العدد الثاني عشر - حزيران 2006

العودة المظفّرة لـنظرية المؤامرة

نزار سلوم
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 
New Page 1

إذا كان ثمة خلاصات يمكن الوصول إليها، من المحاضرات والأحاديث والحوارات الصحفية، التي أجراها وألقاها الكاتب الألماني، أو المحقق الجنائي، يورغن صاحب كتاب ملف اغتيال الحريري أدلة مخفية والذي لم يهتم له الإعلام الأكثري في لبنان، وصولاً إلى مقاطعته، في دلالة بالغة على الموقف السياسي والإيديولوجي لهذا الإعلام، الذي ارتكز في خطابه إلى جملة دعائية ذات إيقاع نهائي، في تناوله لهذه المسألة، تقوم على اعتبار سورية مسؤولة عن اغتيال الحريري، إن وجدت دلائل أو قرائن لهذا الإدعاء أو لا؟ إذا كان ثمة خلاصات محددة، فإننا نتوقف عند اثنتين رئيستين، من خارج علم الجنايات وآلياته وقرائنه واستنتاجاته، ومن جوهر أو أساس علم السياسة أو واقع السياسة الآيل إلى إفراز آلياته أو ظواهره الراهنة، وتحقيّلها في إطار الآليات الأكاديمية أو العلمية للـسياسة ومفهوماتها.

تتمثل الخلاصة الأولى: في إعادة الاعتبار لـنظرية المؤامرة، فإذا كانت الفرضية السياسية الشائعة تقول بأن سورية اغتالت الحريري، فإن البحث الجنائي، والسياسي، لـيورغن يقول بأن سورية لا علاقة لها باغتيال الحريري. يعني هذا ببساطة متناهية، أن من قتل الحريري هو نفسه من اتهم سورية. واستطراداً لذلك:إن من يقوم بـالفعلين: القتل والاتهام هو المتآمر، أي صاحب المؤامرة: واضعها ومخططها ومنفذها. وفي النهاية إن اغتيال الحريري في 14 شباط 2005 هو حادث في سياق سيناريو لـمؤامرة مركّبة مرتّبة وموضوعة مسبقاً.

وفي استطراد إضافي، يمكن الوصول إلى الحدود الأولى لـحقل المؤامرة هذا في وثيقة عام 1996 التي وضعها خبراء أميركيون = محافظون جدد للسياسة الإسرائيلية المتجهة نحو العام 2000. وانطلاقاً من الرؤية التي اشتملت عليها تلك الوثيقة يمكن قراءة مداميك المؤامرة المركّبة والمبنية والمحبوكة من جملة عوامل متكاملة، كان العامل الحاسم النموذجي لوصولها إلى مبتغاها: اغتيال رفيق الحريري على النحو التدميري الذي وقع فيه، وفي مناخ سياسي مضطرب وعشوائي يسود المجال السوري ـ اللبناني.

لكن، من هو القادر على صياغة هذه المؤامرة: فكرةً وخطةً وتوقيتاً، ومن ثم تنفيذها واقعاً؟! بالتأكيد، وفق المنطق الذي يلتزمه يورغن: لـC.I. A والموساد. في تعبير جاسوسي، وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية في تعبير سياسي والنظام العالمي الجديد في تعبير إيديولوجي وهو التعبير الذي يشكل جسر العبور إلى الملاحظة الثانية: إذا كان اغتيال الرئيس رفيق الحريري مؤامرة قامت بها الولايات المتحدة ومعها إسرائيل، تأسيساً على قدرتها على القيام بها من جهة، ولـحاجتها لها من جهة أخرى. فهو يعني ذلك أن النظام العالمي الجديد ووفق منطقه الخاص وفلسفته وفي سبيل تأكيد وجوده، يتطلب وجود هذا النوع من العمليات على نحو حتمي، لا يمكنه دونها الاستمرار؟ وهي العمليات التي أطلقنا عليها مرة مصطلح الحدث ـ الملك الذي يشكل ذريعة نموذجية للقيام

بأفعال غير ممكن القيام بها من دون وقوعه.

ولا يزال حادث 11أيلول يتبوأ إلى اليوم، المرتبة الأولى في صنف هذه العمليات، والذي لا يزال يشكل إمداداً ذرائعياً ـ إيديولوجياً للسياسة الأميركية ومفرداتها في مختلف العمليات التي قامت بها دون توفر أسباب مباشرة ومقنعة، مع تعمدّها إغراق السوق بـسلع إعلامية وهمية وكاذبة [اجتياح العراق مثالاً].

في ملاحظة استرجاعية، يُفترض الانتباه خصوصاً إلى ذلك النقد الكثيف والمتواصل لـنظرية المؤامرة الذي ساد الخطاب السياسي وخصوصاً في تسعينيات القرن العشرين وصولاً إلى اليوم، باعتبارها مسؤولة عن إنتاج ذلك التسويغ الدائم لاستمرار الأنظمة رغم ارتكابها الأخطاء والمعاصي، ورغم مسؤوليتها عن الهزائم والنكسات والنكبات.

لا شك أن لجوء الخطاب السياسي الرسمي للأنظمة إلى نظرية المؤامرة على النحو الذي ساد فيه، أقصى الحقل الذاتي بعيداً عن الأسئلة النقدية بما أحال ذلك إلى إحدى العادات الفكرية البليدة والمعطلة لـرؤية الذات من داخلها أو من منصة الأسئلة النقدية خاصتها. وأنتج بالمقابل أدباً سياسياً تبريرياً هو كناية عن ثرثرة لغوية موقّعه على مفردات نظرية المؤامرة وألحانها.

على أن ذلك كله، لا يجب أن يدفع بعملية النقد ـ وقد دفع فعلاً ـ إلى الوصول إلى تبسيطات ساذجة تقوم على اعتبار الفعل السياسي هو ما يتم التعبير عنه في شريط إعلاني إخباري تبثه محطة تلفزيونية محترفة وعالمية!! ذلك أن المؤامرة ليست نظرية بالمعنى الأكاديمي وحسب، وهي قبل أن تكون كذلك، تشكل ماهية الفعل السياسي وروحه، وربما تشكل سحره الخاص، ـ يجب قراءة ميكيافيلي مرة أخرى ودائماً ـ حيث لم تضع الدول والأمم، عبر التاريخ، خططها المنفذة لاستراتيجياتها على لوحات إعلانية ليراها عدوها أو صديقها، بل وضعت إعلاناتها الفصيحة والواضحة في خدمة خططها المخفية والملتبسة، والتي ربما لولاها، لظلت في مكانها تتعجب من هول المؤامرات المحيطة بها والتي تشير إلى ازدواجية المعايير، وانحطاط الأخلاق، في زمن سياسي، يشبه سواه دائماً.!!

 لا تشكل العودة إلى نظرية المؤامرة حلاًّ للخروج من الحالة الإعلانية المسيطرة على الخطاب السياسي عموماً لكنها بالتأكيد تساهم ي إعادة تعريف الفعل السياسي باعتباره يتأسس رؤيةً، ويُخطط له، ويُنفذ لغرض واحد لا غير: تحقيق مصلحة من وضعه وخطط له ونفذه.