التطبيع مع العواصم المغاربية الأخرى.
فعلى رغم خلع الرئيس معاوية ولد الطايع، وهو مهندس التقارب مع الدولة العبرية الذي قلب تحالفات موريتانيا بنسبة 180 درجة في أواسط التسعينات بتخليه عن عراق صدام وإقباله على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، تحاشى خليفته العقيد علي ولد محمد فال، فصم العلاقات، على رغم المطالبة المتصاعدة بالتخلص من تركة ولد الطايع وإقفال السفارة الإسرائيلية في نواكشوط، التي تحتل موقعا رمزيا مثقلا بالدلالات غير بعيد عن القصر الرئاسي.
بل إن وزير الخارجية الجديد أحمد ولد سيدي أحمد، سارع إلى الاجتماع مع نظيره الإسرائيلي شالوم بعد أسابيع قليلة من الانقلاب على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ووجه الوزير رسالة واضحة للعرب وللقوى السياسية الداخلية الضاغطة لقطع العلاقات مع الدولة العبرية، عندما أكد في تصريحات أدلى بها مؤخرا إلى وسائل إعلام عربية وفرنسية أن "السياسة الخارجية لموريتانيا لم يتغير فيها شيء، وبقيت كما هي"، مشددا على أن "العلاقة مع إسرائيل ستستمر".
واعتُبر هذا الموقف تحديا للعرب ولتيار واسع من الرأي العام الداخلي المناهض للتطبيع مع إسرائيل، وهو ما يعني أن الحكومتين ستمضيان في تنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها خلال زيارة شالوم إلى موريتانيا في وقت سابق من العام الجاري، وكأن شيئا لم يتغير على رأس هرم السلطة في نواكشوط.

الجزائر: توجس وكتمان

 ولم تخف الجزائر، جارة موريتانيا القوية، انزعاجها من العلاقة الخاصة مع إسرائيل، وانتقد الرئيس بوتفليقة علنا أبعاد تلك العلاقة في وقت سابق ما أدّى إلى برود في العلاقات الثنائية.
ويتوجس الجزائريون، خاصة من العلاقات المغربية - الإسرائيلية التي يخشون من أن تكون موجهة ضدهم، خصوصا على أيام الحرب الباردة، إلا أن الصراع الدموي بين الجيش والجماعات المسلحة طيلة التسعينات سهل فتح باب التقارب في إطار التعاون الأمني وتبادل الخبرات، وهي علاقات مازالت مُحاطة بالكتمان.
وكان لافتا أن بوتفليقة لم يستنكف من مصافحة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في خطوة اعتبرت لدى المراقبين ترطيبا للأجواء، فيما أثارت لدى أحزاب وشخصيات جزائرية موجة واسعة من الانتقادات والشجب.
ولعل هذه المعارضة الشديدة، هي التي أحبطت بعض الإشارات "التطبيعية" التي من أبرزها إجراء مباراة لكرة القدم بين فريقين جزائري وإسرائيلي، وكذلك زيارة وفد إعلامي جزائري لإسرائيل أسالت حبرا كثيرا في الجدل بين مؤيديها ومعارضيها.
لكن الثابت لدى المحللين، هو أن الأوضاع الجزائرية لا تتحمل تطبيعا مع الدولة العبرية على الطريقة الموريتانية، ولا حتى التونسية، أقله في المرحلة الراهنة، على رغم وجود عناصر في الدولة لا تخفي حماسها لهذا الخيار.

ليبيا: الحلقة الأضعف

وفي ليبيا يرتدي التطبيع شكلا مختلفا عن البلدان المغاربية الأخرى. فهو، وإن كان وقودا للتقارب مع واشنطن، إلا أن العقيد معمر القذافي يتعاطى معه بحذر شديد مخافة أن يقضي على شعبيته في أوساط عودها على الخطابات القومية الملتهبة.
ويلعب رئيس المنظمة العالمية لليهود الليبيين رامي كحلون دورا مهما في إنضاج التطبيع، وكشفت صحيفة "جيروزاليم بوست" في عددها الصادر يوم 3 مارس 2005 أنه حاول الحصول على دعوة من السلطات الليبية لزيارة ليبيا بدعوى الإطلاع على بيت أهله ومناقشة مسألة "تعويض اليهود عن ممتلكاتهم".
لكن السلطات فضلت إرجاء الزيارة، ربما خوفا من ردود الفعل في الداخل، خصوصا أن ليبيا تطالب إسرائيل منذ سنوات بدفع تعويضات لأسر ضحايا الطائرة المدنية التابعة للخطوط الليبية التي أسقطها سلاح الجو الإسرائيلي فوق صحراء سيناء عام 1973.
وفاتح مسؤولون أمريكيون نظراءهم الليبيين في شأن ضرورة التطبيع مع الدولة العبرية، وبناء على تلك "النصائح" توجه مسؤول ليبي، لم يتسن التعرف على هويته، إلى إسرائيل سرا لإجراء مفاوضات حول التعويضات لليهود. وكانت "جيروزاليم بوست" أكدت في العدد المذكور أن مسؤولا ليبيا زار إسرائيل "للإعداد لأمر دبلوماسي ما".
وطبقا للرواية الإسرائيلية، فإن ثلاثين ألف يهودي غادروا ليبيا منذ استقلال البلد عام 1952، وتركوا وراءهم "عقارات وممتلكات"، مما يدل على ضخامة المطالب المالية الإسرائيلية.
وأكدت المصادر أن المسألة أثيرت في لقاء ثلاثي جمع في جزيرة جربة التونسية القريبة من ليبيا في أواسط التسعينات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية آنذاك محمود عباس (أبو مازن) مع وفدين، أمريكي وليبي، كانا يدرسان احتمالات رفع العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على ليبيا. لكن أبومازن كذب تلك المعلومات في حينه، مؤكدا أنه لا يعقل أن يتوسط بين إسرائيل وليبيا، بينما هو محتاج كفلسطيني لمن يتوسط بينه وبين إسرائيل.
قُصارى القول، أن ليبيا ستبقى على ما يبدو "الحلقة الأضعف" في التطبيع المغاربي - الإسرائيلي بالنظر لانهماك الليبيين في ورشة الإصلاحات الداخلية التي تحث عليها واشنطن للقبول بعودة الحكم الليبي إلى المجتمع الدولي، لكن لا أحد يضمن ألا يفاجئ العقيد القذافي المراقبين بخطوة غير متوقعة ... على طريقته المعتادة.