نصيبين ومدرستها من القرن الرابع للميلاد حتى مطلع العهد الاسلامي

نصيبيــن ومـار أفــرام/المسيحيون في نصيبين

السبت 8 تموز (يوليو) 2006.
 
المسيحيون في نصيبين

المسيحيون في نصيبين

 غلبت على نصيبين الديانة المسيحية، فهي مدينة سريانية قديمة، سكنتها شعوب مختلفة، وقد تركت فيها هذه الشعوب آثارها وبصماتها الفكرية والبشرية، والتي أخرجت ثمارها بالمدرسة السريانية، اليونانية. (17) وقد أقيم فيها الكثير من الأديرة والكنائس. وقد ذكرت المصادر بأن الأسقفية الكنسية عرفت منذ القرن الرابع للميلاد، وكانت مدينة نصيبين مركزا" للمطرانية النصرانية النسطورية. فقد انتظمت فيها الأسقفيات الكنسية في المنطقة، وتخرج من هذه الدور علماء ورجال لاهوت تفرّقوا في ديار الجزيرة الفراتية، عاملين بعلومهم التي تلقوها في هذه المؤسسات. وتركوا العديد من الآثار، كمراكز الاديرة وأطلال الكنائس في تلك النواحي، وهذا ما يشير الى أن تاريخ المسيحية في نصيبين يعود الى القرون الاولى لظهور المسيحية. وفي عهد الفرس الساسانيين (226 -637 م) تمكنت المسيحية في نصيبين من شق طريقها الى امارة "حدياب" (18). وغدت نصيبين مركزا" مسيحيا" نسطوريا" هاما". لكن معظم المصادر الكنسية لم تتحدث عن كيفية دخول المسيحية وانتشارها في المدينة، على مدى القرون التي سبقت تأسيس مدرستها الشهيرة. ولا شك بأن الدور العلمي الذي قامت به هناك، منحها أهمية جذب السكان المسيحيين اليها. كما أن مدرسة نصيبين السريانية المسيحية النسطورية بقيت الى ما بعد الفتوحات الاسلامية، الى منتصف القرن الثامن للميلاد.(19) اذ كان للمسيحيين السريان دور كبير في ترجمة الفلسفة والعلوم الى لغتهم السريانية.

 هذا التمركز الحضاري للمسيحية في نصيبين ساعد على تحصين موقعها في الجزيرة الفراتية حتى خلافة المتوكل العباسي. ومع أن الفكر الاسلامي والدعوة الاسلامية قد رافقا الفتوحات الى ديار الجزيرة، فان المسيحية ظلت الأغلبية المطلقة بين السكان (20). وجمعت بينها قسما" من الأكراد واليزيدية، ساعدها في ذلك قربها من بلاد الروم. بالمقابل فقد كان يحد منها ممارسات بعض الموظفين والحكام المسلمين، على الرغم من قيام المسيحيين بدور فعّال في تطور الحياة الثقافية والاقتصادية في ديار الجزيرة. لكن الظروف السياسية كانت تفرض واقعها على صعيد الحياة الاجتماعية في الجزيرة وأنحاء الشرق الاسلامي، مما عكس آثاره السلبية على المسيحية. وقد أتى المؤرخون على ذلك. وقد كان هذا على أيدي حكام نصيبين والموصل، مثل الملك الصالح اسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ، مع جماعة من المسلمين والأكراد عندما فتكوا بالمسيحيين، وأجبروهم على ترك ديارهم والاحتماء في مدينة أربيل عشية الغزو المغولي (21).

 وقد اتخذ السريان الجرامقة من نصيبين ميدانا" انطلقوا منه في نشاطهم العلمي، وفيها أسّسوا مدرستهم الشهيرة. وقد شاركت نصيبين في شهرتها العلمية مدنا" أخرى انطلقت منها العلوم مثل "الرها" (او رهاى)، والمدائن (22).

 وقد أشار ابن خلدون الى أن الجرامقة نزلوا أرض الجزيرة وملكوها، وبنوا فيها المدن (23). وتنسب بعض المصادر تسميتهم بالجرامقة الى منطقة "جرمق" من بلاد فارس، وانما أصولهم تعود الى الآراميين، الذين نزحوا الى منطقة عيلام، هربا" من تهديد الأشوريين لوجودهم. وخلال الفتح الاسلامي لديار الجزيرة الفراتية, كان الجرامقة يسكنون منطقة الموصل.

 كما عرفت الجزيرة الفراتية اليهود منذ القدم في امارة حدياب اليهودية. وقد بلغت هذه الامارة شأنا" بعيدا" في عهد ملوكها المتهودين، ثم اتسعت لتضم بعضا" من منطقة نصيبين والأراضي المجاورة (24). وبعد تغلب المسيحية في ديار الجزيرة تحول معظم يهود حدياب الى المسيحية، وبعد وصول الفتح الاسلامي، دخل قسم منهم في دين الاسلام. وقد أشار الأب جان فييه اليسوعي الى نفوذ الوجود اليهودي في نصيبين في العهد الاسلامي، ووصل بهم الأمر لأن يهدموا كنيسة القديسة "فيرونيه"، واضطر "شمعون الزيتي" أسقف حّران لأن يعيد بنائها ثلاث مرات، وفي كل مرة كانوا يتعاونون على هدمها تحت جناح الظلام. (25)