عودة [الواو] الكافرة

العدد 3 - أيلول 2005 : نزار سلوم
الاثنين 5 أيلول (سبتمبر) 2005.
 
لأكثر من ربع قرن مضى، وخصوصاً منذ العام 1990، وبالأخصّ بعد 25 أيار 2000 تاريخ تحرير الجنوب اللبناني، بدت [الواو] التي تتخذ موقعاً لها بين اسمين سورية، لبنان ويتم تداولهما راهناً في مختلف القاعات السياسية العالمية الكبرى، وفي مختلف الردهات السياسية للعواصم الإمبراطورية والإقليمية، فضلاً عن الكواليس ومختلف المراكز والمحطات الإعلامية والصحفية.. بدت هذه [الواو] وكأنها في الطريق إلى نهايتها.. خصوصاً بعد ما تم استيلاد مصطلح [السوري ـ اللبناني] أو [اللبناني السوري]، وسواء تم توسيط الاسمين بقاطعة صغيرة(ـ) أو لا، فإن اللفظ والنغم اللغوي لا يعترف بوجود هذه القاطعة فيتجاوزها وإن رآها، حيث تكتب ولا تلفظ، وإن كان وجودها في معظم الأحيان، ليس مجرد حذلقة اعتاد الكتّاب على اتباعها في محاولة للإيهام بالدقة.

لأكثر من ربع قرن مضى، تم حصار [الواو] بين مفرَّقَين: سورية.. لبنان، حصاراً أوشكنا أن نصدّق بأنه أوصلها إلى الاختناق فلاقت وجه ربّها مقتولة من شدّة التلاحم بين الاسمين ـ الكيانين: منحورةً من ذلك الحضور الأثير للمسار المشترك الواحد الذي لم يعد فقط مختصّاً بـ مسار التسوية المؤسس في مدريد ـ1991ـ على يد الولايات المتحدة الظافرة في حرب الخليج الأولى، التي كانت مزيجاً من أصوات الصواريخ والقنابل ورؤية تلفزيون الواقع.. الرائج راهناً.. فأصبح هذا المسار واحداً موحداً في حقول الاقتصاد والاجتماع والفن والثقافة والأمن الذي هو أحد تعبيرات الحقل الستراتيجي الخاص بالصراع مع إسرائيل.

لأكثر من ربع قرن مضى، بدت [الواو] بما هي اختزال لغوي وتكثيف ملطف لتجزئة جيو ـ سياسية لا تزال المثال الصامد ـ ربما الوحيد ـ الموروث من النظام الدولي الذي أنتجته الحرب العالمية الأولى (1914ـ 1918). بدت [الواو]، لغيابها، خارجة على هذا النظام الدولي ومنقلبة عليه.

منذ ذلك التاريخ تبدّل العالم أكثر من مرة في واقعه وأنظمته:

وقعت حرب عالمية ثانية أنتجت نظامها الثنائي، والحرب الباردة، ووقعت حروب إقليمية هنا وهناك، وسقط جدار برلين، وانتهى الاتحاد السوفيتي ومعه الكتلة الشرقية، ووقعت حروب الخليج المتعددة.. كذا، ولكن نظام التجزئة السياسية المكرّس عالمياً في سان ريمو 1920، والمرسوم على الورق بريشتي سايكس وبيكو عام 1916 عذراً لمن يغتاظ من نظرية المؤامرة!! لا يزال حقيقة واقعة لا يتزحزح، بل يزداد رسوخاً يوماً بعد يوم، وربما هو اليوم في مسار انخطاف خلفي إلى مرحلة ما قبل الدولة الكيانية بدل أن يتجه في مسار مستقبلي نحو مرحلة ما بعد الدولة الكيانية.

هكذا تمتّرست [الواو] بين سورية [و] لبنان، إيذاناً صاخباً على استمرار نظام سايكس ـ بيكو، ورسوخ جغرافيا سياسية قاصرة في مختلف أجزائها وكياناتها، ولا تأتي المحافظة عليها فقط من قبل الإمبراطوريات والأمم الكبرى وجيوشها وأساطيلها ومقتضيات ستراتيجياتها. بل وأيضاً وعلى نحو مباشر من تلك السياسات والثقافات التي أُنتجت وتوطنت في العقل الاجتماعي العام فأسرته بفرضياتها وتلفيقاتها، فلا يكاد يتجه للتحرر منها بفضل وقوع أحداث مصيرية جسام [الحروب الأهلية ـ الاحتلال الإسرائيلي] التي تم تجاوزهما في لبنان بالوصول إلى السلم الأهلي وتحرير الجنوب، حتى يعود هذا العقل منكفئاً عن هذه التخوم المشتركة نحو تفرّد ـ انعزال.. أو تميّز موهوم، ليس في النهاية سوى تلذذ دوني لبعض السياسيين ينتشون به عندما يقومون بزيارات القناصل والسفراء ـ ورثة سايكس وبيكو.. دبلماسياً.. فيحضرون مآدبهم ويسمعون نصائحهم.. ليعود حاضراً وهم الاهتمام العالمي بـ لبنان وشعبه، وتفرده في الشرق، ورسالته إلى هذا الشرق.. وأيضاً، ويا للفخر ـ يا للوهم ـ ورسالته إلى الغرب.. بلى الغرب نفسه لم لا ؟!

لأكثر من ربع قرن مضى، خصوصاً منذ اتفاق الطائف، وبالأخص منذ تحرير الجنوب اللبناني، تم إبعاد [الواو] وإقصاء معناها، بفعل الظن أن بدهية التلاحم تظلّ أقوى من ايدلوجيا إنتاج الفراغ، وحالياً إنتاج الجدار الحياتي المصيري، استلهاماً سياسياً من جدار الفصل العنصري الفيزيائي الذي أقامته إسرائيل لعزل نفسها و..!!. فلم يكن هذا الإبعاد لـ [الواو] فقط بفعل معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق التي نصّت على إنشاء المجلس الأعلى اللبناني السوري. هكذا دون قاطعة (ـ) بين الاسمين هذه المرة، لا كتابة ولا لفظاً. فلم يرتبك العقل السياسي بذلك الفراغ بين الاسمين والذي عادة ما يتم ملئه بـ [الواو] التي هي وفق النسق الثقافي الكياني الدلالة الأكيدة على استقلال الكيانين وسيادتهما!!! وفق هذا النسق، تشكل [الواو] وشم السيادة وعلامتها المميزة، وبيرق الاستقلال وعلمه المرفوع.

في هذه المرة، سقطت [الواو] كما سقطت القاطعة ـ وتمت إزالة الفراغ، ذلك لأن المسألة ليست بذلك التعقيد المُتداول والمُفترض: إن تقريب الاسمين ـ الكيانين ـ من بعضهما مسافة مليمترات قليلة لا تستدعي تغييرات ستراتيجية كبرى تطاول مختلف أصقاع الأرض، كما يدّعي الستراتيجيون!!.. بل تستدعي فقط إجراء بعض المحذوفات:

أي حذف [الواو] بينهما.. وقد تم هذا الحذف.

ولكن المسألة أيضاً لا يمكن أن تكون بمثل هذا التبسيط المفرط: إن المحافظة على الاسمين ـ الكيانين ـ قريبين دون قاطعة (ـ) أو [واو] لا تحصل فقط لدوافع أخوية ولحضور قيم الوفاء والإخلاص في خطاب مكرور يذكّر بحذف الـ [الواو]، كما يتباهى المركنتيليون والإيديولوجيون في آن!، بل تحتاج إلى بعض الإضافات.

البعض كان يعتبر المعاهدة والاتفاقيات الثنائية والتنسيق السياسي، هي الإضافات التي يُفترض أن تحافظ على القرب والقُربى بين الاسمين.. لكن، بدا أن لا المعاهدات ولا الاتفاقيات ولا حتى مسيرة الدم المشترك استطاعت المحافظة على ذلك القرب وتلك القُربى، حيث وفي لحظة الذروة ذروة ماذا؟ ارتّج المشهد أيمّا ارتجّاج فانزاحت العبارة بعضها الأول عن بعضها الثاني، ووفق نظرية ملء الفراغ استذكرْ هنا ايزنهاور 1956، واستذكرْ معه المرجعية الأمريكية لهذه النظرية وغيرها عادت [الواو] ملكة متوجة لفراغ يفصل سورية عن لبنان، وعادت سورية ولبنان تعبيراً استرجاعياً لذلك الإخلاص المخبول ـ اللاتاريخي ـ لنظام الحرب العالمية الأولى.

العجيب أنهم يتحدثون بتشاوف عن العولمة ومرحلة ما بعد الحداثة، وهم لازالوا في نظام الحرب العالمية الأولى، وفي أولّه!!؟

مرةً، شاء الأديب الكبير سعيد تقي الدين ابن بعقلين ـ الشوف من أعمال سورية ـ لمن يتذكر هذه العبارة، التذكير متعمد ـ الذي يتم التجهيل به وبأعماله قصداً وعمداً لأسباب طائفية وكيانية.. شاء مقاربة الإشكالية القائمة المتمترّسة في العلاقة السورية اللبنانية، فلم يجد تعبيراً أشدّ عمقاً واختزالاً من تسمية تلك [الواو] العازلة، الحاجزة بين الاسمين في عبارة سورية ولبنان بـ [الواو الكافرة].

هي [الواو الكافرة] وتشفّر، لأسباب أمنية أو جمالية؟!، بحرفين [و/ ك] وتقرأ [واو ـ كاف].. تعود متشاوفة بكفرها.

بلى: إنها كافرة، ولكن هل تفصل بين مؤمِنَين؟