العدد الثاني عشر - حزيران 2006

لبنان الموقع والرسالة

منصور عازار
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

مع هذا العدد المميز يكون قد مر سنة على ولادة "تحولات" ولادتها الجديدة فهي لم تزل تزحف وتحاول أن تدب على ارض صعبة كلها ألغام ومطبات خطيرة، هي متواضعة لكنها واعدة وتحاول أن تصل إلى اكبر عدد ممكن من القراء في الوطن والعالم العربي ودنيا الاغتراب وإنها قد حققت الكثير في هذا الانتشار الواسع ولكن عليها أن تتابع سيرها وتحسن مضمونها معتمدة دائما على قدراتها الذاتية وتشجيع مريدينها من كتاب وباحثين وقراء ونعدهم جميعا بمتابعة السير إلى ما هو أفضل

لبنان الموقع والرسالة

إن المنطقة الجغرافية التي يقع فيها لبنان تعتبر نقطة التقاء لحضارات عدة أتت من محاور مختلفة أهمها المحور الفارسي الإيراني، المحور المصري، المحور العثماني الأناضولي، المحور العربي الحجازي، ومحور البحر الأبيض المتوسط الذي عبرت من فوق أمواجه الأفكار الأوروبية ـ من يونانية ورومانية وبريطانية وفرنسية، وغيرها من القارة الأوروبية.

هذه المحاور تلاقت وتفاعلت وتمازجت على هذه البقعة من الأرض الواسعة الممتدة من بحر المياه إلى بحر الرمال ومن جبال البختياري وطوروس إلى صحراء سيناء وعبرت القارة الإفريقية من بوابة مصر، وعبر التاريخ كونت هذه الشعوب المتدفقة من الجهات الخمس مزيجا حضاريا متجانسا وموحد الاتجاه والمصالح رغم كل عوامل التفرقة الآتية من كل الجهات المحيطة بهذا النطاق الجغرافي الذي أطلق عليه تسمية واضحة المعالم هي الهلال الخصيب وليس هذا التعريف إلا إظهار حقيقة جغرافية واضحة قامت عليها امة مميزة جدا بما أعطت عبر التاريخ من حضارات هامة جدا أغنت البشرية بالكثير من الانجازات الخطيرة أهمها الحروف الأبجدية واقتحام البحار وتطوير الإنتاج الزراعي والصناعي وتعميم المبادلات التجارية وعبرها نقل العلوم والمعارف إلى أقطار الدنيا المعروفة آنذاك.

ولا يليق لأي دارس أو مهتم بشعوب هذه المنطقة من العالم أن يتنكر لهذه الحقيقة الجغرافية التاريخية التي أثبتها العلم وأكدتها المعرفة الحقيقية لمجريات الأمور عبر التاريخ.

وإذ نسمع أحياناً من بعض المهتمين بالشأن السياسي والاجتماعي لمنطقتنا بالاستهزاء والغباء والسطحية في ما سمي الهلال الخصيب أو المشرق العربي أو سورية الطبيعية، لا نجد شعورا إلا الشفقة على مثل هؤلاء لان الجهل والتعصب والرواسب التاريخية والأحقاد الدفينة أعمت عقولهم وقلوبهم فأصبحوا يفكرون بمنطق قلب الحقائق فكأن يتنفسون من آذانهم ويأكلون من أنوفهم ويمشون على رؤوسهم وهم لا يدرون ماذا يفعلون؟

إن الإدراك العالي لهذه الحقائق في هذه المنطقة من العالم يوصلنا بالمنطق والعقل إلى  تحديد موقع لبنان ورسالته نحو محيطه وعالمه، فهل لبنان هذا الكيان الحي والفاعل والمتطور هو خارج حركة التاريخ والجغرافيا ليتنكر لهذه الحقائق الواضحة، وهل هو جزيرة نائية في البحر ومستعمرة في القمر أو المريخ.

 

 كلا !

إن لبنان النور والمعرفة والعلم هو في موقع واضح يؤهله بل يلزمه ليشع نوره هذا على الهلال الخصيب كله فهو جزء لا يتجزء منه وله نحوه رسالة واضحة قائمة على التفاعل الموحد للقوى الإنسانية لا على افتعال التضارب المفرق المنهك للوجود المتطور في هذه المنطقة من العالم وان للأجيال الجديدة في لبنان مجال حيوي طبيعي للعمل والإنتاج في محيطه الطبيعي وعالمه العربي وهذا ما يحصل الآن وفي كل يوم من حياتنا إذ أن الإحصاءات الأخيرة تؤكد أن مليون لبناني يعملون في كل من الكيانات الشامية والأردنية والعراقية والكويتية وفي منطقة الخليج والعربة.

فهل علينا أن نتنكر لهذا الموقع وهذه الرسالة ونحن على ما نحن من علاقات حياة وعمل مع محيطنا السوري وعالمنا العربي، هل أصبح اللبنانيون بهذا البعد عن الحقائق الطبيعية والإنسانية لتتجه عقولهم وأنظارهم إلى بلدان الدنيا الواسعة حيث يلاقون في العذاب والقهر ما لا يمكن أن يتحمله إنسان ونحن نعرف أحوال اللبنانيين في أوروبا وأفريقيا وأميركا واستراليا وغيرها، فهم صادر بلا وارد وهم خسارة لا تعوض إذ أن المتحدرين منهم يصبحون أبناء هذه الأوطان الغريبة ومهما تغنينا بهم فهم لغير وطننا ولأمم العالم ؟

علينا نحن اللبنانيين أن ندرك حقيقتنا ومصالحنا فلا نستسلم لهذه المخططات الرهيبة التي تنفذها بحقنا وحقيقتنا دول الغرب وأميركا بالتآمر مع إسرائيل، وان ما نراه اليوم من مخطط رهيب تنفذه عصابات الصهيونية في كل من فلسطين، والشام، والعراق، والأردن، والكويت يجعلنا نعيد النظر بسلوكنا وعملنا فلا نكون مع المجرم ضد البريء ومع العدو ضد القريب والصديق، إذ علينا أن نكون مع أنفسنا فقط ومـع وطننا ومصالحنا فنحن من موقعنا الطبيعي لنا رسالة نحو محيطنا يجب أن لا تغيب عن أذهاننا فلا نلهث وراء الأوهام الضبابية ونترك الحقائق الأكيدة التي بها خلاصـنا.

 

بيت الشعار في 22/5/2006

  منصور عازار