نصيبين ومدرستها من القرن الرابع للميلاد حتى مطلع العهد الاسلامي

نصيبيــن ومـار أفــرام/ الحياة العلمية والفكرية في نصيبين

السبت 8 تموز (يوليو) 2006.
 

New Page 1

  الحياة العلمية والفكرية في نصيبين:

 شهدت نصيبين نشاطا" علميا" وفكريا" حافلين قبل الاسلام ومعه وبعده، وعرفت روّادا" تخرجوا في أديارها وكنائسها ومدارسها. ثم انتشروا في بقية أرجاء الهلال الخصيب (26). وتعتبر نصيبين مركزا" فكريا" وثقافيا" هاما" بين مدن الجزيرة الفراتية، ومنطقة الهلال الخصيب فهي منذ القرن الثالث للميلاد مهد الآداب السريانية، يؤمها الطلاب من مختلف الديار، ويتلقون فيها علوم عصرهم. وخلال مجد مدرسة نصيبين السريانية المسيحية، كان الطلاب يتلقون علوما" غير العلوم الدينية، وهي علوم الطب والشعر. وقد أفاضت المصادر والمراجع بالحديث عن الاديار والكنائس التي انتشرت في تلك الديار، وتخّرج منها العديد من الطلاب. وقد كانت اللغة الآرامية محور العلوم التي تقوم عليها الدراسات، فأصبح على المتعلم أن يتقنها، حتى ازدهرت وازداد الاهتمام بها والاقبال عليها (27). وشاعت لهجتها الموحدة بين العامة والخاصة في العصور الاسلامية من أطراف الجزيرة الشمالية العليا حتى جنوبها. واقتصر اهتمامها اول أمرها على دراسة الكتب المقدسة وتفسيراتها، وسير آباء الكنيسة الأوائل ومراحل الحياة الديرية. وما لبثّت أن توسّعت آفاق هذه الدراسات، تبعا" لمقتضيات التطور والظروف.

 كذلك أصبحت نصيبين مركزا" لمنافسة المذاهب الفكرية المسيحية الأخرى، وتخرج من مدرستها الأوائل من أعلامها الروّاد دينيا" ودنيويا"، وبرزوا في عدة ميادين. وبعد دخول الاسلام لم يلغ الدور المسيحي فيها، بل بقيت مدرسة نصيبين تعمل برعاية المسيحيين.

 كانت بداية القرون الوسطى من القرن الخامس الى القرن السابع للميلاد مرحلة ازدهار فعلي للمدارس السريانية، واستمرت هذه المدارس تلعب دور المراكز التعليمية الرئيسية حتى القرن الثاني عشر للميلاد (28).

 ويجدر بالذكر، أنه قد وصلت من تلك الأزمنة معلومات حول بعض المناطق التي تحّولت الى منارات للعلم والثقافة ومصادر للمعرفة السريانية في أقاصي الأقاليم الشرقية من الهلال الخصيب، فأتاحت بذلك انتشارا" واسعا"للمسيحية، شمل مجمل مناطق بلاد ما بين النهرين. وكانت المدارس الأولية والأكاديميات تشكل مراكز الحصول على المعارف العلمية العليا.

 وتشير الكثير من المؤلفات السريانية الى المدارس التي قامت في تلك الأزمنة، مثل كتاب الرؤساء : ل "توما المرجي" وكتاب العفة ل "أيشوعدناح" البصري. وترتدي أهمية خاصة في هذا المجال احدى أقدم المدارس الروحيةالاكليريكية " أكاديمية نصيبين" والتي حفظت عنها معلومات ووثائق مفصلة، اضافة الى شهادات وأخبار من عاصرها من المؤرخين والكتاب (29).

 وتعود المعلومات المتعلقة بالمدرسة السريانية المسيحية في نصيبين الى الربع الأول من القرن الرابع للميلاد، والتي كان أسقفها "يعقوب" الذي كان أحد المشاركين في مجمع نيقيا المنعقد سنة 325 للميلاد، وكان أقرب تلامذته اليه مار افرام السرياني. وتتحدث سيرة مار أفرام، كيف أنه كتب تفسيرات وشروحات للأسفار التوراتية، والأناجيل، وأنه دعي من قبل يعقوب للتدريس في المدرسة المذكورة. وفي سنة 363 ، انتقلت نصيبين الى أيدي الفرس، ولهذا غادرها مار أفرام وانتقل الى " آمد" في منطقة " بيت كرماي" واصبح بدءا" من سنة 363 يعلم في مدرسة الرها، وقد سميت أيضا" بمدرسة الفرس بعد أن سلمّت مدينة نصيبين الى الفرس سنة 363. وتعّده بعض المصادر مؤسسا" لهذه المدرسة، وقد بقي مار أفرام في الرها حتى وفاته سنة 373 (30).

 والأرجح أن مار أفرام علّم في مدرسة دينية ببلده الأصلي نصيبين وقد اعتبرته الروايات مؤسس مدرسة الرها. ولكن من المستبعد أن يكون هذا صحيحا"، فثمة رواية أقدم عهدا" وأوثق مضمونا" عن الزمن الذي عاشه مار أفرام في الرها، نجدها في شعر يعقوب السروجي، الذي توفي سنة 521م، فهو يكّرس قصيدة كاملة في مدح مار أفرام، وفيها يبرز مار أفرام باعتباره معلما" للنساء، يكتب لهن أناشيد خاصة لينشدنها. ومار أفرام يعد من أكبر شعراء الكنيسة القديمة في أية لغة، وهو لا يقل أهمية من حيث عمق لاهوته، وان كانت مقاربته لللاهوت تختلف بينّا" عن اللاهوتيين المعاصرين له، من أمثال أثناسيوس، او الآباء الكبادوقيين: باسيليوس، او غريغوريوس النازيانزي او النازانيزي.

 وبديهي أن مار أفرام قد جمع من حوله على غرار برديعان ولوقيانوس، وديودورس، وثيودورس في أنطاكيا، حلقة من التلامذة. وقد بقيت لنا أسماء هؤلاء في وصية مار أفرام، التي يكون قد وضعها هو بنفسه أو أحد تلامذته.

 وكان مار أفرام في الرعيل الأول من جماعة الرهبان الأتقياء في بلاد ما بين النهرين. وكانت كتاباته وتآليفه أكبر من أن تحصى. وقد ترك أثرا" عميقا" جدا" في العالم المسيحي بأكمله. وكانت ابداعاته المتنوعة في المعرفة واللاهوت، والأدب، والموسيقى، والشعر، وقد نعت بنبي السريان، وشمس السريان، وكنّارة الروح القدس، وصاحب الحكم. وقد كتب مار أفرام الأناشيد في الصوم والقيامة وفي الصلب، والمراثي، والانفعالات الحزينة، وفي مواضيع انسانية ودينية كثيرة على شكل صلوات وابتهالات عظيمة السبك. اضافة الى تفاسير الكتاب المقدس بعهديه، القديم والجديد، نظما" ونثرا". وان الكثير من نماذجه الشعرية والنثرية كانت من الحياة الواقعية ومن خبرته الوجدانية ومن معاناته الروحية.

 وقد وصلنا تراث مار أفرام الأدبي، ليس بالسريانية فقط، وانما في ترجماته الى اليونانية والعربية والقبطية، والأمهرية (الحبشية) والأرمنية والجيورجية وغيرها من اللغات. ويرتبط باسم مار أفرام الشعر الغنائي المسيحي الشرقي، وان ابداعات مار أفرام تعدت الأدب السرياني لتؤثر في الأدب اليوناني- الببيزنطي، الذي اغتنى بأشعاره وأناشيده وميامره. ويقول المؤرخ اليوناني "سوموزون" ان هذا التراث بلغ نحو ثلاثة ملايين سطرا". وأهم موضوعاته: الايمان، والمسيح، والكنيسة، والجنة والخطيئة.

 وقد وصف مار أفرام فلسفته الرهبانية في قصيدة خماسية الوزن يخاطب فيها نفسه التي روّضها على أعمال التقشف، جاء فيها:

 " كم من مرّة جعت، وكان جسدي بحاجة الى الطعام، ورغبت في الماء ليرتوي، فأهملته لكي يستحق أن يذهب ويتلذذ بندى فردوس النعيم ... اعتبرت ضيق العطش وكأنه لم يكن، اذ رأيت سيدي بسبب خطيئتي يمتص الخل من الأسفنجة."

 ويكفي القول: أن الموضوعات التي كانت تشكل محور اهتمام مار أفرام الشعرية والنثرية، ظلت المادة الرئيسية لنمو الليتورجية، والأساس المتين الذي اعتمدته التراتيل والألحان المسيحية في مختلف الطقوس الكنسية في الشرق والغرب على مدى قرون زمنية كثيرة.وجلالة شعر مار أفرام تكمن في ما نظمه من قصائد المداريش الوجدانية التي كانت تنشد، بينما كان يعقوب السروجي ونرساي يستعملان الشكل الأكثر استرخاء لمقاطع شعرية مؤلفة من بيتين في عروضهما المدائحية لأخبار الكتاب المقدس. وقد اقتبس مار أفرام أيضا" لون الشعر الجدلي القديم في بلاد ما بين النهرين، ذلك اللون الذي يتجادل فيه متماوزن من خلال مقاطع شعرية قصيرة متناوبة وكيّفه للاستعمال المسيحي. والمتماوزن في قصائد مار أفرام هذه هما: الموت والشيطان. والاطار هو هبوط المسيح الى "شيـول" أي دار الأموات.

 فان الانتشار الواسع للثقافة السريانية مرتبط بتاريخ مدن ما بين النهرين، والتي تشغل مدينة الرها ونصيبين المكانة الأكثر ريادة وطليعية بينها، سواء كمواقع اقتصادية، ومنشآت حرفية، او كمراكز تجارية وتعليمية على مستويات رفيعة من الدقة والتنظيم (31). وقبل أن يحصل الانقسام الكنسي المفتوح، ويظهر ان صفة الفارسية او مدرسة الفرس اطلقت على المدرسة نظرا" الى عدد التلاميذ القادمين من وراء الحدود، من الامبراطورية الفارسية الساسانية، والذين اجتذبتهم المدرسة أمثال: فيلويسنس مطران منبج لاحقا" للسريان الارثوذكس، وفي الثلاثينات من القرن الخامس للميلاد ذاع صيت المدرسة الفارسية بنشرها أعمال " تيودورس المصيصي " التي كان عدد منها قد ترجم الى السريانية في المدرسة نفسها (32)، وقد علم في مدرسة الرها مدّرسون ينتمون الى مختلف الاتجاهات العقائدية (33).

 ويتميز في هذا الموضوع الحساس موقف "رابولا" اسقف الرها. ورابولا هذا من قنسرين، كان ابنا" لكاهن وثني وام مسيحية، وتزوج هو أيضا" من مسيحية. وقد كانت لديه مقدرات شخصية عالية، أهّلته ليصبح معلما" في العلم اليوناني، وقد حجّ الى الأماكن المقدسة في فلسطين، وبعد عودته أصبح ناسكا" معتزلا"، فبلغ في ذلك ذروة التقشف وأعلى مقامات الزهد المسيحي. وكان رابولا قد رفض في مجمع أفسيس المسكوني 431 م اراء واطروحات يوحنا الأنطاكي وصار من أنصار كيرلس الاسكندري. وكغيره من بعض الآباء المسيحيين الشرقيين، كان برصوما عدوا" للبتولية في الكهنوت، وقد دافع كثيرا" في خطبه عن حق الزواج للأساقفة. وقد تمكن برصوما من التفاهم مع الملك فيروز (سنة 457 - 484 م)، وكان موقف الشاه الايراني ايجابيا" إزاء ترسيم برصوما أسقفا" على نصيبين، حتى أنه منحه صلاحيات ومهام دنيوية بحتة، كمراقبة قوات الفرس الحدودية. ومما يؤكد ذلك أنه أي برصوما اشترك مع كل من مرزبان المنطقة وملك العرب اللخميين في رسم الحدود بين ايران وبيزنطية (34).

 وفي سنة 457 م بعد أن توفي " هيبا الرهاوي" أستاذ برصوما، ترك برصوما مدرسة الرها، وانتقل الى نصيبين (35) وهناك أولى مدرستها اهتماما" عظيما" باعتبارها أداة لنقل التقاليد والتراث. وطبيعي أنه قد استفاد في ذلك النظام الذي عرفه في الرها كنموذج جاهز(36). لقد اشتغل بنفسه باعطاء الدروس وتفسير الكتاب المقدس مجتذبا" الى المدرسة المذكورة طاقات جديدة، لكي يجعل مدرسة نصيبين ذروة العلم وقمة المعرفة. وقد ارتبط مصير مدرسة نصيبين ارتباطا" وثيقا" بكل من "نرساي وبرصوما" الزميلين في مدرسة الفرس والخليفتين لهيبا.

 في تاريخ "برحذبشابا" نقرأ في موضوعين حول وجود نرساي في الرها على مدى عشر سنوات. وفي الرها التقى نرساي ببرصوما ، وأصبحا من المؤيدين لنسطوريوس (37).

 "ثم انتقل برصوما الى نصيبين، فاشتهر فيها كمفسر وشارح بفضل كفاءاته وقدراته العلمية، وبعد ذلك سيم بناء على انتخاب اجمالي أسقفا" على نصيبين، التي جلب اليها فيما بعد صديقه وزميله نرساي.

وعندما بلغ نرساي نصيبين لم يدخل المدينة، وانما توقّف في "دير الفرس" الذي يقع شرقي المدينة, حتى اقترح عليه برصوما دخول المدينة. وقد قوبل باحتفاء عظيم من قبل برصوما الذي كان يرغب في أن يؤسس نرساي مدرسة في نصيبين من شأنها تنوير بلاد النهرين بأجمعها. وقد أشار برصوما على نرساي افتتاح مجلس هيئة تعليمية في نصيبين. وبعد أن أقنع برصوما نرساي بذلك، أمر في اللحظة ذاتها باتخاذ الإجراءات الضرورية كافة لتنظيم المدرسة.وبعد مدة وجيزة توافد الى المدرسة الفرس والسريان الذين ينحدرون من ضواحي نصيبين وأريافها، أولئك الذين كانوا منتمين سابقا" الى مدرسة الرها.

 قبل ذلك الحين كان في نصيبين مدرسة ترأسها " شمعون الكشكري" وبغية القيام بتوسيعها اشترى برصوما حوالي الكنيسة خان قوافل ضمّه الى المدرسة (38). وبدأت تتقاطر اليها خلال مدة قصيرة أعداد كبيرة من الأخوة من جميع الجهات. ولهذا السبب تزايدت أعداد المجالس التعليمية في بلاد فارس، فخبا نجم "اورهاي " (الرها) أما نصيبين فقد لمعت وازدهرت. لقد ترك نرساي بعد موته عددا" ضخما" من المؤلفات عثر على جزء منها (39). وتقول سيرته الشخصية، أنه أتبع حياة تقشفية زاهدة، مكرّسا" معظم أوقاته للقراءة وتفسير الكتاب المقدس ، بعهديه القديم والجديد، وكتب الميامر لكل يوم من أيام السنة شارحا" أسفار الأنبياء التوراتية, ومن الطريف في هذا السياق، أن "برحذبشابا" يطرح على ذاته السؤال التالي: ما هي الخصال والمزايا التي كان يتمتع بها نرساي, فجذب نحوه هذا الاهتمام الكبير والتعاطف الشعبي الواسع (40)؟ ثم يعدّد الكاتب تلك الخصال وهي:

1.  أفكاره المهمة

2.  القدرة على التصرف بكرامة ورجولة

3.  المظهر الخارجي الجذّاب

4.  اللطافة والتهذيب

5.  الطيبة

6.  جمال تعليمه وبهاؤه. (41)

ويرتبط باسمي برصوما ونرساي وضع وثيقة على درجة كبيرة من الأهمية وهي قوانين وقواعد مدرسة نصيبين، أي اول نظام داخلي جامعي من القرون الوسطى وصل الى متناول يدنا (42).

 وبعد نرساي تسلم ابن أخته نرساي أيضا"، الذي أعطي اسم ابراهيم فيما بعد، ادارة أكاديمية نصيبين، فارتفع في عهده أعضاء المجلس التعليمي من الأساتذة والطلبة الى ألف شخص. وسكن الطلبة في أحياء المدينة المختلفة. ولضم هذا العدد الكبير من الطلبة، شيد ابراهيم بناء" من ثمانين صومعة، وزعها على ثلاث باحات، وأقام حمامين، اولهما للأخوة الدارسين، وثانيهما للمواطنين. بحيث أن الدخل الناتج عن تشغيل ثانيهما، كان يذهب لصالح مشفى مخصص لمعالجة الطلاب (43).

 لقد أشرف ابراهيم على بناء هذا المشفى وافتتحه، وكان يقوم شخصيا" بعيادة مرضاه والاطمئنان على أوضاعهم.

 وخصص ابراهيم قسما" من الدخل لمعيشة المعلمين، الذين لم تكن لديهم وسائل أخرى يعيشون منها، كما تملك لصالح المؤسسة التعليمية قرية زراعية، فكان يوزع قسما" من انتاجها على المعلمين والباقي يقدمه للمشفى (44).

 وكان يتبع الأكاديمية ديوان الأوراق, أطلق عليه "بيت الكتبة" وكانت قيمة كل مؤلف غالية جدا". وتضم قرارات المدرسة أبوابا" خاصة تحظر أخذ الكتب من مكتبة المدرسة دون موافقة الادارة. أما اخفاء أي مخطوطة فكان يترتب عليه أقسى العقوبات. وقد أوليت عملية تدوين الكتب أهمية كبرى، حيث شكل قسم الكتب المحفوظة أحد أهم أركان الأكاديمية. وقد بنى ابراهيم دارا" جديدة خاصة بالكتب بحيث أصبح من السهل على الكتبة أن يقوموا بالكتابة والنسخ وأن ينفذوا عملهم كما يجب.

 لقد كان ابراهيم كاتبا" لمجموع من المؤلفات. وقد قيّم السريان تقييما" عاليا" التفسيرات والشروح المبسّطة التي وضعها لمؤلفات "ثيودوروس المصيصي" ولبعض أتباعه (45).

 لكن ابراهيم اضطهد في آخر أيامه من قبل اليهود والفرس وبعض المسيحيين الذين اتهموه بعبادة الأصنام والأوثان. والحجة التي كانت وراء هذه التهم، أنه كانت لديه أيقونة تمثل الرب يسوع وعلامة الصليب، بحيث كان ابراهيم عندما ينهض باكرا" يبادر أولا" بالتوجه الى صلاته وأدعيته الى الأيقونة والصليب. وقد اتهمه خصومه بأنه كان يملك صنما". أما المدنيون فقد نظروا في القضية ولم يأخذوا بهذه التهمة المنسوبة اليه. وأن الكثير من الناس كانوا يقومون بزيارته افواجا" وأفواجا". فبابه كان دائما" مفتوحا" على مصراعيه، حتى أنه اضطر لإقامة سور أمام الباب الخارجي لمنزله لكي لا تدخل الماشية من هناك (46).

 ولقد اضطر ابراهيم كثيرا" للدفاع عن آرائه التي بناها على تعاليم "تيودور الطرسوسي، وتيودوروس المصيصي، ونسطوريوس"، حيث أنه كان يشير الى هذه الأسماء الثلاثة في أوقات العبادة، وأداء الشعائر الدينية. ووقف ضده أيضا" المجمع الخلقيدوني المنعقد في سنة 451 م، سواء الرومان منهم او السريان. لقد قاد ابراهيم مجلس أكاديمية نصيبين خلال ستين عاما"، وأيد النظام والانضباط الداخلي بصورة دقيقة، كما شارك في اعطاء الدروس أيضا"، وبخاصة تفسير الكتب المقدسة. وله تفسير كتب الأنبياء، وابن سيراخ، ويشوع بن نون، والقضاة، وينسب اليه أيضا" "عبديشوع الصوباوي"، تفسير سفر الملوك، ونشيد الأنشاد، او الأناشيد.

 وتكشف السير الشخصية للمدراء والاساتذة الذين عملوا في مدرسة نصيبين جوانب هامة جدا" في حياة المدرسة السريانية, ويسمح التعّرف على تفاصيل نظامها الداخلي بمعرفة الاشكال والطرائق التي جرت الدروس وفقها. فالأساتذة والطلبة كانوا يشكلون معا" منظمة وهيئة وجماعة موحّدة متعاونة.

 وتضم هذه الهيئة الجماعية كامل أعضاء المؤسسة التعليمية، مدرسين وطلابا"، وهي أعلى سلطة تقرر الاجراءات والحلول كافة لمجمل المسائل المتعلقة بحياة المدرسة. وتنسجم نظم هذه المؤسسة مع المسيحية والتعاونيات الفلاحية الدينية، التي تحل مشكلاتها عبر الاجتماعات الشعبية، ومن خلال تطبيق نظام يتوائم مع الأنماط المعيشية، التي سادت الأديرة والرهبانيات.

 وقد تخّرج في أكاديمية نصيبين مجموعة من العلماء، تركت نتاجاتهم الفكرية آثارا" عميقة في تاريخ الفكر الشرقي. ومن أهم مدراء هذه المدرسة بعد نرساي: "اليشاع برقا زباين، ابراهيم بيت ربّان، يوحنا بيت ربّان أيشوعيات الأول، مار أفرام النصيبيني"، الذي حّل شارحا" عاما" بعد أيشوعيات "حنانا الحديابي" الذي اتهمه خصومه بالضلال.

 وقد ابتعد حنانا في آرائه عن التفسيرات السائدة عندئذ للأسفار التوراتية، المعتمدة أساسا" على المنهج الذي وضعه " تيودوروس المصيصي" والتقاليد النسطورية. وفي تفسيراته للكتب المقدسة سار "حنانا " على مناهج عدد من الآباء أمثال "يوحنا فم الذهب" وجاراهم في آرائهم، الأمر الذي أثار عدم الرضى والامتعاض اضافة الى أن تصوراته الفلسفية كانت قريبة من الآريوسية. لكن حنانا حصل على تأييد من قبل السلطات المدنية، وبفضل التأييد استطاع ان يستمر في نشاطه على مدى عدة سنين (47).

 لقد كانت التهمة الرئيسية ضد حنانا، تتّجلى في أنه قدّم تفسيرا" للكتاب المقدس يغاير التفسير الدارج، او المعتمد على تصّورات ثيودوروس المصيصي (48). ويستنتج من ذلك ان القرارالثاني المتخذ من قبل المجمع، الذي جرى برئاسة "أيشوعيات" الاول سنة 585 م، والذي ادينت فيه التصورات المغلوطة والمزيفة والمبتدعة ، تجاه المفسر الكوني " ثيودوروس المصيصي". وقد أقر في هذا القانون تأييد آراء المصيصي وعدم المبادرة الى القيام بأية تعليقات وشروحات أخرى، والابتعاد عمّا يتطابق مع تفسيراته، بما في ذلك الموافقة على تفسيرات يوحنا فم الذهب (49). مهما كانت أشكالها او تلويناتها. ويفهم من مصدر آخر أن حنانا أيّد آراء أوريجانس وقد تحدث عن ذلك "باباي" الكبير مؤلف سيرة الشهيد مار "كيوركس". عندما جاء الأخير الى نصيبين للدراسة، حذّره الأب ابراهيم، ورئيس الرهبان من الآراء المضللة التي أغرقت مجمل هذه المدينة البائسة، فالضلالات الشريرة، انتشرت بواسطة حنانا وطلابه (50).

 تتلخص التهمة التي وجهها باباي الكبير الى حنانا في أنه (أي حنانا) يعتقد أن الرب يفنى، ويتألم ويموت، وانه كذّب بعث الجسد، بينما يوافق على امكانية خلاص الروح فقط، وكان يؤكد أنه لا يوجد حساب ولا عتاب ولا يوجد ثواب أيضا".

 وقد دّل هذا بصورة بيّنة على الفجوة بين أنصار مختلف التيارات والمذاهب المسيحية. وقد اتخذ النساطرة كما رأينا موقفا" متشددا" ولم يتراجعوا عنه. وكان يتجلى في تأييد آراء تيودورس المصيصي ونسطوريوس، كما لعب المونوفيزيون دورا" ليس هينا"، اذ حولوا الأديرة الى مجموعة من المراكز التعليمية، وظفت في الوقت ذاته لنشر آرائهم ومعتقداتهم المذهبية، وأدت تلك الانقسامات الى تدهور الوضع العام لمدرسة نصيبين، فضعف تأثيرها. كما أن نمو الايديولوجية السريانية تفّرع الى عدة تيارات واتجاهات.

 ومدرسة نصيبين التي بلغ عدد طلابها ثمانماية طالب الا أنها مع دخول العرب المسلمين وعلو شأنهم أخذت بالتراجع، ابتداء من نهاية القرن السابع للميلاد، بحيث أحدث الفتح العربي تغيرات في حياة المنطقة طالت مختلف المجالات، بما في ذلك الاقتصادية والحرفية والتجارية. الا أن تقليد انتقال المعارف من جيل الى جيل ، استمر في مسيرته، وحافظ بالنتيجة على الحدود الضرورية للنشاط التعليمي لدى السريان.

 بقيت المدارس في القرى والأديرة وفي المدن، ولكن القوّة التأثيرية الهائلة، التي لعبتها أكاديمية الرها او اورهاي، ونصيبين، ضعفت وتراجعت كثيرا". ولا بد من ارجاع مرحلة ازدهار المدرسة السريانية العليا الى الوقت الذي سبق الفتوحات الاسلامية، والتي أدت الى اخماد الدور الايديولوجي للسريان في ايران، مع أن المسلمين حصلوا من السريان على تقاليد الثقافة اليونانية ولبّها، اضافة الى الثقافة السريانية بأكملها تقريبا" (51).