نصيبين ومدرستها من القرن الرابع للميلاد حتى مطلع العهد الاسلامي

نصيبيــن ومـار أفــرام/نصيبين في العهد الاسلامي:

السبت 8 تموز (يوليو) 2006.
 
نصيبين في العهد الاسلامي

نصيبين في العهد الاسلامي:

 بعد دخول الفكر الاسلامي لم يلغ الدور المسيحي في مراحله الاولى، بل بقيت مدرسة نصيبين تعمل برعاية المسيحيين النساطرة، من دون تدخل المسلمين الذين عاشوا الى جانب المسيحيين في المدينة، والتزموا تعاليم دينهم، واستمروا في بناء المراكز التي تساعدهم على اقامة شعائرهم في مختلف أنحاء الجزيرة الفراتية لمواصلة نشاطهم الديني الى جانب نشاطهم العسكري والاداري، ولا يتم لهم ذلك الا بمواصلة تعليم الكتابة والقراءة البسيطة للجنود، فأصبح النشاط العلمي من مهام الجهاد في سبيل نشر الدعوة، من خلال المدارس الواجب اقامتها لضرورات دينية قبل كل شيء (70).

 وعندما فتح العرب المسلمين بلاد الشام، أفادوا من الحضارات الموجودة في المنطقة، وكلها متأثرة بالهلينية والمسيحية السريانية (71). فأضافوها الى حضارتهم، فأغنتها وعملت على تحديثها (72)، لكن الظروف فرضت نفسها على المسلمين في ميدان التعليم، مّما ألجأ القادة منهم الى الاستعانة بالمتعلمين الذين يجيدون الكتابة من أسرى البلاد المفتوحة لتعليم المسلمين (73)، ثم أقبل هؤلاء على ارسال ابنائهم الى الكتاتيب القائمة، والتي كان يديرها المعلمون المسيحيون لتعلم القراءة والكتابة. لكن نواحي الجزيرة الفراتية أصبحت في العهود الاسلامية المتتالية مناطق فتن، وبالأخص منطقة نصيبين، فانعكس عليها شحا" في النشاط التربوي والتعليمي (74) للأسباب التالية:

 

1.    ثورات الخوارج المستمرة المتعاقبة على الخلافة المركزية منذ نهاية الحكم الراشدي.

2.   اعتبار نصيبين من مدن الثغور لكونها منطقة قتال مع الروم في الشمال. لذلك كان معظم المقيمين فيها من المسلمين،    فكانوا جنودا"، او مهاجرين ايها، وبعدما زادت أعدادهم عززت سلطات الخلافة الاسلامية النشاط التربوي فيها، ومع ذلك نلاحظ أن نسبة كبيرة من العلماء او المتعلمين انوجدوا فيها ، نظرا" لانشغال المنطقة بالقتال من دون التعليم.

 

        لذلك يتبين لنا ان دور المعلمين المرسلين اليها تفّرد بصفتين هما: المرابطة والتدريس.   فكانت حصة نصيبين من العلماء واحدا" في كل من القرنين السابع والتاسع للميلاد، بينما   تميز القرن الثامن بخلو العلماء منها.

 

3.     بعد الفتح الاسلامي لم تعد مكانة نصيبين العلمية كما كانت عليه سابقا"، بل أصبحت المدارس فيها عبارة عن مساجد أقامها العلماء المنتدبون من قبل الخليفة، وبنسب متفاوتة الى كل مدينة في ديار الجزيرة دخلها المسلمون، هذه المساجد لم تأخذ دورا" علميا" على غرار مدرسة نصيبين السريانية المسيحية، بل انتظمت فيها حلقات التدريس وأصبحت بمثابة مدارس اسلامية اقتصرت على حلقات العبادة والدراسات الدينية الاسلامية.

ولم تظهر فكرة المدرسة المنظمة في الجزيرة الفراتية في العهد الاسلامي الا على عهد الاتابكة الزنكيين، الذين عملوا على رعاية العلم والعلماء. ويذكر أن ابن جبير، الذي زار المدينة سنة 1184، ووصف ما شاهد فيها من منشآت عامة برعاية الأتابكة واهتمامهم فقال:" فيها مدرستان، ومارستان واحد، وصاحبها " معين الدين" اخو "عز الدين" صاحب الموصل ابن أتابيك (75).

ولم يبق هذا النشاط على حاله بسبب التغييرات السياسية والعسكرية التي طرأت على المنطقة، اذ سرعان ما تغيرت هذه الجهود بعد الحكم الأيوبي وسيطرة المغول والعهود التي خلفتهم من مماليك وتركمان وأعاجم، ممن عبثوا بمقدّرات الجزيرة ولم يعتنو ببنائها الثقافي والاقتصادي، وعملوا على استنزاف خيراتها واستغلال شعوبها.

لكن تسلط الأجناس الغريبة علىنصيبين وديارها لم يلغ اسماء الأعلام النصيبين ممن حفلت بهم مصنفات العاملين في مختلف نواحي المعرفة من خلال نتاجها الفكري والأدبي (76).

وقد بقيت المسيحية مستمرة في منطقة نصيبين، ويعود الفضل في هذا الاستمرار الى جهود بعض الأعلام ورجال الدين الذين تمكنوا من حفظ التراث المسيحي والعمل في ديار الجزيرة دون ان ينسلخوا عن الظروف السياسية التي أحاطت في كل عصر (77).

وقد منحت نصيبين اسمها لمعظم المشاهير من ابنائها في أكثر الحقبات التاريخية فنسب اليها كثير من العلماء والقضاة في العصور الاسلامية، حيث أصبح اسم نصيبين مقترنا" باسم العلماء المشاهير مثل:"ميمون بن الأصبغ النصيبي، وابراهيم بن ابي حّر النصيبي" (78). وقد اشار ياقوت الحموي الى جماعته من العلماء والأعيان ينسبون الى نصيبين منهم "الحسن بن علي بن عبد الله النصيبي، والنصيبيني الحافظ، وغيرهم (79).

هذا وقد بقيت المكتبات والمدارس التي أسسها السريان المسيحيون في نصيبين مراكز تغذي العالم الاسلامي فيما بعد بسبيل لا ينقطع من الأطباء والفلاسفة (80).

هذا التمركز الحضاري للمسيحية السريانية في نصيبين، ساعدها على تحصين موقعها في الجزيرة حتى خلافة المتوكل العباسي. ومع أن الفكر الاسلامي ونشر الدعوة الاسلامية قد رافقوا الفتوحات الى ديار الجزيرة، فان المسيحية ظلت غالبية السكان، وجمعت بينها قسما" من الأكراد واليزيدية، ساعدها في ذلك قربها من بلاد الروم في شماليها. بالمقابل كان يحد منها أكثر الأوقات ممارسات الموظفين والحكام المسلمين، على الرغم من قيام المسيحيين بدور فعّال في تطوّر االحياة الثقافية والاقتصادية في ديار الجزيرة. لكن الظروف السياسية كانت تفرض واقعها على صعيد الحياة الاجتماعية في الجزيرة الفراتية وأنحاء العالم الاسلامي، مما عكس آثاره السلبية على المسيحية. وقد أتى المؤرخون على ذكر هذا  على أيدي حكام نصيبين والموصل، مثل الملك الصالح "اسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ" مع جماعة من المسلمين والأكراد فتكوا بالمسيحيين وأجبروهم على ترك ديارهم والاحتماء في مدينة "أربيل" عشية الغزو المغولي (81).