العدد الثاني عشر - حزيران 2006

تقرير هارفرد ودولة الأقارب

بقلم غسان يوسف
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

التقرير الذي أعده البروفسور جون ميرشماير من جامعة شيكاغو والبروفسور ستيفن والت من جامعة هارفرد بعنوان "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية" نال شهرة ورواجاً في أوساط مراكز الأبحاث الأميركية. لقد أدرك كلاهما أنهما سوف يتعرضا لتهمة معاداة السامية بسرعة وبظلم دون اثبات، ورغم ذلك نشرا التقرير.

يمتاز التقرير بأنه جاء منهجياً علمياً بحتاً دون اتهامات أو عواطف أو تحيز. ويستند في مضمونه إلى أحاديث موثقة لشخصيات مرموقة في الولايات المتحدة بعضها كان في السلطة أو في مواقع إعلامية أو أكاديمية وغيرها، بحيث من الصعب جداً انتقاده أو العثور على ثغرة تحيز أو نفحة غير موضوعية.

إن إطلاق تهمة العداء للسامية على معدي التقرير سوف تبدو سخيفة ومضحكة عندما نقرأ التقرير، لكن اللوبي الإسرائيلي وأنصاره جهدوا في البحث عن حجج ووقائع للرد على هذا التقرير ولتبرير السياسة الخارجية الأميركية المتحيزة لإسرائيل.

من ضمن هذه الحجج كتب هـ. غرينواي في البوسطن غلوب مقالاً عنوانه الورقة الاثنية في محاولة لابتكار ذريعة لتأييد إسرائيل. يتحدث غرينواي عن شيء جديد سماه ظاهرة الدولة القريبة أو دولة الأقارب (Kin-Country) (بمعنى وجود قرابة عائلية بين دولتين)، ويصنف إسرائيل أنها دولة أقارب لليهود الأميركيين وهي تالياً محط اهتمام جماعات الضغط اليهودية وأبرزها اللجنة الأميركية الإسرائيلية للعلاقات العامة والمعروفة "إيباك". يبرر غرينواي أنه بين إسرائيل والولايات المتحدة (أي الجالية اليهودية فيها) روابط الدم واللغة والدين. ويشبه غرينواي التعاطف الأميركي مع إسرائيل بالتعاطف الروسي مع الصرب في البلقان الذين تجمعهم وحدة المذهب الأرثوذكسي المسيحي، كما يتحدث عن دور اللوبي اليوناني في رسم السياسة الخارجية الأميركية في قبرص وكيف دعم هذا اللوبي الإنقلاب ضد المطران مكاريوس ما أدى إلى غزو الجزيرة واحتلال القسم الشمالي منها من قبل الأتراك. ولا ينسى الحديث عن دور الأميركيين من أصل إيرلندي في تمويل الجيش الجمهوري الإيرلندي وتزويده بالسلاح. أما الأميركيون السود فيعطيهم دوراً في التدخل إلى جانب أبناء جلدتهم السود في السودان وتخليصهم من الإضطهاد العربي أو التدخل بدافع ديني لبعض الفئات في السودان.

هذا الترويج يدل على نوع من الإحباط الذي أصيب به الباحثون الأميركيون الموضوعيون والذين يحاولون اكساب الصفة الموضوعية على تأييدهم لإسرائيل. طبعاً على غرينواي وأصحاب هذه النظرية أن يشرحوا لنا لماذا لم يكن هذا المبدأ قائماً عندما كان التمييز العنصري واضحاً ووقحاً ضد السود في جنوب افريقيا وزيمبابوي وغيرها من دول افريقيا. ثم يتناسى أنه في السودان هناك مشكلة دارفور القائمة وهي بين بدو وحضر وكلاهما مسلم ومن أصول عربية، فيما جنوب السودان يضم أكثرية وثنية وأقلية مسيحية، والإنتماء في الجنوب هو قبلي بامتياز وليس دينياً ولا يمكن ربط كل ما جرى ويجري في السودان بأنه تمييز ضد السود من قبل سود أيضاً خصوصاً أننا نرى كلا الجانبين على شاشات التلفزيون الملونة!

إذا كانت الروابط الدينية مبرراً لتحيز أميركا لإسرائيل فلماذا وضعت أميركا هذه الروابط جانباً وقامت بقصف كوسوفو واسقاط حكم ميلوسوفيتش في صربيا وزار كلينتون سربنستا في الذكرى العاشرة للمجزرة! أين الروابط الدينية أو روابط القربى في السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأقصى، ولماذا وقفت أميركا إلى جانب باكستان المسلمة في نزاعها مع منافستها الهند غير المسلمة، هل كان في ذلك نتيجة ضغط من لوبي إسلامي داخل أميركا؟ لقد خاضت أميركا حرباً في أفغانستان ضد حركة طالبان المسلمة وقبلها خاضت حرباً ضد العراق لتحرير الكويت المسلمة من الإحتلال العراقي (ذي الطابع العلماني إلى حد ما)، وللدفاع عن السعودية المسلمة. لقد تشارك الأميركيون مع نظام صدام بشيء من العلمانية وحرية الأديان وحرية المرأة (نسبياً) فيما لا نجد مثل هذه المشاركة مع السعودية والكويت وسائر دول الخليج.

إن السياسات لا تبنى إلا على المصالح وكل السياسات الخارجية الأميركية من المفترض أن ترسمها المصلحة القومية العليا للولايات المتحدة. إلا أن السياسة المتحيزة لإسرائيل والتي يكاد يجمع الكثيرون ومنهم البروفسوران ميرشماير ووالت تتناقض مع المصلحة الأميركية ولا يمكن أبداً ربطها بصلة القرابة. هذا الربط لا نجده في باقي السياسات ونجد عكسه تماماً في سياسات أخرى. وحتى لو سلمنا جدلاً أن هناك وجهة نظر في موضوع دولة الأقارب، فهل يعني نصرة الأقارب بغض النظر إذا كان هناك حق أم عدوان أم أننا عدنا إلى معادلة الجاهلية: "انصر آخاك ظالماً أو مظلوماً".

ونسأل أخيراً هل هذا التخبط الفكري في البحث عن سبب أخلاقي أو مبرر من أجل التحيز لإسرائيل هو بداية الوعي لدى الباحثين الأميركيين؟ نأمل ذلك.