العدد الثاني عشر - حزيران 2006

الجذر الديني و الفلسفي للمحافظين الاميركيين الجدد

محمود حيدر
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

على خلاف ما يظنّه البعض من أن البراغماتية التي أخذت بها الولايات المتحدة كفلسفة سياسية، قد حدَّت من ماضويتها وقطعت صلتها بـ"لاهوت التأسيس"، فقد أفضت التجربة الأميركية، مع نفسها ومع العالم على امتداد أجيال، شغفاً زائداً بالذاكرة. وفي كل لحظة تمارس أميركا فيها سياساتها، سنلاحظ جمعاً لافتاً بين الماضي والحاضر، وبين الموروث الديني المركب من عهدَيْ الكتاب المقدس، والخطب المأثورة للمؤسسين الأوائل. وبالتالي بين الميتافيزيقا السياسية المشحونة بجرعات هائلة عن رسالية الأمة الأميركية والبراغماتية السياسية شديدة الارتباط بتقنيات ما بعد الحداثة. وبناء على هذا التركيب، تسعى أميركا إلى تكييف العالم مع رحلتها المدوية. وهي بهذا تبدو كأنها تملك الحظ التاريخي في عمليات التكييف ولو إلى حين. ذلك ما ذهب إليه صامويل هانتنغتون حين وصفها "بأنها مجتمع من الطراز الذي كانت تحكمه أسرة تيودور، إلا أنها قد تحرز نجاحاً في عالم يشبه عصر الملكة إليزابيت الأولى بصورة جديدة، وفيه صراعات شبه دينية، ودولة قبلية، ومغامرون في التجارة، وأساطيل حربية، وقتلة".

New Page 2

على هذا التوصيف تبدو أميركا كمرآة مكتظة بالمفارقات. لا منطق للعالم من دونها، أو من دون أن يكون له بها صلة الربط، والاشتراط، والإصغاء. يريد لاهوتها السياسي أن يمنحها مطلق الشرعية وهي تمضي إلى تكوين العالم الجديد على صورتها. كأن تكون على حقّ في أن تجمع المتفرِّق، وتفرِّق المجتمِعَ، ثم لتستأنف الجمعَ والفِرقَةَ حيثما شاءت لها عقيدة القضاء والقدر. فسنرى طبقاً لرؤاها التأسيسية أن الفلسفة السياسية الأميركية لم تفصل بين الديني والقومي، ولا بين أميركا وباقي العالم. كل شيء بالنسبة إلى فلسفة كهذه، أن كل العناصر المكوّنة للأمة ينبغي لها أن تتعيّن داخل الأوعية المتصلة المرصودة للاستثناء الأميركي. وحين تبلغ الإيديولوجيا الأميركية أقصاها، سنلاحظ كيف تتحول عمليات التوظيف السياسي في مجالات نفوذها اللامتناهية إلى نشوء ما يسمى "الدين الجديد"، حيث يمتزج اللاهوتي بالقومي وكلاهما بالسياسي والأمني، من أجل بقاء وغلبة الأمة المبعوثة لاستنقاذ العالم.

ولو عدنا إلى إيديولوجيا مرحلة التأسيس نجد أن أطروحة عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في كتابه الشهير "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" تشكل واحدة من أهم مرجعيات اللاهوت السياسي الأميركي. في هذه الأطروحة، يسعى فيبر لإثبات أخلاق خاصة بالبروتستانتية الزهدية، حيث كان ذلك عنده ضرورياً لأجل تأمين قدرة الرأسمالية الغربية على النمو. ثم يكملها في كتابه اللاحق "الخلق الاقتصادي في الأديان العالمية"، ليبحث في الكيفيات التي شكلت خلالها أديان عالمية كالكونفوشيوسية، والطاوية، والهندوسية، والبوذية حواجز أمام ظهور رأسمالية عقلانية شبيهة برأسمالية الغرب، ثم ليستنتج كيف أن اليهودية القديمة كانت، على العكس من ذلك، نقطة انطلاق عملية العقلنة التي ستبلغ ذروتها في الرأسمالية الحديثة... بهذا المعنى، يُعزى تشكّل أطروحة ماكس فيبر حول ضرورة تكوّن روح للرأسمالية، إلى الأخلاق الكالفينية (نسبة إلى اللاهوتي البروتستانتي جون كالفن). عندما تحدّثت الكالفينية عن حضورية اللاهوت في ولادة الرأسمالية، لاحظت أن هذه الولادة تيسّرت في القرن السادس عشر، بفضل تراكم أولي مسبق، اقتضى شحنات بيّنة من العنف المرعب. وشرح ذلك أن الكائنات البشرية التي تتحرك، انطلاقاً من مصالحها، يمكنها أن تقترف أعمالاً عنيفة في منتهى القسوة ضد نظرائها. والتاريخ يذكّرنا بذلك باستمرار كما يقول المفكر الأميركي من أصل أرجنتيني روبن دري، ولكن البشر لا يمكنهم الاعتراف أمام أنفسهم بأن ما يفعلونه غير إنساني، وغير عادل، ويشكل انتهاكاً للحقوق الأساسية للأشخاص الآخرين، بل إنهم يحتاجون إلى تسويغ ذلك، وإضفاء الشرعية عليه أمام أنفسهم أيضاً. غير أن العنف الإجرامي الذي اقتضاه تراكم الرساميل، والذي كان شرطاً مسبقاً لولادة الرأسمالية، ما كان من الممكن له أن يُمارَس إلا من قبل أشخاص تسكنهم قناعة عميقة بأن ما يقومون به هو واحد من المهمات الأكثر أهمية وتعالياً في التاريخ (2).

ولأن أحداً لا يمكنه سواء كان فرداً أم جماعة أم دولة أمة، أن يتحمّل لفترة طويلة ارتكاب أفعال إجرامية، كالمجازر الجماعية من دون مسوّغات قوية وعميقة، فقد امتلأ اللاهوت السياسي الأميركي بمخزون هائل من المسوّغات. كان الدين حاضراً على الدوام للوفاء المطلوب. كان مستعداً ليقول للرأسمالي بأنه "مقّدر لك"، أو بأنك مرصود لاستكمال عملية الخلق التي تركها الخالق من دون أن ينجزها بشكل كامل. وعلى ذلك، أصبح التوسع في بناء المصانع، والتوفير، والاستثمار العقلاني والمنهجي، وكذلك إخضاع الأشخاص الآخرين، بمن فيهم النساء والأطفال للعمل المنهِك، إكمالاً لعملية الخلق التي بدأها الخالق نفسه، وتمجيداً لله، وتحقيقاً للغاية التي من أجلها خلق الله العالم والإنسان. وعلى ما يتكئ عليه اللاهوت السياسي الأميركي، مما منحته له البروتستانتية بأطوارها واجتهاداتها المختلفة، يسود اليقين بأن الله كان حاضراً في ولادة الرأسمالية ومهتماً بشكل حيوي، بهذه الولادة.

 إيديولوجية القضاء والقدر

كان جون لوك المنظّر المعروف لثورة 1688 يعرف سرّ الكالفينية المُسيَّسة جيداً، ويعلنه بكل ما أوتي من وضوح: "إن الله الذي أعطى الأرض شراكة للبشر، أعطاهم العقل أيضاً لاستخدامها بالشكل الذي يقدم لهم أكبر الفوائد في الحياة، ويتلاءم بالشكل الأفضل مع مصلحة الجميع. فلقد لعب لاهوت القضاء والقدر الكالفيني، وفقاً لمقولات ماكس فيبر، دوراً مهماً في ولادة الرأسمالية، بحيث يقرّر هذا اللاّهوت أن الخلاص يكون مقدّراً للبعض، والعقوبة للبعض الآخر، وذلك بفعل القضاء الإلهي الأبدي، وأن أحداً لا يمكنه تغيير هذا القضاء. ولأن هذا الاعتقاد يصعب تحمّله بالنسبة إلى شخص جدي في إيمانه، ابتدع اللاهوت الكالفيني سبيلاً للالتفاف على هذه الصعوبة. فقد اعترف بأن القضاء لا يمكن تغييره، إلا أن كل شخص يمكنه أن يرى علامات تدلّه على ما هو مقدّر له من الخلاص أو العقاب. فإذا كان هذا الشخص يمتلك رأسمالاً فيوظفه بطريقة عقلانية ومنهاجية، ثم يأتيه النجاح، فإن هذا النجاح يكون علامة دالّة على الخلاص"(3).

وسيظهر من فلاسفة ومفكري الليبرالية الجديدة من ذهب إلى "أدلجة" هذا "اللاهوت القدري" وتقديمه كسلاح للاستخدام. من هؤلاء دانييل بيل الذي لفت إلى "ضرورة وجود علاقة متعالية، تربط بين الأفراد بما فيه الكفاية، ليصبحوا قادرين، في حال الضرورة على تقديم التضحيات الضرورية بأنانيتهم". تلك "العلاقة المتعالية"، أي الدينية، يجب أن تحتل الموقع المخصّص للعقلانية، وهي التي ستعطي الشعوب معنى التضحيات التي ستطلبها منهم الليبرالية الجديدة.

أما إيفرينغ كريستول فيُظهر شغفاً غير مسبوق لدى الحديث عن موقع الدين في النضال خلال المرحلة الليبرالية الجديدة. فهو يرى في الدين "اليهودي/ المسيحي" الذي أخرجته البروتستانتية الزهدية، كمصدرٍ مُلهِمٍ لـ "الرأسمالية الليبرالية" بالذات، ويبدي أسفه لأن الكنائس تحوّلت إلى ما يشبه المؤسسات الخاصة والطوعية اليوم، ما أفقدها الدعم العام وجعلها عاجزة عن مواجهة خصومها.

ولكن جمعاً من المنظّرين الليبراليين الأميركيين، يمضي إلى أبعد من ذلك بكثير، فيرفع حضورية الدين في مسيرة الرأسمالية الليبرالية الجديدة، إلى مقام المقدس. هذا ما رمى إليه مايكل نوفال، حيث يصوغ لاهوتاً حقيقياً للرأسمالية الديمقراطية فيشبّههه بالثالوث المقدس: ثلاثة نظم في نظام واحد: اقتصاد تسيطر عليه السوق، وتنظيم سياسي يحترم الحقوق الفردية في الحياة، والحرية في السعي نحو السعادة.. علاوة على مجموعة من المؤسسات الثقافية التي تحركها شعارات مثل الحرية والعدالة للجميع(4).

ولو رجعنا في هذا الصدد، إلى جون لوك، لكان لنا منه ما يضيف حجة فقهية جديدة لتغطية عبثيّات الليبرالية الأميركية الجديدة. فهو يرى "أن الملكية الخاصة مصدرها الله، لأنه خلق العالم للجميع، ولكنه أعطى لكل إنسان العقل وقوة العضلات لكي يحصل عن طريق العمل، على القسم الذي يريده لنفسه. فالله وعقل الإنسان، يأمرانه بتملّك الأرض، أي بوضعها في حالة تكون فيها مفيدة للحياة، عبر إضافة شيء من ذاته إليها. وهذا الشيء هو العمل". وتبعاً لهذه الحجة، سيكون من الضروري للإنسان، من أجل تملّك الأرض، أن يبعد عنها أولئك الذين يعارضونه، أي الفلاحين. وهذا الاعتقاد مبرّر تماماً، بحسب الفلسفة النيوليبرالية، ذلك لأنه يترجم إرادة الله، خالق العالم. وهكذا يغدو العنف، الناشئ في المناطق التي شكلت المجال الجغرافي الذي ستظهر فيه الرأسمالية، مبرراً من وجهة النظر الدينية اللاهوتية. وإلى ذلك، فإن النهب الواسع النطاق لأميركا وآسيا وإفريقيا، صار ضرورياً أيضاً من أجل ولادة الرأسمالية. وبسبب من هذا، سيتبيّن لنا كيف يتم إضفاء الشرعية على الفظاعات التي اقتضتها أعمال النهب. وعلى المجازر التي ذهب ضحيتها خمسون مليوناً من السكان المحليين خلال فترة لا تزيد عن خمسين عاماً، وبالتالي سيظهر لنا كيف يتمّ تشكيل الذات القادرة على اجتراح مثل هذه البطولات؟

هكذا كان الدين ضرورياً من أجل إنجاز المقدمات اللاهوتية المؤسسة للفوضى الخلاقة. يذهب ناقدو الليبرالية الجديدة، إلى بيان واقعة تاريخية شديدة الوطأة والأهمية حيث تتكشّف كيفية توظيف المقدس الديني في التأسيس ذي الطابع العنفي التدميري لأميركا. والواقعة، كما أوردها مفكرون أميركيون، تشير إلى أن بابا الفاتيكان و"باسم سلطة الله العظيم التي أعطيت له بوصفه "وريثاً لبطرس، وخليفة "ليسوع المسيح"، قد أعطى أراضي أميركا لملوك إسبانيا ليحقّقوا فوقها "مجد الإيمان الكاثوليكي"، وليبحثوا فيها عن خلاص النفوس، وليسعوا إلى سحق الأمم الوثنية، وإجبارها على اعتناق المسيحية"(5).

 لاهوت الهيمنة الشاملة

ليست أطروحة "أميركا هي العالم، العالم هو أميركا"، التي أخذ بها كل رؤساء الولايات المتحدة، منذ التأسيس إلى اليوم وبأشكال مختلفة، مجرد وسيلة إيديولوجية جزئية. ولو رأينا إلى عمق الأطروحة في الفكر الاستراتيجي الأميركي، لوجدنا أنها هي الإيديولوجيا الاختزالية نفسها في حدّها الأعلى. ذلك أن عالمية أميركا هي قضية لاهوتية عقائدية من قبل أن تكون شأناً متعلقاً بالحاجة إلى التمدد الجيو ـ استراتيجي. ذلك أن سلام أميركا هو سلام العالم كله، وحربها هو حرب العالم كله. وبهذا المعنى لا تنهض أطروحة الفوضى في اللاشعور السياسي الأميركي إلاّ على إزالة الاختلاف بين أميركا والعالم. ثم على إعادة تشكيل هذا العالم على صورتها.

والبادي من العلاقة التواصلية بين لحظة التأسيس والأزمنة المتعاقبة، أن شعور أميركا بنفسها اليوم، هو نفسه شعورها يوم وضع مؤسّسوها الأوائل مهمتها العظمى قبل نحو خمسة قرون. أي أنها أمة مبعوثة للبشرية. وإلى ذلك يظهر في شريط المشاهدة الطويل، كأن أميركا أمة لا تزال في طور التأسيس، من إبراهام لينكولن إلى جورج دبليو بوش. الكلمات التي ترسلها إلى العالم هي هي. وخطاب استعظام الذات هو نفسه. وثمة ما يشبه اليقين لدى الذين يتابعون المسار التاريخي للسلوك الأميركي السياسي والدبلوماسي أن كل الذين "اعتمروا" البيت الأبيض من الجمهوريين والديمقراطيين، لم يفارقوا تلك اللغة التي لا ترى إلى العالمين إلا بوصفهم أغياراً لا سبيل لهم إلى نعمة الخلاص.

لقد عُدّ ما يسمى بـ "المثالية الجديدة" التي برزت في أميركا مع نهاية الثنائية القطبية، كوريث شرعي للبروتستانتية على أكثر من مستوى. فهي وليدة مسارين: أحدهما أوروبي قديم، والآخر أميركي أكثر قرباً ومعاصرة. تعبّر هذه المثالية الليبرالية ذات الأصل البروتستانتي عن مبدأ تقليدي يقضي بأن ينال الناس حقوقهم على مستوى العلاقات الدولية، وذلك تحت تأثير تيارات فلسفية نظّرت لـ "لاهوت الحرب"، كما دعت إلى ضرورة خضوع النظام الدولي للضوابط لكي يصبح أكثر ثباتاً(6).

لكن "لاهوت الحرب" الذي سيؤول إلى تبرير نظرية الفوضى في السياسة الخارجية، يقوم على اعتقاد راسخ في الوجدان الأميركي العام مؤداه، كما يقول الكاتب والفيلسوف الأميركي إمرسون (1802 ـ 1882)، أن أميركا هي "أكبر هبة من الله إلى هذا العالم". وهو ما يفصح عن عقدة التفوّق والغلبة التي تشعر بها الولايات المتحدة تجاه الأمم الأخرى. وهي عندما تعود إلى الكتاب المقدس لتأكيد مهمتها الخلاصية للبشرية، فإنما تريد أن توحي للعالم بأن كل ما تفعله به، إنما هو بلوغ "البشارة" أو "الخبر السار" الذي يكفل للدول والمجتمعات أمنها وسعادتها.

على هذه الروحية ترتكز الممارسة الإيديولوجية الأميركية. وهي روحية رسولية مدّعاة يمتزج فيها السياسي بالديني من دون تفاوت، بينما لا تزال مستمرة منذ عهد الاستيطان. ولو نحن قرأنا وثيقة ماي فلاور العام 1620، لرأينا كيف شبّه أول حاكم لبوسطن مدينته بـ "القدس الجديدة". وبعد قرون سينكشف الخطاب الأميركي عن رسولية مزعومة لا تفاجئ أحداً، إذ على الأميركيين ـ كما يقول أحد أعضاء مجلس الشيوخ جس هلمز العام 1996 ـ "حمل مشعل الأخلاق السياسي والعسكري في قانون القوة، كما عليهم أن يصبحوا قدوة للشعوب".

لقد بدأت أميركا رحلتها بإيديولوجية مركبة. فقد اتّخذت من الطهرانية الدينية ميتافيزيقا سياسية ثقافية لتؤسس الأمة/ الدولة بفكرة الخلاص الأرضي، المسدّد بالعناية الإلهية. لقد مضى جورج دبليو بوش، وهو آخر من حمل ورفاقه من المحافظين الجدد، مؤدّيات هذه الإيديولوجيا، ليدخل مغامرته الكبرى، ويخوض حربين عالميتين بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001. لكن كان عليه أن يستهل مغامرته تلك بقوله "لا يوجد عرق أميركي، بل عقيدة أميركية فقط"... كثيرون من مؤرخي سياسة أميركا الخارجية، حلّلوا المسارات الأخلاقية والتهذيبية لهذا البلد، فأدرجوها ضمن استمرارية الهيمنة والغلبة ومنطق القوة. ولسوف يتوضّح الأمر حين دخلت الولايات المتحدة مع العولمة زمناً آخر، حيث كان عليها أن تتهيّأ لعالم راح يتحول إلى منطقة فراغ. وكان عليها إذّاك أن تملأ هذا الفراغ بأي ثمن، لئلا تغدو هي نفسها تائهة في فضاء العدم. لكنها، وهي تفعل ذلك، لم تلبث أن امتلأت بعالم يكتظ بفوضاه، ويمنحها أعداء تؤسس على عداوتهم المفترضة زمنها الجديد.(7)

 فلسفة تقديس الكارثة

على مدى أكثر من أربعة قرون، ظلت "فكرة أميركا" تخطف روح الدين وتطوّعه لأهدافها الإمبراطورية الثلاثة التي استعارتها من فكرة إسرائيل التاريخية وهي:

ـ اجتياج أرض الغير.

ـ استبدال سكانها بسكان غرباء، أو حمل من يعصي منهم على الموت.

ـ استبدال ثقافتها، وتاريخها، بثقافة المحتلين الغرباء وتاريخهم(8).

هذه الأهداف الثلاثة كانت نتيجة للمكوّن الإيديولوجي الديني الذي تعكسه الروح الرسالية المدّعاة، والتي تقول بأحقية إشراف أميركا على صوغ العالم طبقاً لمشيئتها. وهي الروح الرسالية نفسها التي غالباً ما تتمظهر في التاريخ من خلال نزعتين قياميتين مترابطتين: الأولى: نزعة الشبق الإمبراطوري لإعادة صياغة العالم، باعتباره "قدر أميركا المتجلّي" (Manifest Destiny) الذي رسمته العناية الإلهية ورعته.

الثانية: النزوع إلى فكرة إسرائيل كمقدمة لنـزول القدس السماوية. ولطالما كان الحلم الإمبراطوري ولا يزال، يلهب حماسة المؤمنين بفكرة إسرائيل الذين يعتبرون أنفسهم أجدر الشعوب بالإمبريالية، والذين لم يعشقوا شيئاً في هذا العالم أكثر من التنبؤ بالدمار الماحق لممالك العالم.

هنالك إذاً، محلّ متقدم من الزواج بين الدين والإيديولوجيا في أميركا. وذلك على نحو يكاد يتحوّل فيه الدين إلى إيديولوجيا بحتة. إنه الزواج الذي يتم بالضبط، في اللحظة التي يتم استدعاؤه فيها ليلبي حاجة الفاعل، وتوفير شروط سيادته على ظروف الزمان والمكان. كان الكاتب والإعلامي الأميركي بل مويرز (Moyers) دقيقاً في التوصيف عندما ذهب في العام 2004 إلى القول بأنه للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، تستأثر النزعتان الإيديولوجية واللاهوتية بحكم البلاد وتحتكران السلطة. لكنه يضيف "عندما تتزاوج هاتان النـزعتان لا تكون ذريتهما دائماً سيئة، لكنها دوماً تكون عمياء" (...)(9)

وكان وليم برادفورد حاكم مستعمرة بليموث، يرى أن نشر الأوبئة بين الهنود عمل يدخل السرور والبهجة إلى قلب الله. أما كوتون ماذر وهو أحد أبرز أنبياء أرض كنعان الجديدة فيقرر أن المعجزات الإلهية هي صورة عن رغبات المستوطنين وطموحاتهم. فلطالما توحدت القدرة الإلهية مع الشعب المختار. ويضيف أنه بعد أن ظن الشياطين (الهنود) أن بُعدهم عن العالم سينقذهم من الانتقام استطاع الله أن يحدد مكانهم ويرسل قديسيه الأبطال من إنكلترا ومعهم بعض الأوبئة السماوية القاتلة التي طهّرت الأرض منهم. ذلك أن الله يفسح مكاناً لشعبه في هذه المجاهل إذ هو يقتل الهنود بأوبئة من أنواع مدمّرة لا يعرف لها البشر مثيلاً إلا ما تحدثت عنه التوراة.

سوف نرى كيف انداحت الأطروحة الأميركية إلى أقصى أمداء حضورها الإيديولوجي حين دخل التديين السياسي كعامل مقرر وحاسم في دفع لاهوت القوة والعنف إلى ذروة الاستخدام. فلقد كشف استطلاع للرأي أجرته مجلة تايم وشبكة (سي.إن.إن) العام 2000 "أن نحو ستين في المائة من الأميركيين مؤمنون بأن التنبؤات في سفر الرؤيا سوف تتحقق. ولذا تأتي كلمة (Apocalypse) ومعناها دمار العالم ونهايته، مرادفة لكلمة (Revelation) الرؤيا. ويؤمنون أيضاً بأن هذا العالم وهذا الزمان ينتهيان عندما يعود المخلّص ابن الله ليحمل البرَرَة الصالحين المسيحيين المولودين من جديد إلى الجنة، ويلقي بالخطّائين الآثمين (باقي شعوب العالم) في نار جهنم الأبدية".

من الفوضى حتى نهاية العالم

ولبيان آلية توظيف هذا الاعتقاد الديني في حقل الممارسة السياسية نشير إلى أن ثمة لاهوتيات وطوائف عديدة ومتشعبة تؤمن بهذه الفلسفة الانقضائية التدميرية. لكن الأكثر نفوذاً على الصعيد السياسي هم أولئك المعتنقون لأفكار اللاهوتي الأنجلوإيرلندي جون نيلسون داربي الذي نشر في منتصف القرن التاسع عشر فكرة التفسيرات الحرفية للكتاب المقدس. وهي التفسيرات التي قدّمت ترتيباً زمنياً مفصلاً لنهاية العالم الوشيكة. لقد قسم داربي التاريخ إلى مرجعيات تحدّدها كيفيات التدخّل الإلهي. وأعطى سفر الرؤيا في العهد الجديد أهمية لم يعرفها من ذي قبل. كما بشّر بقرب تحقيق النبوءات لجهة عودة اليهود إلى فلسطين والمجيء الثاني للمسيح الذي يليها.

لم ينأ فريق المحافظين الجدد عن هذا اللاهوت. فثمة كثيرون منهم يؤمنون بذلك ويزعمون أنهم باعتماد استراتيجية "الفوضى الخلاقة" إنما يمهّدون السبيل للقيامة الكبرى للمخلّص. ومنهم من ذهب إلى مخالفة داربي واتهامه بأنه يحرّف النصوص الكتابية ويشوّهها.

هؤلاء الذين خالفوا داربي سمّوا بـ"إعاديي البناء" وأيضاً بـ"السياديين". وهم لا يبنون إيمانهم بعودة المسيح على أساس النبوءات الكتابية، وإنما على الفعالية السياسية. ففي رأيهم أن المجيء الثاني للمسيح لن يحدث، قبل أن يهيئ العالمُ مكاناً له.

يرى "الإعاديون" الذين يتمثل الحكام الحاليون للولايات المتحدة، الكثير من آرائهم الميتافيزيقية، أن الخطوة الأولى لتهيئة العودة (عودة المسيح) هي "مَسْحَنة" أميركا، وبالتالي "مَسْحَنة" العالم كله. أحد كبار منظريهم وهو جورج غرانت يقول: إن النية الرئيسة للسياسات المسيحية هي ضمان الغلبة على الأرض لملكوت المسيح. ويتفق الأميركيون المناهضون والمعادون لمثل هذه المبادئ على أن الحركة المعروفة باسم اليمين المسيحي أو "المتديّن"، تمثل أكبر خطر منفرد على قضية الفصل بين الدين والدولة. ذلك لأن منظمات هذه الحملة اللاهوتية، الإيديولوجية الشرسة تسعى جاهدة إلى فرض الآراء المسيحية الأصولية عبر إجراءات حكومية على جميع الأميركيين، وتالياً على قطاعات كبيرة في العالم. فتحقيق السيادة المسيحية يتطلب إلغاء الفصل الدستوري بين الدين والدولة.. والاستعاضة عن النظام الديمقراطي بحكومة ربّانية (ثيوقراطية) تحكم بالقانون التوراتي. كما يوجِبُ إنهاء جميع البرامج الاجتماعية الحكومية، لكي تتولى الكنائس هذه الرعاية. يقول غرانت استطراداً "إن فتح العالم هو ما كلّفنا المسيح بإنجازه. علينا اكتساب العالم بقوة الإنجيل، وعلينا ألاّ نقبل بأي شيء أقل من ذلك. إذ فقط عندما يتم الفتح الشامل يمكن للمسيح أن يعود".(10)

هكذا تبدو أميركا اليوم، مسحورة بنفسها إلى حدود الغواية القاتلة. وحتى الذين نظّروا لها بوصفها الدولة الكاملة، أو الدولة العالمية المنسجمة بحسب التعبير المستعار من هيغل، سيكون لهم غير باب مفتوح على التشاؤم. صحيح أنها ستكون بفضل قوتها واقتدارها وعظمتها آمنة، لكنها ستفقد روحها، وستكف أميركا عن أن تكون "المدينة الواقعة على جبل" كما يقول تشارلز وليام ماينـز. وسوف تصبح بدلاً من ذلك ـ كما يضيف ـ أمة مرقّعة تقسمها الولاءات والأعراق، يسكنها شعب يفزعه السفر إلى الخارج، ومغادرة البيوت داخل الوطن"...

هل يعني هذا أن يدخل الأميركيون عصراً جديداً من التشاؤم؟

سؤال أخذ يحفر مجراه العميق بعدما بلغت نظرية "الفوضى الخلاقة" شوطاً بعيداً مع المحافظين الإنجيليين الجدد. وبعد زلزال الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، لم يعد السؤال مجرد افتراض.. لا بل إن أميركا المحافظة الجديدة حتى وهي تتطيّر من نشوة نصرها في الحرب الباردة، لم يغب عن نفسها المشحونة بالقلق وارد التشاؤم، والهلع، من اليوم التالي.

في مستهل التسعينيات سُئِل فرانسيس فوكوياما في سياق حوار أجرته معه مجلة "در شبيغل" الألمانية: أفلا تجعل الانتصارات من المنتصرين بلهاء أو كسالى؟ وإذا كان ذلك صحيحاً ـ كما أضاف السائل ـ ألا ينطبق هذا على المنتصرين في التاريخ أيضاً؟

أجاب فوكوياما: هذا صحيح، ربما أضرّ "بالديمقراطية" انتصارها الكبير والنهائي. إذ لو قلنا إن الديمقراطية ستجلب السلام والنمو، مثلما وعدت فبماذا ستعِدُ العالم بعد ذلك؟ إن هذا يعني انتفاء المجازفة. وهذا يناقض طبيعتنا. فالإنسان يحتاج إلى المغامرة. وقد يعمد إلى إثارة حروب جديدة.

ثم سأله محاوره: أيكون ذلك من أجل المغامرة فقط؟

أجاب فوكوياما مرة أخرى: نعم من أجل الخروج من الملل، حتى لا نتحول إلى قطيع ساكن وخائف، إلى حيوان استهلاكي. والوصول إلى هذه الحالة يدفعنا من جديد باتجاه الاشتياق إلى القوة والعظمة...

 

(1)  آلان جوكس. من حوار أجرته معه مجلة "مدارات غربية" العدد الاول التجريبي ـ بيروت أيار/ مايو 2004.

(2)  روبن دري ـ لاهوت الغلبة ـ الجذر الديني الفلسفي لليبرالية الجديدة ـ راجع "مدارات غربية" العدد الثالث ـ أيلول/ سبتمبر _ تشرين الأول/ أوكتوبر 2004 المقال فصل من كتاب صدر في بونس آيرس العام 1994 ـ تعريب د. جاد مقدسي.

(3)  راجع روبن دري المصدر نفسه.

(4)  روبن دري، مصدر سبقت الإشارة إليه.

(5)  راجع روبن دري المصدر نفسه.

(6)  آريال كولونوموس ـ ماذا لو أصبح العالم بروتستانتياً ـ ترجمة جورجيت حداد ـ "مدارات غربية" العدد الأول أيار/ مايو (2004).

(7)  محمود حيدر ـ أميركا المسحورة بنفسها ـ افتتاحية "مدارات عربية" العدد السابع ـ صيف 2005.

(8)  منير العكش ـ تلمود العم سام ـ الاساطير العبرية التي تأسست عليها أميركا ـ رياض الريس ـ 2004 ص 11.

(9)  ضمن كلمة ألقيت بعد تسلم مويرز الجائزة السنوية الرابعة لمواطن البيئة العالمي ـ كلية هارفرد للطب 1/12/2004 ـ نقلاً عن

 “www. commonondreams.com ”

(10)  غسان غصن ـ الخطر الأميركي الأشد تسيّس الدين أم تديّن السياسة ـ شؤون الأوسط ـ العدد 118 ـ ربيع 2005.

 

محمود حيدر

(باحث في الفكر السياسي والفلسفي ـ رئيس تحرير "مدارات غربية")