نصيبين ومدرستها من القرن الرابع للميلاد حتى مطلع العهد الاسلامي

نصيبيــن ومـار أفــرام/ البرامج والمواد الدراسية في مدرسة نصيبين.

السبت 8 تموز (يوليو) 2006.
 
New Page 1

 البرامج والمواد الدراسية في مدرسة نصيبين.

 كانت مدرسة نصيبين جمعية حقيقية منظّمة ومقيّدة بقوانين وضوابط، يديرها رئيس يدعى ربان أي معلمنا ويسمى أيضا" المفسر، لأن من أهم وظائفه تفسير وشرح الأسفار الالهية، وفي شرحه اياها، كان يعتمد على "تادوروس المصيصي " (اسقف مصيصة)، وعلى مار أفرام (الملفان) فشرح تادوروس للكتاب المقدس يسمونه التفسير، وشرح مار أفرام يدعونه التقليد، لأنه أتى بالتقليد من فم الى فم، ودونه مار أفرام، ومار نرساي في مؤلفاتهما. ويطلق كتبة السريان الشرقيون اسم التقليد على تفاسير الكتب المقدسة فقط.

 ان قوانين مدرسة نصيبين لا تقدم لنا معلومات مباشرة عن موضوعات التدريس فيها. لكن هناك معلومات جدا" شيقة، موجودة في مختصر القوانين المجمعية " نومو قانون" لعبد يشوع الصوباوي" المتوفي سنة 1318 م الذي أقيم أسقفا" على سنجار وبيت عرباي سنة 1284 - 1285 ثم أصبح في سنة 1290 - 1291 مطرانا" لصوبة نصيبين وأرمينيا (52).

 وفي النوموقانون توجد مجموعة من القرارات، التي تعالج مختلف المسائل الكنسية، كما يوجد قسم خاص مكّرس للمنهاج الدراسي. كما رتبت فيه بصورة متسلسلة القوانين الصادرة من أعلى المراجع الكنسية وفق تواريخ صدورها، وتفصيلا" عن تقاليد أكاديمية نصيبين، وأخيرا" قرارات ثلاثة بطاركة من القرن الميلادي التاسع "سبرايشوع 831 - 835 م. ابراهيم الثاني 837 - 850 م. وتيودوسيوس 853 - 858 م (53).

 أما الفصل الثالث من البحث السادس من كتاب النوموقانون، فقد كان عنوانه العام " حول نظام قراءة الكتب". وطبقا" للقانون الكنسي يجب تدريس الأسفار التوراتية التالية: شرائع موسى الخمسة، سفر أيوب، سفر أشعيا، سفر الاثني عشر نبيا"، القضاة، أسفار صموئيل ، أرميا، حزقيال، دانيال، وكل ما يتوجب القيام به في الخدمة الكنسية. كما ينبغي على الناشئة قراءة مزامير داود وحكم ابن سيراخ اما بالنسبة للعهد الجديد فانه يتوجب تدريس الأناجيل الأربعة متى, ومرقص، ولوقا، ويوحنا، ورسائل الرسل الحواريين والرسائل الكاثوليكية الثلاث، وأربعة عشرة رسالة للرسول بولس (54).

 وقد جاء في مختصر القوانين السنهادوسية الميمر السادس، الفصل السادس: ان عبد يشوع الصباوي أورد قانونا" كأنه من قوانين مدرسة نصيبين جاء فيه: ان الدروس تدوم ثلاث سنين وهذا نص كلامه:

 

1.     ليكتبوا في السنة الأولى القسم الاول من (بيت موتبا) الكتاب الذي يحوي أسفار: يشوع بن نون، والقضاة وصموئيل والملوك والأمثال والجامعة وراعون ونشيد الأناشيد وايوب، ورسائل بولس الرسول، والذي يعّلم القراءة على اللوح ليعّلم أيضا" الالحان التي في كتاب دفن الموتى.

2.  وفي السنة الثانية ليكتبوا القسم الثاني من كتاب (بيت موتبا) والمزامير والانبياء ومع القراءة التي تعلّم على اللوح، ليعلموا عونيثات القداس (ترتيلات ترتّل ايام الآحاد والأعياد. وفي أيام القيظ هناك عونيثة ترتل بعد الانجيل).

 

3. وفي السنة الثالثة ليكتبوا القسم الثالث من " بيت موتبا "والعهد الجديد، ومع لوح القراءة ليعلموا العونيتات.

  ويعتقد أن هذا القانون كان موضوعا" في أيام انحطاط المدرسة لا في ايام نجاحها.

 

 والقانون يقول ليكتبوا: مما يبين ان التلاميذ كانوا يدونون على الأوراق كل ما كان يتفوه به المفسّرون.

 والأرجح أيضا" أن التحليل النحوي والقراءة الليتورجية الصحيحة كانا يشكلان القاعدة لدراسات اضافية. كما أنه من الأغلب أن يكون للتفسير شأن بارز جدا" ، وأن يولي أفرام وتيودورس اهتماما" خاصا" ، على ما نحو كانت الحال في مدرسة الرها. وأيا" كان الأمر، فلا دلائل واضحة على أن مواضيع غير دينية كالطب والفلسفة كانت تدرس في المدرسة، وأنها طوّرت نوعا" جديدا" من أدب التفسير سمّي "علاتا او العلل"، كان هدفه تقديم تعليلات للمسألة موضوع البحث. ومن أوائل المؤلفات من هذا النوع كتاب "قورش الرهاوي" وعنوانه "علل الأعياد الرّبية" من أواسط القرن السادس. ومن الجائز أيضا" أن منهجية جديدة في النقد الأدبي، بدأت تستعمل في دوائر العلماء السريان ضمن المدرسة (55).

 ويتضمن "النوموقانون" قرارا" كنسيا" أعلى يتألف من منهاج يقوم على تدريس أسفار العهدين القديم والجديد، والتي تعتبر قانونية ورسمية. وكان هذا القانون ضروريا" لفصل الكتب الحقيقية عن الكتب المزيفة والمنقولة. والواقع أن القرارات الواردة في نوموقانون حسب قول "برحذبشابا" لا تخص مدرسة نصيبين وحسب، وانما تخص المدارس السريانية الأخرى غيرها. من هنا يستنتج أن قوانينها ومناهجها التدريسية كانت مطبّقة في أماكن تعليمية أخرى. وفي مراجعتنا لمصدرين أساسيين، هما كتاب الرؤساء " لتوما المرجي" وكتاب العفّة " لايشوعنداح" البصري، أن عدد هذه المدارس فاق الستين مدرسة،  منها ما هو مستقل ومنها ما هو مدرسة ضمن دير.

 وينص قانون المدرسة الذي ورد في مؤلفات "عبد يشوع الصوباوي" أنه في السنة الأولى تبدأ المدرسة هناك حيث يوجد خبز في المدرسة يوم الاثنين بعد الأحد، اما في المدارس التي لا يوجد فيها خبز، فانه يتوجب على الدارسين أن يشتغلوا لكي يطعموا، ويجب أن تبدأ الدروس يوم الاثنين، الذي يلي الأحد الذي تنشد فيه ترتيلة " ليس من الحياة". وعلى هذا فقد وجدت مدارس كانت تقدم الطعام للدارسين وهذا ما يتأكد من قرار الجاثليف (البطريرك) "سبريسوع" (56).

 كما أنه لو عدنا الى بعض المعطيات العائدة الى الكتابات المونوفيزية، وهكذا في السيرة الشخصية ل "ماروثا التكريتي" المتوفي سنة 649 م، الموضوعة  من قبل تلميذه "دنحا" الذي توفي سنة 660 م، توجد معلومات عن المدارس أيضا".

 وهكذا يتبين لنا عظم الحماسة التي نشر من خلالها السريان عقيدتهم ومذهبهم، حيث زرعوا المدارس ودور التعليم في كل مكان وجدوا فيه. وعلى أساس المصادر التاريخية العائدة الى عصر الحقبة الاسلامية حتى القرن العاشر الميلادي ضمنا"، يمكن الاستنتاج بأن المدارس السريانية وجدت في جميع القرى، التي كانت تضم الكنائس، كما وجدت تلك المدارس في رحاب الأديرة أيضا". لكن المدارس السريانية العليا لم تبلغ جميعها تلك الدرجة الرفيعة والشهرة العظيمة، التي حظيت بها أكاديمية نصيبين. انما أثر هذه المدارس أخذ يتراجع في العهود الاسلامية الأولى وخاصة في القرن الأول والثاني والثالث للهجرة.

 ويجدر بالذكر أن الجاثليف "سبريشوع الثاني" زار سنة 834 م في بلاد الرافدين منطقة " بيت أرماي" وشاهد أن جميع القرى تفتقر الى كهنة متعلمين، بما فيها مدارس "مار ثيودور بيت مارماري" والمدارس الواقعة في حوزي (المدائن) والأمر ذاته كان في مناطق "عيلام وميسان (ميشان) وخراسان (57). وبهذا طبقا" لشهادة سبريشوع الثاني يتبين مدى التراجع الهائل في مستوى التعليم والثقافة سواء على نطاق بلاد ما بين النهرين بأكملها، او على نطاق آسيا الوسطى. وانطلاقا" من تدهور التعليم السرياني تحت تأثير الفتوحات الاسلامية الكاسحة الضخمة اتخذ سبريشوع عددا" من الاجراءات التجديدية في مجال تبسيط المناهج التدريسية والبرامج التعليمية السريانية. حيث وضع برنامجا" يتضمن سلسلة من الأناشيد والتراتيل على مدى سنة كاملة، ثم نظم برنامجا" علميا" كنموذج للإحتذاء به، غادر بموجبه مقر الأبرشية وزار المعلمين معطيا" لتوجيهاته وارشاداته للقساوسة والشمامسة القرويين الذين يعملون في الخدمة الدينية في الأرياف، والى أولئك، الذين يقومون بتأدية الطقوس الكنسية وكما قام بزيارات الى المسيحيين في بيوتهم، وفي أماكن تواجدهم لكي يتبع رجال الدين النهج نفسه، ويقوموا بالجولة المبرمجة نفسها.

 هذا ولم يقتصر دور المدارس العليا في الشرق الأدنى خلال القرون الوسطى المبكرة على تعليم القراءة والكتابة، وانما لعبت في واقع الأمر دورا" تنويريا" واسعا" جدا". لقد حدّدت تلك المدارس الى درجة كبيرة نمط الحياة العقلية في المنطقة بأكملها، حيث استأنف الخريجون منها أداء مهامها الجليلة تلك، وواصلوا تقاليدها العلمية والتثقيفية الكبرى. وقد تكون هذه المدارس ورثت الكثير من التقاليد المدرسية البيزنطية، كما تؤكد المصادر المختلفة (58). وتقّدم المصادر التي بقيت محفوظة منذ تلك الأزمنة لوحة ساطعة ومفّصلة كفاية عن نشاط المدرسة السريانية وفعّاليتها، وعن تلك الظروف التي عاش فيها المربون السريان، ومارسوا من خلالها مهنة التعليم. ونشير في هذا المجال بشكل خاص الى قواعد أكاديمية نصيبين، ونظامها الداخلي. فقد أوليت تلك القواعد أعلى درجات الاهتمام، فكانت ملزمة لكل الدارسين والاساتذة والمديرين.

 وحوفظ على نص النظام الداخلي بصورة دقيقة في مبنى الأكاديمية وكان يتلى في الاجتماع السنوي العام في جميع المدارس. ومن المحتمل جدا"، أن تلاوته كانت تتم في بدء العام الدراسي، الذي كان يفتتح عادة باجتماع عام.

 وتعود مبادرة وضع قوانين النظام الداخلي "لبرصوما" (59)، الذي دعي من قبل طلاب مدرسة الرها، التي أغلقت سنة 489 م، وانتقلت الى نصيبين حيث بدأ يتوافد اليها السريان والفرس، الذين عاشوا ليس في المناطق القريبة وحسب وانما في أماكن بعيدة عنها أيضا".

 وتعد توجيهات برصوما وقراراته التنظيمية الحلقة الأولى في سلسلة القواعد والقوانين التي صدرت في هذا المجال. وقد وضع " حنانا الحديابي" خامس مديري مدرسة نصيبين جملة من الاضافات شكلت الحلقة الثانية من سلسلة القوانين المذكورة (60).

 وفي الحقيقة لم يكن مسموحا" للدارس أن يشتغل ببعض الأعمال التي تسيء الى سمعة المدرسة وخريجيها. فمثلا" كانت تحظر المراباة بأنواعها كافة. وان التجار الذين كانوا ينتسبون الى المدرسة لا يهجرون أعمالهم بشكل نهائي، حيث يسمح لهم البيع والشراء خارج نصيبين، وفي المناطق الأخرى. ويمكنهم أن يتاجروا في أوقات العطل الصيفية التي تبدأ اعتبارا" من أوائل شهر آب, وحتى أوائل شهر تشرين الأول (61).

 وكان العمل في الزراعة يعد من الأعمال المقبولة، انطلاقا" من الظروف الحياتية والطبيعية لذلك الزمن. وقد عاش قسم من الدارسين غير بعيدين عن العمل في الحقول والبساتين، باعتبار أن الزراعة كانت أساس الحياة في ذلك الزمن.

 الا أنه كان بين الطلاب اشخاص فقراء تماما"، فاشتغلوا في اعطاء الدروس، ولكن بشروط ألاّ يعلّم الواحد منهم أكثر من صبيين او ثلاثة صبية. ولم يسمح بافتتاح المدارس الخاصة في المدينة.

 لسؤ الحظ أن قوانين مدرسة نصيبين لا تقّدم لنا معلومات مباشرة عن موضوعات التدريس. وقد كان التحليل النحوي والقراءة الليتورجية الصحيحة يشكلان القاعدة لدراسات إضافية. كما أنه كان من الأغلب أن يكون للتفسير شأن بارز جدا" وأن يولّي أفرام وتيودوروس اهتماما" خاصا"، على ما كانت الحال في مدرسة الرها. ويبدو أن خلافا" ما قد شاع عند نهاية القرن السادس حول أهم المؤلفين الذين ينبغي تدريسهم في المدرسة. فقد ذهب البعض الى ضرورة اعتبار "تيودوروس المرجع الأول، بينما اراد آخرون مقاربة الشمل (63). وكان من أبرز القائلين بالتوجيه الثاني حنانا، رئيس المدرسة عند نهاية القرن السادس وبداية السابع، والذي اختلفت الآراء حوله. وأيا" يكن الأمر فلا دلائل واضحة على أن مواضيع غير دينية كالطب والفلسفة كانت تدّرس في المدرسة.

 وكان من أهم المواد الدراسية في الحلقات البحثية، المنعقدة في مدرسة نصيبين، وفي جميع الدراسات اللاهوتية مادة التفسير. فقد كان السريان مطلعين جيدا" على شروحات الآباء الإغريق، ومؤلفات أفرام السرياني وتيودوروس المصيصي، التي ترجموها من اليونانية الى السريانية، فقد كان تيودوروس المصيصي أشهر ممثلي العقيدة النسطورية.

 كان المفسر والشارح هو المدير أيضا" في مدرسة نصيبين الروحية. في حال ان " المقريان" معلم القراءة كان يقوم بتعليم طريقة القراءة الجهرية بصوت عال وصوت منخفض، وقواعد النبر وكيفية الالتزام بالإشارات والعلامات المعقّدة والترقيم كافة. اما دروس الكتابة والخط، فكان يقودها "سابرا" أي الكاتب او الناسخ. وفي مدرسة نصيبين العليا كما هو الحال في بقية جامعات القرون الوسطى، كانت الاهتمامات التعليمية تركز على مادتين رئيسيتين، هما الخطابة والفلسفة.

 وكانت مادة الفلسفة من المواد الدراسية الأساسية التي يشغل المنطق فيها مكان الصدارة، وكان يطلق على مدرسها اسم "بادوكا" اما فن الخطابة فقد قدّر تقديرا" عاليا" جدا"، وكان من يدرسّه خصوصا" شخص يسمى "مهاغيان" (64).

 اما المعلمون فكانوا خاضعين مباشرة لتوجيهات مدير المدرسة الذي كانوا يطلقون عليه لقب معلمنا "ربّان" ولم يكن بامكانهم إعطاء الدروس الا بإذن منه، او لأسباب مرضية طارئة. وكان المدير "الناظر العام" يملك حق التنبيه لمن يتغيب من المعلمين عن الدروس. لكن المعلمين ليسوا ملزمين بالإستماع الى التنبيه او الإنذار او اللوم في الاجتماع العام للمدرسة، أي بحضور جميع الطلبة الدارسين.

 وكانت الأمور المالية والاقتصادية للمدرسة بيد المعاون الأول للمدير، وهو الاداري والمسؤول المالي، الذي كانوا يسمونه "الكبير في البيت". وكان الشخص المالي  مسؤولا" عن ممتلكات المدرسة كافة، وهي ممتلكات ليست بقليلة على كل حال (65).

 اما مساعد مسؤول الاعانة، فكان المشرف على السكن ومسائل الضيافة، ومن مهامه الأساسية الاهتمام بالمرضى، وبمعالجتهم وإطعامهم. في حين كان الأشراف على سلوك الدارسين، او مدى اللإلتزام بالنظام والانضباط في نصيبين يقع على عاتق المسؤول الاداري، الذي كان يعين بالإنتخاب، وأنه لا بد من موافقة مدير المدرسة على اجراءات التعيين هذه.

 وكان الشارح (المفسر) هو أهم استاذ في المدرسة بعد مديرها العام.  وكثيرا" ما أصبح هذا الأستاذ مديرا" للمدرسة، جامعا" في شخصه مهام التدريس والادارة في آن واحد.

 والدارسون القادمون من مختلف المناطق، يجب أن يقبلوا رسميا" من جهة، وأن يتعهدوا بأداء واجبات محدّدة في طليعتها:

     1-  الالتزام المطلق بقوانين المدرسة

2-  بالأصول السلوكية المرعية فيها

 وقد جرت العادة تقديمهم عند مجيئهم أول مرّة الى مدير المدرسة، والى الأخوة, الذين يكّونون الاجتماع العام أو الهيئة المدرسية العامة. وهي المنظمة المدرسية التي تضم جميع المعنيين من أساتذة وطلبة واداريين. وكانت مدرسة نصيبين تشترك مع المدارس الثانوية الدينية الأخرى، في كثير من الصفات والاجراءات والترتيبات، التي ترسّخت أركانها على مدى عشرات القرون في البلدان المسيحية، والتي لعبت دورا" هاما" في التثقيف والتنوير، وفي الوقت نفسه، فان المناهج التعليمية وسير الدروس المطبقة في المدرسة النصيبية، كانت تتطابق الى حد كبير مع ما كان ينفذ في جامعات القرون الوسطى، حيث كانت الفلسفة تعّد خاتمة اللاهوت.

 وكان لمدرسة نصيبين سكنها الخاص بها، ولهذا كان المطلوب من الدارسين أن يعيشوا في هذا السكن المشترك. اذ لا يجوز لأي دارس وتحت أية حجّة ترك الصومعة وزملاءه، ومغادرة السكن المدرسي للعيش مستقلا" خارج المدينة او في أطرافها، وانما عليه أن يشغل المكان السكني، الذي يقدم اليه وفق قانون المدرسة. وكان الطلبة الدارسون للعلوم اللاهوتية او التلاميذ كما تسميهم المصادر العائدة الى تلك الأزمنة، يرتدون ألبستهم ويحلقون شعورهم وفق القواعد الداخلية والتقاليد الدارجة. وكما يبدو كانوا يرتدون أزرا" متواضعة محتشمة، وأن يخرجوا بأردية  نظيفة بعيدة عن البذخ (66).

 وينصح الدارسون بعدم الدخول في أحاديث مع المواطنين المدنيين او مع الرهبان، ولهذا فهم يتعهدون عند دخولهم المدرسة بأن يكونوا متحفظين صامتين. لقد التزمت هيئة المدرسة العامة، او جمعية المدرسة العمومية جميع الأعضاء بمعايير السلوك التي كانت تعتبر مقبولة وسليمة، والتي كانت تلزم بالامتثال اليها دون أي تردد او تهاون. فمثلا" القاعدة الثامنة موجّهة ضد الكسل، الذي يعد ام العيوب جميعها او الذي كان يدان بقسوة شديدة. والاخوة الذين ينطبق عليهم لقب التلاميذ لا يحق لهم، بدون وجود موانع قاهرة عدم كتابة الدروس العلمية، او الامتناع عن حفظ شروحات المدرسة، او عدم المشاركة بالقراءة الجماعية. فليس من حق اي واحد من الأخوة ان يحصل على خبز لغيره، حتى بحجة الصدقة، ولا يجوز بأي شكل من الأشكال اهمال الدروس والتسكع في طرقات المدينة بحجة القيام ببعض الأعمال الخيرية مثل مساعدة الزملاء.

 وقد وجد في عداد الدارسين بعض الطلبة الضعاف، وحتى المرضى، لهذا كانت المدرسة تهرع الى تقديم العون لهم، لكي لا يضطروا الى طلب المساعدة من الناس.

 وكانت تعد جنحة مدرسية بين طلاب أكاديمية نصيبين اذا قام أحدهم بازالة اسم صاحب كتاب متوفي بقي من أملاك مكتبة المدرسة، وكتب اسمه (اي السارق) محل الاسم الأصلي.  اما اذا قام أحد الدارسين باستعارة كتاب من المسؤول الاداري لكي يقرأه او لينسخ شيئا" منه، وحدث أن نسي الاداري ذلك الكتاب، او لم يقم المستعير باعادته، فانه يتوجب عندئذ العقوبة والطرد خارج المدينة (67).

 كان كتاب ذلك العهد مخطوطا"، ولهذا ثّمن بشكل كبير جدا"، فكان من الطبيعي، أن تنزل أشّد العقوبات بمن يحك تلك الكتابة او يسرق المخطوطة. وكانت تنتظر الوشاة والمفتنين عقوبة صارمة جدا"، واللافت للإنتباه أن النظام الداخلي كان ينص في بعض مواده على مكافحة رواسب الحياة الوثنية وبقاياها، وانزال عقوبات قاسية بمن يمارس السحر مثلا". وكانت العقوبة الجسدية المشهودة أمام الجميع اجراءا" انضباطيا" يهدف الى تقديم سلوك الطالب. اما اذا عوقب أحد الاخوة الدارسين في الاجتماع العام لتصرفاته المخالفة السيئة ثلاث مرات، ولم يقّوم اعوجاجه ، وقام فوق ذلك بمخالفة أخرى مماثلة لإحدى تصرفاته السابقة، فانه يجب أن يعاقب بأقسى العقوبة، فيفصل من المدرسة ويطرد من المدينة أيضا".