العدد الثاني عشر - حزيران 2006

الإعلام والعلمانية

د.جيروم شاهين
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

أهمّية البحث في دور الإعلام عندما نتحدّث عن العلمانية:

من الأهمّية بمكان أن نبحث في دور وسائل الإعلام عندما نتحدّث عن ضرورة تخطّي النظام الطائفي في لبنان، والتوجّه إلى إرساء نظام علماني.

توضيح، منعاً للوقوع في الالتباس بتحديد المفاهيم: ننظر هنا على العلمانية (أو النظام العلماني) على أنها:

لا تهدف إلغاء الطوائف. لا تهدف إلغاء الأديان. بل تقف من الدين موقفاً حيادياً إيجابياً، بالارتكاز على مبدأين أساسييّن في طبيعتها ودورها:

1 ـ بكونها نظرة إلى الإنسان في العالم، فهي تعمل على استقلالية العقل عن الإيمان الديني في تنظيم المجتمع.

2 ـ وتعمل على استقلالية الدولة عن الدين في تدبير شؤون الإنسان الاجتماعية، كالتشريع والثقافة وغير ذلك.

(نتحدّث اليوم كثيراً عن ضرورة انتماء الجميع إلى المواطنيّة الواحدة، أو المواطنة الواحدة... إلاّ أن الانتماء بالمواطنة لا يتأمّن إلاّ في إطار العلمانية... وبالتالي، العلمانية هي شرط سابق للمواطنيّة المبنيّة على الرابطة الوطنية ـ الحرّية ـ المساواة...).

بالعودة إلى أهمّية البحث في الإعلام عندما نتحدّث عن العلمانية:

الأهمية تنطلق من سببين:

1 ـ لأننا، في لبنان محكومون بنظام طائفي.

2 ـ لأن الإعلام، اليوم، المتطوّر تكنولوجياً، والمعولم، أصبح من أهمّ أدوات صنع الرأي العام، وتحوَّل من سلطة رابعة (كما كان معروفاً عنه) إلى سلطة ثانية، بعد السلطة الاقتصادية وقبل السلطة السياسية، علماً أن الاقتصاد يتحكّم بالإعلام، والإعلام له تأثير كبير على السياسة.

هل إعلامنا هو مرآة تعكس تطيّف مجتمعنا اللبناني؟

وهل يلعب إعلامنا دوراً في تعميق الطائفيّة؟

 1ـ نظرة سريعة إلى هويّة مالكي وسائل إعلامنا (لا سيما التلفزيونات) تقودنا إلى القول بأن هذه الوسائل هي، بشكل عام، ذات طابع طائفي، وتمّ الترخيص لها على قاعدة المحاصصة الطائفية.

قد تخفف بعض الشيء من هذا الطابع الطائفي الضرورةُ التجارية في السعي إلى الكسب الماديّ. ومن هذا المنطلق تحاول بعض وسائل الإعلام الجماهيرية التجارية إرضاء جميع الأذواق وكسب عدد أكبر من المشاهدين والمستمعين والقرّاء من كلّ الطوائف، لكنّ التوجّه الأساسي يبقى دينياً/ طائفياً.

2 ـ في ما يتعلّق بوسائل الإعلام المتخصّصة دينياً، هناك مشكلة ليس بسهل حلّها:

أ ـ من جهة، ولا سيما في نظام ديمقراطي ليبيرالي، لابدّ من احترام حرّية الرأي، وحرية التعبير عن الرأي.

ب ـ ومن جهة أخرى، الإعلام الديني هو، إلاّ بعض الاستثناءات، إعلام سيء. فعلى المستوى المهني، يفتقر هذا الإعلام إلى الاحتراف وإلى العديد من العناصر الأساسية لصناعة الإعلام. ومن ناحية المضمون، أو الرسالة التي يحملها ويقدّمها للجمهور، يشكّل هذا الإعلام المتخصص، في معظم الأحيان، أداة تبشير، واحتواء، وتكفير، وتشويه صورة الآخر، وتعميق التديّن الشعبي الذي غالباً ما يتحوّل إلى تعصّب وانغلاق وانحباس في الشكلانية والطقوسية على حساب المضمون والإيمان، والتقيّد بالحرف على حساب الروح.

وهنا نتساءل: مَن هي السلطة المخوّلة وضع الضوابط لحرية التعبير عندما تصل هذه الحرية إلى التحريف والتضليل والتحريم والإدانة واستثارة مشاعر البغضاء والكره؟ أهي السلطة السياسية أم السلطة الدينية؟ من أين تأخذ السلطة السياسية شرعيتها في البتّ بشؤون دينية؟ وما هي الآلية الدستورية والقانونية والعملية التي تنظّم توحيد السلطات الدينية (لا سيما في مجتمع متعدّد الأديان والمذاهب) في الحكم على ما هو مخالف أو مطابق للشرع وللقيم الدينية؟

ج ـ إضافة إلى المشاكل التي تطرحها وسائل الإعلام الدينية، هناك مشكلة تغطية وسائل الإعلام عامة (متخصصة وغير متخصصة) الأحداث الدينية التي تقع هنا وهناك، وعلاقة تلك التغطية بالموضوعية، وخاصة باحترام قواعد العيش المشترك وبصيانة الوحدة الوطنية بين أبناء الشعب الواحد إلى أي دين أو مذهب انتموا.

هذه المسألة تطرح تساؤلات عديدة أهمّها يتعلّق بالشروط التي يجب أن تتأمّن لدى المسؤولين عن الإعلام في تعاطيهم الحدث الموصوف حدثاً دينياً. فمن الضروري، على سبيل المثال، أن يعرف الإعلامي تاريخ الحدث الديني الذي يغطيه وخلفيّاته وعناصره وتداعياته. كما عليه أن يتحقق من موضوعيته. وألاّ يضخّمه، أو يقلّل من شأنه، أو يتلاعب بعناصره توليفاً (مونتاج وميكساج)، ممارساً في هذه العملية المعروفة التي تحوّر مضمون الرسالة الإعلامية على هوى مخرجها، التقديم والتأخير، التكبير والتصغير، الحذف والتكرار، وإلى ما هنالك من أساليب تقنية في صناعة الإعلام. كما عليه ألاّ يُسقط على الحدث أحكامه وآراءه وتصوّراته الموروثة. كما عليه خاصة أن يفصل في تقديم الحدث الموصوف دينياً بين ما هو دينيّ صرف وما هو ديني /اجتماعي/ سياسي. فكم من الأحداث التي قُدِّمت على أنها دينية / مذهبية، وأحدثت ردّات فعل شعبية على هذا الأساس، تبيّن لاحقاً أنها أحداث أُلبِست زيّاً دينياً فيما هي مضموناً أحداث سياسية وحتى اقتصادية.

د ـ أخيراً هناك مشكلة الانترنت، وبالتحديد المواقع الالكترونية العشوائية ذات المضمون الديني/ الطائفي، وحتى غير الديني. هذا النوع من الإعلام غير المكْلف كثيراً اقتصادياً، والصعب ضبطه، والمتكاثر بشكل واسع جداً، يطرح على جميع المجتمعات أسئلة شائكة قد يكون أهمّها: كيف يمكن التوفيق بين حرية التعبير الإعلامي وضوابط ما يسمّى الأخلاقية المهنية؟

كيف يمكن أن يساهم إعلامنا في الخروج شيئاً فشيئاً من تطيّف مجتمعنا ونظامنا السياسي الطائفي ليساهم في بناء المجتمع العلماني؟

هذا هو السؤال الأهمّ. والجواب الشافي عليه هو بلا شك الأصعب. وتأتي صعوبة الجواب من أسباب عدّة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمجتمعنا اللبناني. من تلك الأسباب ارتباط مفهوم العلمانية ـ حتى في أذهان بعض مثقفينا وليس فقط في أذهان رجال الدين والسياسة ـ بالإلحاد. ومنها أيضاً استفحال الذهنية الطائفية والمسلكية الطائفية في شرائح واسعة من مجتمعنا. ومنها أيضاً الاعتقاد بأن اعتماد العلمانية نظاماً سياسياً واجتماعياً لدولتنا هو قضاء على كيان طوائفنا وطعنة مميتة بما سمّي النموذج اللبناني والصيغة اللبنانية الفريدة وحتى الديمقراطية التوافقية التي تحمي الأقليات المذهبية من امتصاص الديمقراطية العددية لها. ومنها أيضاً الخوف من تغيير مسلكياتنا وذهنيتنا وعاداتنا والدخول في المجهول. ومنها أخيراً لا آخراً، إحباط العلمانيين في الالتزام عملياً بالنضال لأجل تطبيق العلمانية دستورياً وحقوقياً وسياسياً واجتماعياً في مجتمعنا، أمام ارتياح الطائفيين وهمينتهم وسطوتهم.

مع ذلك، فلابدّ من الإشارة إلى بعض المقترحات حول الوسائل التي يمكن استخدامها، على مستوى قطاع الإعلام، لإزالة الطائفية، بلوغاً إلى المجتمع المعلمن. من تلك الوسائل:

1 ـ شكلاً: إخراج ملكية وسائل الإعلام من بازار المحاصصة الطائفية.

2 ـ مضموناً: أن ينكبّ إعلاميّونا، في ممارسة مهنتهم، على إزالة الطائفية من النفوس، طريقاً إلى إزالتها من النصوص، بلوغاً إلى النظام العلماني.

3 ـ اعتبار الإعلام، وقد أصبح تقريباً كلّه قطاعاً خاصاً، قطاعاً عاماً، لا بمعنى إعادته إلى ملكية الدولة حصراً، بل بمعنى اعتباره يهدف بامتياز الخدمة العامة. معروف أن الأنظمة الإعلامية كانت فيما مضى أنظمة سلطوية (مَلَكية، جمهورية، فاشية، ديكتاتورية، شيوعية)، ثم تحوّلت إلى أنظمة ليبرالية خاصة. لكنّ اليوم يحكى كثيراً في الدول الأكثر تطوراً وديمقراطية عن انفلات النظام الإعلامي الليبرالي المركنتيلي المتوحش، وينادي الكثيرون باعتماد نظام إعلامي يتّصف بالمسؤولية الاجتماعية. في ظل هذا النظام تتوزّع المسؤولية في تقرير السياسات الإعلامية على الإعلاميين أنفسهم (ليس فقط على مالكي وسائل الإعلام بل خاصة على ممارسي المهنة) وعلى الجمهور المتلقي (وهو معظم الأحيان مستهلك) ليصبح مشاركاً في تقرير السياسة الإعلامية.

4 ـ ضمن هذا التوجّه يصبح لزاماً على الجمعيات الأهلية أن تلعب دوراً في محاسبة وسائل الإعلام عندما ترتكب أخطاءً بحق القيم السامية، وحقوق الإنسان.. وهنالك وسائل عديدة يمكن أن تستخدمها الجمعيات الأهلية في هذا المجال، منها: الاعتراض، وحقّ الردّ، والنقد، والدخول في عضوية الجمعيات العامة للمؤسسات الإعلامية ومجالس إدارتها، حتى المقاطعة (الامتناع عن شراء الصحف والمجلات ومشاهدة محطات التلفزة وسماع محطات الإذاعة).

5 ـ على مستوى الإعلاميين في إسماع كلمتهم إلى أرباب عملهم تلجأ نقابات الإعلام إلى سنّ مواثيق شرف جماعية تنظّم شؤون ممارسة المهنة، لا سيما عندما تخلو القوانين الوضعية من بنود تنظّم بعض المسائل.

6 ـ أخيراً، وكما أن هناك اليوم العديد من جماعات الضغط (لوبيات) سياسية واقتصادية، فلماذا لا يقوم العلمانيون بتشكيل لوبيات لأجل الضغط على وسائل الإعلام أقلّه لمنع هذه الوسائل من إثارة النعرات الطائفية، ولحثّها على إشاعة قيم المواطنية والتسامح والمساواة.

ليس صحيحاً أن الغرب يعيش عودة الدين أو التديّن، وأن علمانيته هي في أزمة. الدين في الغرب يأخذ اليوم أشكالاً جديدة ويلعب أدواراً جديدة. وأهم مبادئ العلمانية أصبحت من الثوابت ومن القيم الشمولية في الغرب ولا عودة عنها. وهذا الغرب يؤقلم علمانيته الأولى مع معطيات العصر. بقي على العلمانيين عندنا أن يخرجوا من إحباطهم، أن يستنبطوا، أن يجتهدوا، وأن يثقوا بأن المستقبل ليس للطائفية... أقلّه، لأن الطائفية، ولو شرْعنها المتديّنون، هي خيانة للدين في جوهره وللإيمان في المطلق.