نصيبين ومدرستها من القرن الرابع للميلاد حتى مطلع العهد الاسلامي

نصيبيــن ومـار أفــرام /الدور الحضاري للسريان

السبت 8 تموز (يوليو) 2006.
 
الدور الحضاري للسريان

 الدور الحضاري للسريان:

 

لقد قادت الطرق التجارية السريان بعيدا" عن بلاد ما بين النهرين، فمن ايران توجهوا الى منطقة القوقاز، وكان ساحل البحر المتوسط بين يديهم. وقد أبحروا في البحر الأحمر، كما ركبوا طريق العطور التجاري وصولا" الى شواطيء البحر الهندي الشرقية. أما العرب القاطنون بين بيزنطية وايران فقد وقعوا تحت تأثير السريان، ودخلت التعاليم الانجيلية الى جنوب الجزيرة العربية أيضا" (1).  كما أن شعوب الشرق الأوسط ممثلة بالفرس والهنود تعلمت الكثير من السريان، ويكفي أن نشير في هذا المقام الى المدرسة السريانية الفارسية في الرها، والى أكاديمية نصيبين، والى مدارس: قنسرين، وبيت آبا, وبيت مار أوجين، والى المدارس التي قامت في دير مار متّى، وتنتمي أقدم التقاليد المسيحية في أرمينيا الى السريان الذين تابعوا في مرحلة لاحقة مواعظهم ونشر التعاليم المسيحية في " ديلم، وغوزان، وملطية، وموقانة، والموصل، ومّيا فارقين"، ثم عقدوا اتصالات وارتباطات متينة مع نصارى الدولة اللخمية، على الحدود الشرقية للصحراء الممتدة بين سوريا والعراق، وعاصمتهم مدينة الحيرة " و نصارى "سبأ" في اليمن. وقد زرع السريان الديانة المسيحية في الهند أيضا"، حيث يوجد الآن أكثر من عشرة ملايين مسيحي، ويربطهم التاريخ التقليدي باسم الرسول توما.

فالعلاقات المبكرة مع الهند أقامها السريان بفضل الأعمال التجارية المتنوعة واللقاءات المستدعية مع التجار، الذين كانوا يحضرون الى الأسواق التجارية الموسمية ولا سيما الى "بطنان" وعلى طول هذه الطريق تصادفنا شواهد الكتابة السريانية، والمسيحية السريانية، التي بدأت في أصقاع القارة الآسيوية منذ مرحلة مبكرة من تاريخ نشوئها (2).

فالعلاقات الاقتصادية البعيدة العهد بين السريان والشعوب الآسيوية المختلفة هي التي شكّلت الطرف الملائم لتأثيرهم الثقافي على شبه الجزيرة العربية والهند، ومناطق آسيا الوسطى. وكان من نتائج ذلك الوضع، أن أصبحت اللغات الفارسية والتركية على نطاق معين تحت تأثير اللغة السريانية.

فالثقافة السريانية في القرون الوسطى حصلت على انتشار عريض, وأظهرت تأثيرا" كبيرا" على تطور الثقافة العالمية. وباعتبار أن السريانية كانت لغة التجارة والدبلوماسية في آسيا الدنيا، فقد بدأت بالإنتشار السريع قبل مدة من ظهور المسيحية. فالأبجدية السريانية الآرامية، كانت مربحة لمستعمليها، ولهذا انتشر استخدامها بسرعة على نطاق واسع نظرا" لبساطة كتابتها.

فقد كانت السريانية اللغة الرسمية الفصحى واللغة المحكية في سوريا الساحلية، وفي مناطق ما بين النهرين، ولا سيما عند الضفاف العليا والوسطى لنهري دجلة والفرات، وفي المناطق السورية الداخلية وفي المدن الرئيسية مثل دمشق وأنطاكية, حيث هيمنت اللغة اليونانية، كان جزء كبير من السكان يتكلمون لغتين. وقد كان كثير من ممثلي الفئات المثقفة في هذه المدن يكتبون باللغتين السريانية واليونانية في آن واحد (3). ولهذا فان الترجمات من احدى هاتين اللغتين الى الأخرى لم تكن بالأمر الصعب اطلاقا". وقد كانت أهم المراكز العلمية والثقافية السريانية تقع في الجزيرة الفراتية.

فدخول المسيحية وانتشارها في هذه المنطقة لم يمنع الصابئة من البقاء على ديانتهم وتصّوراتهم العقائدية والمحافظة على تقاليدهم الثقافية، كما استمرت هنا مراكز الوثنية القديمة. وفي الآثار المسيحية المكتوبة نجد كثيرا" من المقالات والمباحث الجلية والمحاورات والمناظرات التي تعكس حقيقة الصراع الفكري بين المسيحية والعبادات القديمة في المنطقة.

أما الوثائق الرئيسية للمسيحية، فقد كانت باللغة اليونانية في حين أنه على أطراف المناطق التي أخضعت للثقافة الهيلينية في الرها مركز الجزيرة ( أورفا اليوم) اهتزت الثقافات الأكثر قدما"، حيث تغلغلت المسيحية بعمق في القرون الأولى التي أعقبت ظهورها، وأصبحت الدعوة الى اعتناقها والايمان بعقيدتها تنشر بواسطة اللغة السريانية، التي هي أيضا" لها تقاليدها الثقافية العريقة.

لقد ترجمت الى السريانية في القرنين الثاني والثالث للميلاد كمية كبيرة من الآثار والمؤلفات اليونانية: "الليتورجيات، وكتب الأدعية والمواعظ "آغيولوغيا"، ناهيك عن العهد الجديد. وبدءا" من ظهور المسيحية أصبح الازدهار صفة ملازمة للسريانية قرنا" اثر قرن، وقد سيطر الأدب السرياني ليس في المؤلفات الكنسية العقائدية وحسب، وانما في المجالات العلمية، وفي مختلف نواحي المعرفة الوضعية، اذ ارتدت السريانية في منطقتي الشرق الأدنى والشرق الأوسط طابع اللغة العالمية، لغة الدبلومساية والتجارة، وأصبحت المحطات التجارية السريانية مواطن ومنابع للكتابة والمراسلات السريانية، اضافة الى أهميتها العلمية والدعاوية بالنسبة للسريان، الذين عرّفوا الشعوب الأخرى على نتائج أعمالهم، وعلى منجزاتهم العلمية والثقافية وعلى السمات الخصوصية لثقافتهم الوطنية، هذه الثقافة التي اشتهرت بأنها تمثل قيم العهد الجديد وقوانينه من جهة، والآراء الفلسفية لأرسطو والأفلاطونيين الجدد من جهة أخرى (4).

فقد أسهم السريان اسهاما" عظيما" في العلوم العالمية وفي الثقافة الانسانية جمعاء.حيث عرّفوا الشرق على تلك النزعة الخاصة بتطّور الثقافة العالمية القائمة على منجزات العصر القديم. فالروح اليونانية والفلسفة اليونانية كان عليهما أن يصبحا بمتناول شعوب الشرق، وهذا ما قام به السريان.

ويمكن تفسير قوّة التأثير الحضاري السرياني بالمستوى الرفيع الذي وصلت اليه علومهم، والفكر الفلسفي النظري، وكذلك المعارف العلمية التطبيقية التي انتقلت عندهم من جيل الى جيل. وقد منحوا عمقا" في التفكير والتأمل مستفيدين من الفلسفة اليونانية القديمة والعلوم الشرقية القديمة، وخاصة في مجالات الفلك والتنجيم وجغرافية الأرض. فأضافوا الى المعارف النظرية المذكورة ممارسات عملية مبدعة، تجّلت في شهرتهم كأطباء معالجين وكيميائيين وصيادلة أدوية.