ثقافة الانتماء القومي الاجتماعي

العدد 3 - أيلول 2005 : ميشيل معطى
الاثنين 5 أيلول (سبتمبر) 2005.
 
إن التراث الثقافي الذي امتلكته وما زالت تمتلكه الأمة السورية في أجيالها المتعاقبة، إنما يعبر عن مدى متانة التركيب البنيّوي التاريخي للنواتج الثقافية ـ المعرفية لتفاعل الإنسان ـ المجتمع داخلياً، ومع بيئته. وهذا التركيب البنيّوي إنما هو نتيجة تراكبية تفاعلية تعاقبية دائمة ومتواصلة نابعة من الحاجة ومن الخبرة الحياتية، بالإضافة إلى حصيلة التداخلات الثقافية التاريخية، في سياق التفاعل، فكان للشعب السوري الأهلية الكاملة للتأطر في المؤسسات السياسية التي تتجلى في مفهوم الدولة القومية الاجتماعية، خاصة وأن السلالات التي كوّنت الشعب السوري هي التي أسست الحضارة العالمية، وذلك من خلال ما أنجزه منذ ما قبل التاريخ انطلاقاً من نشأة الزراعة وما أعقبها من قيام السوق واقتصاده وتأسيس المدينة ثم الدولة ـ المدينة. بالتالي فإن الانتماء الثقافي يغدو في سياق التفاعل، وفي تتبع أعمال الإنسان على مسرح البيئة البشرية مرتبطاً بدرجة وقيمة المرتبة الثقافية، التي هي الـ"نسبة ما بين حصول أسباب العيش، والعمل المبذول في هذا السبيل، لأن كل تطورٍ في الحياة الاجتماعية وأنظمة الاجتماع، لا يمكن أن يحدث إلا ضمن نطاق هذه العلاقة"سعادة. وعلى اعتبار أن [الثقافة النفسية جارت الثقافة المادية وقامت عليها، إذاً فالحياة العقلية لا يمكن أن تأخذ مجراها إلا حيث تستتب لها الأسباب والمقومات.

ولذلك نجد التطور الثقافي بجميع مظاهره، يرتقي ويسبق غيره، حيث أسباب الحياة أوفر وأرقى مما في سواه]. فلقد كان النظام الاجتماعي للبيئة البشرية "دائماً حاصلُ تفاعل الإنسان والطبيعة أو البيئة بطريقة معينة، أو منبعثٌ منه وموافق له"سعادة. فلقد كانت حتمية إضافة مركبة الانتماء الثقافي و"نحن نتتبع تطور الثقافة العمرانية بتتبع تنظيم الإنسان مجتمعه بناءً على هذا التفاعل" نشوءاً و ارتقاءً، وفاقاً لمقتضيات تطورات الطبيعة والبيئة، أي أنه تطور محتم بالاختيار الطبيعي.

وإذا كانت المجتمعات البشرية الثقافية تتقارب بعضها من بعض بعوامل ثقافتها، فلا يزال لنا في حالات بعض المجتمعات، وشؤونها الاجتماعية، بقية تدل على أن "البشرية" و "الاجتماع البشري" ليسا مدلولين شائعين بين جميع البشر". ونتيجة لذلك الواقع فـ "إن أول نقطةٍ نأخذها هي: أننا ننظرُ إلى الأمةِ في واقعها ـ في تكوّنها وحدة حياة، ومن غيرِ اعتبارِ وجوبِ إخضاعها لأي مبدأٍ، أو قاعدةٍ استبدادية مطلقة لا تقومُ الحقيقةَ لإخضاعها إليه، كالقول مثلاً "أن السوريين ليسوا في الأصلِ شعباً واحداً، أو عرقاً واحداً". لذلك لا بد أن نعتبر "الأمةُ أمراً واحداً": "إنه وحدة الحياة التي جُمْعْتْ فيه مجمل العناصر الأساسية التي تتركبُ منها، ودمجتها ببعضها البعض، فكونت منها حياةٌ واحدةٌ، متفاعلةٌ، موثقةٌ، أي مجتمعاً واحداً موحد الحياة والمصير .... هذه هي حقيقةٌ أوليةٌ، ومنها يجبُ أن نبتدئ، لأنها هي الوجود الذي نراه ونلمسه وندركه بالحاسةِ والفكر الذي نحياه". "إذن، لا حاجة إلى أصلٍ واحدٍ معين لنشوء الأمة، لنشوء القومية. فالأمة موجودةٌ بتفاعلها ضمن بيئتها، ومع بيئتها"سعادة. "لكن هذا الوجود بذاته، المستغني بواقعه عن أصلٍ واحد، لأنه في "حقيقة اشتراك" عدة أصول، لأن في اشتراك هذه الأصول، حقيقةً في نفسها، مختلفةً عن أيةِ حقيقة أخرى ممثلةٍ بطابع وبمزايا خاصة تميز هذه الجماعة، هذه الأمة، هذا المجتمع، عن أممٍ ومجتمعاتٍ أخرى".

وهذا التفاضل والتمايز بين أمم ومجتمعات العالم قد فرزها إلى أمم متقدمة وأخرى متخلفة، ليس فقط على سلم التطور السياسي والرقيّ الحضاري فقط، وإنما على سلم التطور التاريخي العام، باعتبار أن الأمة ـ الوطن حدثاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً في الوقت نفسه.

6 ـ الانتماء الوطني: فيما تتعدد الدرجات الاقتصادية والسياسية والثقافية على سلم التطور التاريخي، فإن مفهوم الانتماء إلى الوطن ـ بيئة الأمة هو أهم وأبرز وأرقى درجات سلم التقدم السياسي والرقي الحضاري، وبالتالي هو أهم وأبرز معايير وأسس التفاضل والتمايز بين الأمم والمجتمعات، فـ "الاجتماع البشري عريقٌ في القدم، وأنه صفة بشرية عامة"، إلا أن "المجتمع الإنساني، ليس الإنسانية مجتمعةً، ومن يدري، هل يقدر للإنسانية أن تصير مجتمعاً واحداً في مستقبل العصور"سعادة. وبالتالي فإن الأمة ـ الوطن كحدثٍ شمولي، ليس ظاهرة عامة تنسحب على كافة الأمم والمجتمعات البشرية، بل هو ظاهرة خصوصية بالأمم والمجتمعات التي تتوفر فيها مقومات الأمة ـ الوطن بالمعنى البيئي ـ الاجتماعي ـ السياسي ـ التاريخي المتناسق الأصيل المدعّم بأسباب الحضارة وعوامل المدنيّة.

يتموضع الانتماء الوطني بالمعيار السياسي داخل الحدود السياسية ـ الطبيعية بالمعنى القومي الاجتماعي متجاوزاً الحدود السياسية المتحركة بتحرك الانتماءات الاجتماعية على خلفية ميوعة مفردات الأثنية ـ العرقية والعشائرية والقبلية والطائفية .. الخ التي دفعت بتلك الانتماءات إلى سطح الحياة الاجتماعية، فيما غاص الانتماء الوطني للأمة الواحدة بعيداً في قاع مستنقعات التخلف السياسي والقصور الحضاري لمجتمع الأمة الواحدة. فوطن الأمة هو حقيقة من الحقائق الاجتماعية الكبرى بأوزانها الثقيلة. ويفترض الانتماء لهذا الوطن الإيمان بشرطٍ مبدئي أساسي: بأن "الأمةُ السوريةُ مجتمعٌ واحدٌ". وهذا إنما يستلزم العلمانية، بأننا في الوطن السوري جميعاً مسلمون لرب العالمين، فمنا من أسلم لله بالقرآن ومنا من أسلم بالإنجيل ومنا من أسلم بالحكمة، وليس من عدوٍ يقاتلنا في ديننا ووطنا غير اليهود، وبضرورة "فصل الدين عن الدولة"، و "إزالة الحواجز بين مختلف الطوائفِ والمذاهب". فهذان الشرطان المبدئيان هما:
-  أساس الوحدة القومية، و دليلُ الوجدان القومي.

-  والضمانُ لحياة الشخصية السورية واستمرارها.

فهي أمةٌ واحدةٌ ـ مجتمعٌ واحدٌ. فوحدة المجتمع هي:

-  قاعدةُ وحدة المصالح، ووحدة المصالح هي وحدة الحياة.

-  وعدم الوحدة الاجتماعية ينفي المصلحة العامة، التي لا يمكن التعويض عنها بأيةِ ترضياتٍ وقتية". الخلاصة ـ الانتماء القومي الاجتماعي: بذلك نرى أن مفهوم الانتماء لا يقوم في الفراغ، بل أنه واقعٌ محدد، فهل يدرك أبناء الأمة الواحدة بأنهم مجتمع واحد ذو هوية واضحة، ويضعون هدفاً يسيرون عليه. وبأن قاعدة الأمةِ الواحدة في المجتمعِ الواحد، هي القاعدة الصحيحة للوجود القومي. لا يمكنُ أن تكونَ أمة واحدة إذا لم يكن هنالك مجتمعٌ واحدٌ، أي إذا لم تكن الحياة الاجتماعي واحدة. فإذا حصلت تجزئةٌ في المجتمعِ، تعرضت الأمةُ لخطرِ الانحلال النهائي، والاضمحلال. فصحة الأمةِ وتقدمها، لا يكونان إلا في مجتمعٍ واحدٍ. فالحركة القومية الاجتماعية تقيمُ بهذا المبدأ وما يتعلق به، حرباً عنيفةً مميتة على عوامل تجزئةِ المجتمع إلى مجتمعات، والأمةُ إلى أمم ـ هذه العوامل التي تجعلُ من كلِ طائفةٍ دينية، ومن كلِ عشيرةٍ أو طبقة، مجتمعاً قائماً بنفسهِ، وأمةً منفصلةً عن الطوائف والعشائر أو الطبقات الأخرى. فلا يمكنُ للأمةِ الواحدةِ أن تتجهَ في التاريخ اتجاهاً واحداً بعقلياتٍ متعددة، متباينة أو متنافرة". هذا أمرٌ مستحيل، حيث لا يمكن التوفيق بين تناقض المجتمع في كيانهِ والوحدة القومية. وبالتالي فإن مقولة الأمة ـ الوطن تقوم بالضرورة التاريخية على الأسس والخطط العامة لتطور البشرية وارتقائها في ثقافاتها المادية الناتجة عن تفاعل الإنسان والطبيعة (البيئة [الأرض ومقوماتها]). وإذا ما كانت البيئة في أحد مركبيها (الأرض)، والتي تعني تلك المساحة أو البقعة المحددة بحدود جغرافية بارزة تحمل اسم الأمة ـ الوطن، فإن الشعب، إنما هو مجموع عناصرَ وهجراتٍ كبيرةٍ متجانسة يقطنون ويتفاعلون تفاعلاً مزدوجاً مع البيئة، وفيما بين بعضهم البعض، وأولئك الذين ينسبون أنفسهم إلى نسب الأرض الوطني وحسب، وعلى خلفية هذا النسب، يحتسب الوطن السياسي، وتنحسر وتتراجع الأنساب والأحساب الاجتماعية والدينية الأخرى العائدة لمجموع العناصرَ والهجرات الكبيرة المتجانسة المكونة لنسيج الأمة بـ "إزالة الحواجز بين مختلفِ الطوائفِ والمذاهب". ذلك أن الشعب الذي بات ينتمي إلى الأمة ـ الوطن بات يمثلُ مقولة مدنية متقدمة على مفردات العرق والدين والطائفة والمذهب والفئة والعشيرة والقبيلة والفئة والجماعة، فالشعب ليس مقولة تحل محل المقولات الأخيرة، أو تقوم على أنقاض كل منها، بل هو قاسمها التفاعلي الجدلي الإيجابي المشترك والمطلق ليكون بمثابة إسمنت قومي اجتماعي، يكفل شروط تعميق الكيان الوطني، مؤسساً بذلك عقلية أخلاقية جديدة تؤسس لحياة الأمة ـ الوطن، ووسائل تقدمها، وتجهزها بقوة الاتحاد المتين، والتعاون القومي الصحيح، وتمهد لإقامة نظامٍ قوميٍّ اجتماعيٍّ جديد، يعمل على نمو الأمة، هذا النظام الذي يجب أن يكون:

-هو الهدف العملي الأساسي.

-  هو الغاية التي تطلبها حياة إنسانية مرتقية.

-  هو الغرض الذي تريدُ تحقيقهُ نهضةُ أمةٍ فتيةٍ ، قد ولدتْ ولادةً جديدةً بتعاليم الحياة الجديدة.

-  ويهيىء لها استعمالِ نشاطها وقوتها، ويقضي على المفاسد الاجتماعية والروحية والسياسية، والحزبيات الدينية، والإقطاع المتحكم بالفلاحين، والرأسمالية الفردية الطاغية، والعقليات المتحجرة، المتجمدة، والنظرة الفردية، والمنازعات الداخلية، والفوضى الداخلية، وضعف النظام الداخلي، ويهيىء لمقاومة ومهاجمة الأعداء الذين يأتون، ليجتاحوا بلاد الأمة بغية القضاء عليها تمهيداً للسيطرة، فـ "كلَ أمة أو دولة، إذا لم يكنْ لها ضمانٌ من نفسها، من قوتها هي، فلا ضمان لها في الحياةِ على الإطلاق"سعادة.

حيث يتوجب على "كل أمةٍ تريدُ أن تحيا حرة مستقلة تبلغُ فيها مثلها العليا، يجبُ أن تكون ذات وحدة روحية متينة"سعادة. أن تشملُ "جميع قضايا المجتمع القومي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والروحية و المناقبية، وأغراض الحياة الكبرى"، التي تحيطُ بـ"المثلِ العليا القومية، وبالغرض من الاستقلال، وبإنشاء مجتمعٍ قوميٍّ صحيح" وينطوي تحت ذلك "تأسيس عقليةٍ أخلاقيةٍ جديدة، ووضع أساسٍ مناقبيٍّ جديد"، يكوّن "قضيةً ونظرةً إلى الحياةِ كاملة"، أي "فلسفةً كاملةً"، وأن:
-  توجه " حياة الأمة ... نحو التقدم والفلاح".

-  وأن تحرك " عناصر "القوة القومية" فيها لتحطيمِ قوة التقاليد الرثة"

-  وأن تحرر "الأمة من قيود الخمول والسكوت إلى عقائد مهترئة"

-  وأن تقف "سداً منيعاً ضد المطامع الأجنبية التي تهددُ مصالح ملايين السوريين وكيانهم". وأن تسعى إلى "إنشاء تقاليد جديدة، تُرْسْخُ فيها نظرتنا الجديدة إلى الحياة ومذهبنا القومي الاجتماعي".

يتوجب في مظهر الانتماء القومي الاجتماعي و"في كلِ مظهرٍ من مظاهر أعمالنا الفكرية والسياسية والاجتماعية، نجدُ كم هو ضروري العامل الأخلاقي، وكم ينقص مجتمعنا تأسيس عقليةٍ أخلاقية جديدة، لأن العقلية الأخلاقية الجديدة، هي شيءٌ أساسيٌّ جداً"سعادة.

على النحو المشار إليه، فإن مفهوم الانتماء إنما يفترض الأمة ـ الوطن كواقع قومي اجتماعي محكوم بجدلٍ أساسي هو جدلية تفاعل الشعب بالبيئة، داخل حدودها الطبيعية، بحيث ترتسم الهوية القومية الاجتماعية ـ الوطنية لأفراد الشعب الواحد على حجم حدود البيئة الطبيعية، وعلى مقاس القاسم والمصلحة الوطنية العامة التي تتلخص بأن "مصلحة سورية فوق كل مصلحة"، تحت سقف الانتماء القومي الاجتماعي ـ الوطني للكيان السياسي لدولة الأمة الواحدة، بأن "الأمةُ السوريةُ مجتمعٌ واحدٌ".

وتكمن عظمة مفهوم الانتماء في أنها تربط ماضي الأمة بحاضرها نحو مستقبلها. فالمجتمع الذي يفتقدُ إلى هذا المفهوم، تتفكك مكونات نسيجه الذي صنعه بآلية التفاعل المحييّ. ويهدر طاقته ويفقدها، ولا يقوى على التحرك إلى غاية واضحة. ولا يمكن بالتالي بعث نهضة مهما كانت، ولكن بترسيخ مفهوم الانتماء القومي الاجتماعي على كامل النسيج السوري، يسهل نشر العقيدة وتحقيق الهدف.