العدد الثاني عشر - حزيران 2006

القومية

بحث:راوول جيروردي / ترجمة د.ماري شهرستان
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

خلال دراسة الظاهرة القومية في بعض البلدان المعاصرة، المختلفة بتطورها التاريخي والمختلفة بمؤسساتها السياسية وبتقاليدها الدينية وبناها الاقتصادية والاجتماعية، تبرز لنا أربعة تساؤلات حديثة تجدر بنا دراستها:

1 ـ ما هو المعنى المناسب الذي ينبغي إضفاؤه على كلمة قومية في النصف الثاني من القرن العشرين؛ وإلى أية أسس عقدية وإلى أية معللات إيديولوجية معاصرة يمكن نسبها؟

وما هي علاقتها بالتقاليد الفكرية والروحية للحركة القومية الأوروبية في القرن التاسع عشر؟

2 ـ ما هي الأسس الاقتصادية والاجتماعية أو النفسية ـ الاجتماعية لهذه القوميات المعاصرة؟ وما هي العلاقات الممكن إقامتها بين سيرورة التطوّر الاقتصادي ـ الاجتماعي والتطور العام لمكونات الإيديولوجية القومية؟

3 ـ هل توفر نماذج القوميات المعاصرة المختلفة عناصر لمقارنة ممكنة؟

ماذا لديها من أمور مشتركة؟ وما هي اختلافات دوافعها الإيديولوجية وطرق تعبيرها والظروف الاجتماعية المواكبة لتطورها؟

هل يمكن وضع نموذجية لهذه القوميات حيث يسهل تحليل واقعها المعقد؟

وهل توفر لنا مقارنتها وتصنيفها إمكانية تحقيق بحث يتناولها ويشرحها بشكلٍ عام؟

4 ـ ما هي المكانة التي يناسب إعطاؤها للظاهرة القومية في النظام الدولي للنصف الثاني من القرن العشرين؟ هل يسمح التطور الحالي بمشاهدة انتشار، أم تراجع، أم تغيير فجائي في القوى القومية؟

من الواضح جداً أن هذه الأسئلة المطروحة تبدو واسعة ومعقدة جداً والمراجع التي بحوزتنا مجزأة وغير كافية فهي تحدّ من طموحنا في الوصول إلى بحثٍ جامع شامل.

سنحاول كشف المسائل الرئيسة التي تطرحها دراسة القوميات المعاصرة، وتدقيق صعوبات المقاربة وتحديد نظريات العمل الجديدة ثم اقتراح استنتاجات مؤقتة.

 I ـ صعوبات المقاربة

 1 ـ الصعوبة الأولى هي من ناحية المصطلح: فالتعبير قومية موضوع متعدد المعاني، إذ هو قد أصبح قيد التداول عندما أطلقته فرنسا وإنكلترا خلال القرن التاسع عشر، ولم يتوقف عن الاغتناء واكتساب معانٍ جديدة متتالية مشتقة من بعضها بعضاً وغير قابلة للتحول واحدة إلى الأخرى.

بالنسبة إلى المعاجم والكتّاب الانكلوساكسونيين، تفيد الكلمة بتعريف وتعيين مختلف مظاهر الوجدان القومي: فتلتبس دراسة القومية مع دراسة الشعور القومي.

ووفق تعريف ٍ آخر تعبِّر كلمة قومية عن تصعيد شديد وحصري ومحتد للشعور القومي[1]: فيكون عندها معنى الكلمة منقوصاً بشكلٍ واضح ويلتبس مع معنى الشوفينية.

التعاريف الأخرى:

آ ـ القومية: إرادة متحد قد وعى شخصيته التاريخية تبعاً لظروف مختلفة، لخلق وتطوير دولته السيادية.

ب ـ القومية: نظام فكر ومشاعر، أو نظام إحساس مُرَكز بشكلٍ أساسي على الدفاع أو على حماسة الفكرة القومية.

يصدق التعريف الأول في حال الدولة ـ الأمة التي لم تتشكل حقوقياً بعد؛ أما التعريف الثاني فيصدق في حال القومية الموجودة داخل الدولة ـ الأمة المكونة سابقاً.

2 ـ الصعوبة الثانية تتعلق غالباً بالإطار الملتبس للظاهرة القومية.

في الواقع، يوجد في بعض البلدان قومية منظمة ومركبة تعلن عن مبادئ واضحة ومحددة تماماً حيث تكون بعض الأحزاب المتميزة فيها هي المعبِّر عنها ولسان حالها: إنها قومية القوميين.

لكن توجد غالباً في البلد نفسه قومية منتشرة وغير منظمة نجد مظاهرها خارج الأحزاب والتجمعات التي تستند إلى الآداب القومية: فتكون في هذه الحالة قومية الشعور العام.

النموذج الأول للقومية واضح وصريح وسهل الضبط، والثاني يجنح للالتباس مع ما نسميه عامة الوطنية[2].

3 ـ الصعوبة الثالثة مرتبطة بكون الإيديولوجية القومية نادراً ما تظهر بحالة صافية. فهي تتشابك عموماً مع قيم سياسية واجتماعية ضمن نظام أكثر عمومية، فنجدها مرتبطة بإيديولوجيات أخرى ومستندة إلى تعليلات عقدية متنوعة ومتناقضة.

فنجد مثلاً، القومية الفرنسية في النصف الأول من القرن التاسع عشر قد ارتبطت لمدة طويلة بالإيديولوجيات الديمقراطية[3] والثورية، ثم انتقلت إلى الثقافة الإيديولوجية والعقائدية للأحزاب المحافظة والمناهضة للديمقراطية.

فمن الصعب إذاً عزل العقيدة القومية وسط عناصر مختلفة حيث توجد مختلطة معها.

4 ـ ينبغي علينا الأخذ بعين الاعتبار الظروف المختلفة التي غالباً ما تكون ضخمة جداً ومرتبطة بالسياق التاريخي الذي تتطوّر فيه الظاهرة القومية: مثل التهديد الخارجي، واقتطاع الأراضي، الأوضاع الاستيطانية، الاستعمار الخارجي، الضغوط الدبلوماسية، الحرب الباردة، التوسع الديمغرافي أو الصناعي، والتخلف الاقتصادي، إلخ...

فدراسة القومية داخل أرض معينة أو داخل جماعة محددة لا يمكن أن تتم دون دراسة الوضع السياسي أو الاقتصادي الذي توجد فيه هذه الأرض أو تلك الجماعة. إذ يوجد دوماً احتمال تاريخي يعقِّد كل محاولة للخروج بحصيلة مقارنة.

II ـ الإيديولوجيات القومية

برغم هذه الصعوبات المنهجية، تبدو الدراسة المقارنة ليست ممكنةً فحسب، بل هي موحية ومثيرة على مستوى المظاهر الإيديولوجية للقوميات المعاصرة. ويبدو أن هناك العديد من المواضيع المشتركة التي يمكن استخلاصها بسهولة. ويبدو من جهة أخرى أن مسألة التطوّر الإيديولوجي للقوميات الجديدة، الآسيوية منها والأفريقية، يمكن أن نبحثها بدقة نسبية مقارنة بالتطوّر الإيديولوجي للقوميات القديمة، الأوروبية، بشكلٍ رئيسي.

1) ـ يظهر من مجموع الآداب الإيديولوجية والقوى العقائدية التي تعبِّر من خلالها مختلف القوميات المعاصرة، أن هناك إخلاصاً عاماً وثابتاً لعددٍ معيّن من القيم المُعتَبَرة أساسية. ويمكن أن يتلخص هذا الأساس المشترك للقومية الإيديولوجية في بعض المواضيع الرئيسة:

أ‌)  ـ ضمن نظام القيم الاجتماعية تعطى أهمية أساسية لمفهوم السيادة القومية، وإرادة الدفاع عن هذا المفهوم.

ب‌)   ـ هناك إرادة يُعبَّر عنها بوضوح وهي تمتين وحدة وتماسك المتحد القومي. إلا أن هذه الإرادة تبدو غالباً مترافقة ببعض التشبثية تجاه المجموعات أو الإيديولوجيات المدانة والمُعتَبَرة أنها تشكل عائقاً في وجه هذه الوحدة. فكل قومية تميل إلى إقامة نوع من الشمولية الإيديولوجية وذلك بشكل ٍ متفاوت ونسبي.

ت‌)   ـ عودة دائمة إلى الماضي القومي ووعي للقيم التاريخية، ومفاهيم الإرث والتراث (تعطى أهمية للرموز التي تمثل هذا الماضي القومي: مثل الأعلام، إلخ..). في الواقع، لا تنفصل المظاهر الإيديولوجية للقومية عن تعبير الضمير التاريخي.

ث‌)   ـ التأكيد على القيمة العالمية لعصر الحضارة القومية (لقد اُختير الشعب الأرجنتيني ليحمل كلمة الله إلى الأمم إيفا بيرون. مفهوم الاسبانية).

ج‌)  مفهوم نموذج الحياة الأمريكي. وتمجيد القيمة الحضارية للـأفرقة أي المدنية الأفريقية، إلخ...).

إلى جانب هذه المواضيع المشتركة لكل القوميات المدروسة، نجد من المناسب ذكر عدد من المتغيرات تميّز بشكلٍ خاص بعض نماذج من القوميات:

أ‌)  ـ موقف دفاعي، مرتبط بشعور القلق أو الخوف من فكرة التهديد التي ترمي بثقلها على الوجود وعلى استمرار المتحد القومي (النزعة القومية الاسبانية والفرنسية، والنزعة القومية للـالقوميين الأمريكان). فتُعرَّف القومية وتُعيَّن حول فكرة العظمة المهددة والتي ينبغي حمايتها.

ب‌)   ـ شعور بالفوقية تجاه المجموعات الأخرى وإرادة التعبير عن هذه الفوقية. ففي هذه الحالة تتحدد القومية حول فكرة العظمة الحالية التي ينبغي تثبيتها.

ت‌)   ـ شعور بالارتهان تجاه سيطرة خارجية. فتتحدد القومية في هذه الحالة على أنها احتجاج ضد إمبريالية خارجية، ثقافية، سياسية أو اقتصادية (حال قوميات الشعوب المستعمَرة).

ث‌)   ـ موقف معارضة ثورية تجاه النظام الاقتصادي والاجتماعي السائد. في هذه الحالة تميل القومية إلى الالتباس مع التطلعات والاحتجاجات التي تقوم بها بعض الطبقات أو بعض الأوساط (وهي حالة بعض بلدان أمريكا اللاتينية حيث الدولة ـ الأمة موجودة وقد تكونت منذ زمن طويل تاريخياً).

2) ـ يبدو أنه بالإمكان وضع الدراسة المعاصرة للإيديولوجيات القومية ضمن إطار اعم وأشمل، ألا وهو المقارنة التاريخية. لكن لا بد أن تُظهِر لنا مسألتين رئيستين تتعلقان بهذا الخصوص:

أ‌)  ـ إلى أي مدى تختلف أو تتشابه النزعات القومية الجديدة التي تولدت من اهتزاز وانهيار المجموعات الاستعمارية الكبيرة، مع النماذج التاريخية التي تحققت في الحقبة السابقة ضمن أوروبا القوميات؟ في الواقع، ونظراً لاختلافات الإطار الحضاري، هناك خط فاصل واضح تماماً يمكن إقامته بين بعض النزعات القومية التي تأثرت تأثراً شديداً بالنموذج القومي الأوروبي، ونزعات قومية أخرى التي في أساليب التعبير عن قوميتها تميل في بعض النقاط إلى الابتعاد جدياً عن المرجعيات الأوروبية القديمة. في الحالة الأولى نجد كل الآلية الإيديولوجية للمطالبات القومية في القرن التاسع عشر الأوروبي (سوى استثناء واحد وهو ليس عاماً: وهو المطالبة اللغوية). من جهة أخرى تحاول القومية المنتصرة أن ترث كل نظام القيم الذي ألهَم النزعة القومية القديمة.

 في الحالة الثانية، يأتي التطلع إلى نظام اقتصادي واجتماعي جديد ليُمزَج مع المطالبة القومية النوعية ـ الخصوصية: لم تعد وظيفة القومية إنشاء أو تطوير الدولة ـ الأمة فحسب، بل ابعد من السيادة الحقوقية التي غالباً ما ينظر إليها على أنها خديعة، هناك الاستقلال الاقتصادي الذي يدرج كهدف أولي يتم الحصول عليه باستخدام الوسائل ذات الطابع الثوري. وفي إطار التخلف الاقتصادي، يحصل لقاء جديد بين التيارين الإيديولوجيين الكبيرين: القومي والاشتراكي.

 

ب‌)  ـ من جهة أخرى، إلى أي مدى تصاب النزعات القومية القديمة بأزمة تغيير فجائي أو بأزمة تكيّف، ضمن إطار الدول ـ الأمم المكونة منذ زمن تاريخي بعيد؟

لا نزعم أننا يمكننا الإجابة بدقة عن هذا السؤال، لكن المؤرخ لا يمكنه تجنب مشاهدة ظهور عوامل جديدة حيث يوشك وجودها تبديل الوجه التقليدي للإيديولوجيات القومية: مثل تطوّر قوى وإيديولوجيات عالمية متخطية القومية، والحد أو نقل السيادة إلى المجال الاقتصادي والعسكري، ونشوء وطنية الكتل، إلخ...

لا يسعنا إلا التذكير بأنه بالنسبة إلى جميع الأمم الأوروبية تقريباً لم يعد اليوم التهديد الأساسي الذي يُثقِل على أمنها هو تهديد دولة ـ أمة أخرى منافسة وتقع في الجوار: المفهوم الأساسي للـالحدود والموجود في جميع تعاريف القومية ذات النموذج القديم، لا يمكن في هذه الظروف إلا أن يفقد جزئياً من أهميته وقيمته. 

3) ـ تؤدي الدراسة المقارنة للإيديولوجيات القومية إلى مسألة أخيرة:

وهي تحليل السلوكيات والمواقف. هل الانتماء إلى الإيديولوجية القومية يتناسب مع نموذج معين للشخصية؟ هل يمكن ربطه تحديداً ببعض المواقف العامة من الحياة الاجتماعية؟ هل هو مرتبط مباشرة بمظاهر سلوك راديكالي أو بسلوك محافظ؟

إن إقامة ارتباطات متبادلة داخل مجتمع محدد، بين التعبير عن مواقف قومية والتعبير عن مواقف اجتماعية أخرى (تجاه الدين، والأخلاق التقليدية، والعائلة، وتجاه التطوّر الاقتصادي، والمؤسسات الليبيرالية، إلخ.) هو أمر ذو أهمية كبيرة:

إنه أرضية مثيرة للاهتمام ببحوثٍ تفتح أبواب التحليل الذي لا يزال غير مطروق حتى الآن. إلا أنه من المشكوك فيه التمكن من تحديد قومية القوانين بسهولة على المستوى العام. وقد يكون أمراً فائق الخطورة، المخاطرة بزعم مقاربة أي محاولة تجميعية (جميعة) في هذا الميدان.

III ـ القومية والبنى الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية.

غني عن القول إن التعبير الإيديولوجي للنزعة القومية لا يمكن عزله عن الأسس الاقتصادية والاجتماعية. انطلاقاً من هذا المنظور من البحث، تبدو المسائل الأساسية أصعب بالنسبة إلى موضوع الإحاطة بها وإحصائها وتعريفها.

1) ـ يبدو أنه من الممكن تحديد موقع انتشار الظاهرة القومية ضمن تطوّر المجتمعات المعاصرة العام. ومن الواضح أن انتشار الإيديولوجية القومية يرتبط، في بداياته على الأقل، بظاهرة هجرة الناس من أوطانهم، بشكلٍ عام. يمكننا ملاحظة هذا الموضوع في بلاد المهجر (في الولايات المتحدة، والأرجنتين) إذ أن المجموعات التي تصل حديثاً تُبدي حماسة قومية أكثر من غيرها. ويُلاحَظ أيضاً أن الإيديولوجية القومية تطول بشكلٍ خاص المجموعات الاجتماعية المنفصلة عن إطاراتها التقليدية وذلك في البلاد النامية، (وبخاصة النخب المثقفة الجديدة والكتل العمالية): تتجلى هنا النزعة القومية كظاهرة حضرية؛ إذ أنها لا تنمو في الوسط الريفي إلا في حال مالت المتحدات القديمة للتحلل وحيث تبدأ البنى التقليدية (العائلية، والقروية، والعشائرية) بالتفكك. وبذلك نستطيع دعم فكرة أن نمو النزعة القومية يتناسب ويترافق دوماً بآلية تفكك بنى المجتمعات القديمة وإعادة هيكلة مجتمع جديد.

هذه المشاهدة تصدق تماماً بالنسبة إلى المجتمعات الآسيوية والأفريقية المعاصرة حيث تفرض هذه السيرورة نفسها على الملاحظ والباحث بمدى اتساعها وسرعتها.

لكن أليست قابلة لأن تقدم بعض عناصر التحليل المقبولة في الدراسة الاستعادية لبعض الحركات القومية الأوروبية في القرون السابقة؟

2) ـ تُظهِر الدراسة المقارنة للنزعات القومية المعاصرة التنوّع الكبير للمجموعات الاجتماعية حاملة وناقلة فكر الإيديولوجية القومية. في واقع الأمر، يبدو أن مركز الثقل الاجتماعي للظاهرة القومية يتغيّر بشكلٍ كبير وفق التجمعات السياسية المدروسة (وربما وفق الأطوار التاريخية المختلفة لهذه التجمعات). وفي بعض الحالات، تحقق النزعة القومية نفسها في الأوساط التي لها علاقة مباشرة بالتقدم الاقتصادي، أو عند المستفيدين من النظام الاقتصادي السائد. وفي المقابل، في حالات أخرى، تمتلك القومية أوسع قواعدها في الأوساط الاجتماعية المهددة بالتخلف الاقتصادي، أو غير المستفيدة والمحرومة من النظام الاقتصادي السائد. من جهة أخرى، يمكن ملاحظة انه إذا وجدت الإيديولوجية القومية لنفسها، عند بعض المجموعات السياسية، عدداً كبيراً من الداعين لها مع أصداءٍ عميقة في أوساط المفكرين، لكنها تبقى شعبية بشكلٍ أساسي عند مجموعات سياسية أخرى، وغالباً ما تترافق بلاعقلانية عنيفة.

هذه التحقيقات هي عامة جداً ولا تعني أبداً أن دراسة القومية ينبغي ألا تولي أهمية خاصة لعمل بعض القوى الاجتماعية: هذه القوى الاجتماعية التي مارست دوراً امتيازياً خلال تاريخها الطويل قبل وبعد تأسيس الدول ـ الأمم. من بين هذه القوى نذكر: الجيش، وجمعيات المحاربين القدماء، والكنائس، ومؤسسات الشباب، والنقابات، إلخ... لكن لم تلعب هذه القوى دوماً الدور نفسه في جميع الأمكنة.

ويشكل تحليلها إحدى الوسائل الفعالة النادرة للإحاطة بمسالة الأسس الاجتماعية للظاهرة الإيديولوجية، حيث برهنت عن حضور ٍ فاعل في نشوء وارتقاء الحركات القومية.

3) ـ ولا يمكن للبحث إلا أن يثير الاهتمام باتجاه التعليلات الاقتصادية (أو باتجاه محتوى المطالبات الاقتصادية) لبعض القوميات المعاصرة. إلا أنه في هذه الناحية بالذات، توشك كل محاولة تنظير عامة أن تجد نفسها مكبلة بالتنوع الشديد للحالات التي تم بحثها. ومما لا شك فيه أن العلاقات الموجودة بين بعض القوى (أو بعض المصالح) الاقتصادية وبين نشاط الحركات القومية، تشكل غالباً عنصراً جوهرياً لتفسير وفهم الأمور. ومن المؤكد أيضاً أن دور هذه القوى الاقتصادية لا يُمارَس بالقوة نفسها في كل زمان ٍ ومكان، ولا بالاتجاهات نفسها: قد تكون النزعة القومية محافظة في النظام السائد لبعض الحالات، وقد تكون إصلاحية أو ثورية في حالاتٍ أخرى. ومن جهة أخرى يمكننا التأكيد أن وعي المجتمعات النامية لانعدام المساواة الاقتصادية بين الدول قد اثر بشكلٍ عميق في اتجاه ومستوى النزعة القومية المعاصرة. إلا أنه تنبغي الملاحظة بالنسبة إلى هذه المجتمعات نفسها، أن المعللات والمطالبات الاقتصادية تظلّ بعيدة عن الظفر بأولوية على المعللات والمطالبات الحقوقية والسياسية والأخلاقية أو الثقافية. وتبقى الفرضية القائلة إن النزعة القومية هي محافظة بشكلٍ أساسي على البنى السائدة في البلاد التي ازدهرت فيها الصناعة قديماً، وهي تقدمية في البلاد النامية الآخذة في التصنيع، فرضية جذابة، إذ لا يمكن قبولها دون تنويهات عدّة وتحفظات كبيرة.

4) ـ المسألة الأخيرة التي لا يمكننا تجنب طرحها إذ هي على علاقة صميمية بالأسس الاقتصادية والاجتماعية للقومية: إنها مسألة أشكال العمل السياسي للقومية.

بهذا الخصوص، هناك اتجاهان رئيسان للبحث يظهران في الدراسة بهذا الخصوص:

أ‌)  ـ هل في بنى وتنظيم الأحزاب القومية خصائص أصيلة قابلة للمقارنة؟

منذ القرن التاسع عشر، وفي البلاد الأوروبية القديمة، كانت المظاهر السياسية للقوى القومية تتجلى ضمن حركات أو مجموعات، أو رابطات، ذات سمات مختلفة جداً عن الأحزاب التقليدية. أما في البلاد التي نالت استقلالها حديثاً، فتشكل فيها جميعاً منظمات جماهيرية ذات إطار متحكم وتطلعات شبه شمولية.

هل ينبغي أن نرى في هذه الوقائع ظاهرة حتمية لا مفر منها، ملازمة لتجسيد الإيديولوجية القومية؟

 ب) ـ هل تميل النزعة القومية بشكلٍ حتمي إلى إقامة مؤسسات سياسية من نوع خاص؟ تجسدت القوميات الأوروبية في القرن التاسع عشر عموماً بشكل معارضة عنيفة تجاه الأنظمة الاستبدادية؛ أما في القرن العشرين فقد كانت على الدوام ضد المؤسسات الديمقراطية البرلمانية.[4] ومن جهة أخرى أدّى انتصار القوميات الجديدة عالمياً إلى إقامة نظام ذي طابع استبدادي، ما دام أن نظام قيمها يولي أهمية أولية لمفاهيم الوحدة والسيادة والقوة (أو الدفاع)، لكن ألا تبدو القومية غير متوافقة مع ديمقراطية ذات نموذج ليبيرالي وتعددي؟

IV ـ بحث في النموذجية

نظراً لهذه العناصر المتنوعة يبدو انه من الضروري منذ الآن إجراء تلخيص وتصنيف لمختلف نموذجيات الظاهرة القومية.

1 \\\\ ـ نموذجية مبنية على الموقع:

من المناسب هنا التمييز بين القومية المناضلة لإنشاء الدولة ـ الأمة، وقومية تتربع على سدة الحكم في هذه الدولة ـ الأمة: بصورة عامة، القومية في المعارضة والقومية في السلطة.

2 \\\\ ـ نموذجية مبنية على تحليل المواقف:

من الممكن التمييز بين قومية مرتبطة بمواقف محافظة وقومية مرتبطة بمواقف الثورة والرفض؛ كما يمكننا التمييز بين قومية مرتبطة بمشاعر الفوقية الجماعية وقومية مرتبطة بمشاعر التهديد، والارتهان والدفاع.

 

3 \\\\ ـ نموذجية مبنية على المعللات العقائدية والإيديولوجية:

يمكن مشاهدة مجموعة كبيرة ومتنوعة مع أطياف وسيطة، فنجد مثلاً: قومية ذات نموذج ليبيرالي، وقومية ذات نموذج استبدادي، وقومية ذات نموذج اشتراكي؛ من جهة أخرى، يمكن أن يُشكِّل الموقف تجاه النظام الاقتصادي والاجتماعي للرأسمالية الليبيرالية عاملاً حاسماً في التفريق، فبعض القوميات تميل إلى تقويته، بينما تميل قوميات أخرى إلى تخريبه أو إلى سبكه ثانية.

4 \\\\ ـ نموذجية مبنية على مناطق حضارية:

فمن الممكن في هذا المجال تحديد وتعريف قومية ذات نموذج غربي، وقومية ذات نموذج عربي، أو قومية ذات نموذج سوفييتي، إلخ ...، توجد كل من هذه القوميات مندمجة في نظام أصيل من القيم الاجتماعية الخاص بنموذج معيّن من الحضارة. والجدير بالملاحظة أنه داخل الجماعة السياسية نفسها يمكن أن تتطوّر نماذج مختلفة من القومية بشكلٍ متوازٍ:

(مثال على ذلك، الدول المغربية التي تبرهن على تعايش قومية ذات نموذج غربي وقومية ذات نموذج عربي؛ فمفهوم الدولة مختلف تماماً وفق هذين النموذجين).

5 \\\\ ـ نموذج مبني على الاعتراف بالحالة الاستعمارية:

من السهل ملاحظة أن قومية البلاد التي خضعت قديماً للاستعمار أو الآخذة بالتحرر، تُبدي ملامَح أصلية مختلفة تماماً عن ملامح القوميات في البلاد غير المُستعمَرَة.

تجسد هذه القومية شعوراً خاصاً جداً من الحرمان أو الارتهان الثقافي أو السياسي والاقتصادي.

يبقى السؤال بمجمله في معرفة ما إذا كان ينبغي التركيز على التخلف أو على الاستعمار بالذات؟ هل يمكن تحويله إلى قاسم مشترك لقومية البلاد المتخلفة وقومية البلاد المُستعمَرَة؟

6 \\\\ ـ نموذجية مبنية على معايير تطوّر تاريخي:

يبدو أنه ينبغي علينا الأخذ بعين الاعتبار وبصورة كبيرة جداً الظروف التاريخية التي تشكلت فيها الدولة الأمة وتكوَّن فيها الضمير القومي.

يمكننا تمييز ثلاث حالات رئيسة في هذا المجال:

ـ حالة البلاد التي تشكلت فيها الدولة ـ الأمة في الوقت نفسه الذي تكوَّن فيه الضمير القومي(مثل فرنسا واسبانيا وبريطانيا).

ـ حالة البلاد التي تكوَّن الضمير القومي فيها بشكلٍ مسبق عن تشكل الدولة ـ الأمة (مثل ألمانيا، وإيطاليا).

ـ حالة البلاد التي فيها أسبقية لبُنى الدولة على تكوّن الضمير القومي بشكلٍ واضح. فينبغي في هذه الحالة إجراء تمييز إضافي بين:

 آ) ـ البلاد ذات تقاليد الدولة القديمة المحلية، حيث بقي فيها الضمير القومي بحالة جنينية لمدة طويلة (مراكش على سبيل المثال).

 

 ب) ـ البلاد ذات بنى دولة حديثة حيث تكون غالباً ذات منشأ أجنبي (كبلاد أفريقيا السوداء على سبيل المثال).

إن قبول هذا الإطار الأخير قد يشير إلى آلية تطوّر ينبغي أن تؤدي بشكلٍ طبيعي إلى مجانسة تدريجية للقوميات، التي تجنح إلى فقدان خصائصها الأصلية المتعلقة بظروف نشأتها الخاصة.

V ـ ازدهار أم أفول القوميات؟

إن المسألة العامة جداً لازدهار أو أفول القوميات في العالم المعاصر تتجاوز إلى حدٍ بعيد حدود بحثنا. إنما لا بد أن نذكر في النتيجة بعض التناقضات الكبرى التي تتلخص ضمنها المظاهر الرئيسة للمسألة.

إن الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية قد أعادت نمو وتطوير ضمير التضامن الدولي، وفي الوقت نفسه اتسع مجال عمل السلطات الدولية. وقد شاهدنا في الفترة نفسها، التزايد الهائل للأمم الجديدة والوصول إلى مستوى الدولة ـ الأمة، قد أصبح بالنسبة إلى عشرات الملايين من البشر رمزاً للرقي والسمو.

 

من جهة أخرى، يميل انحصار أو انتقال السيادة إلى التكاثر. إلا انه قد يكون من المجازفة في شيء، التأكيد على أن فكرة السيادة قد فُرِّغَت اليوم من جزءٍ كبير من محتواها التقليدي. (إن استمرار الدول داخل الكتلة الشيوعية يشكل بهذا الخصوص إشارة مثيرة عن ثبات حيوية الشخصيات القومية).

أخيراً، لا يمكننا نكران أهمية وجود حركات إيديولوجية كبيرة ذات أبعاد عبرـ قومية (عالمية): في العلاقات بين المجتمعات السياسية، أتت التنافسات الإيديولوجية غالباً لتقوية التنافسات الدولية القديمة، وتجاوزتها أحياناً. لكننا في الوقت نفسه شهدنا تراجعاً صارخاً جداً للإيديولوجيات نافية الأمة (واليوم وأكثر من أي يومٍ مضى،، تؤكد أحزاب المؤتمر الدولي الثالث على رسالتها القومية). فلو ظهرت وطنية الكتل لكن لا يبدو أنها تؤثر كثيراً على الوطنية التقليدية التي تتطابق معها.

لكن ألا توشك ديناميكية القومية المعاصرة أن تقودها إلى تجاوز نفسها؟

يمكن طرح السؤال بالنسبة إلى الدول ـ الأمم القديمة في أوروبا الغربية:

اعتبار مصالحها القومية المحددة بمواضيع تقليدية (اهتمامها بالأمن القومي على وجه الخصوص)، ألم يقدها في الخمس عشرة سنة الأخيرة إلى قبول المجموعات الكبيرة العسكرية والاقتصادية ذات طابع غير مسبوق تاريخياً؟

يمكن أيضاً طرح السؤال بالنسبة إلى بعض الدول الحديثة بسبب ميوعة وغموض بعض المفاهيم الإيديولوجية التي تستند إليها: من الدولة ـ الأمة محددة الأراضي إلى مجموعة حضارية كبيرة (مثلاً: من القومية المراكشية إلى القومية العربية مروراً بمحطة مغربية)، أليست هذه المسيرة ممكنة ويتمناها البعض؟... تجاوز القومية بالقومية نفسها؟ تبقى المسألة مطروحة كما غيرها من المسائل حيث لم يبغ هذا التقرير سوى وضع بيان لها.


 

[1] أنطون سعادة نشوء الأمم ليست القومية مجرد عصبية هوجاء أو نعرة متولدة من اعتقادات أولية أو دينية. إنها ليست نوعاً من الطوطمية، أو نعرة دموية سلالية، بل شعور خفي صادق وعواطف حية وحنو وثيق على الحياة التي عهدها الإنسان.

[2] أنطون سعادة نشوء الأمم القومية، إذن، هي يقظة الأمة وتنبهها لوحدة حياتها ولشخصيتها ومميزاتها ولوحدة مصيرها. إنها عصبية الأمة. وقد تلتبس أحياناً بالوطنية التي هي محبة الوطن، لأن الوطنية من القومية ولأن الوطن أقوى عامل من عوامل نشوء الأمة وأهم عنصر من عناصرها. 

[3] المترجمة: يفصل الباحث هنا بين القومية والديمقراطية، وهذا خطأ شائع يقع فيه العديد من الباحثين. وفي كتاب نشوء الأمم لأنطون سعادة نجد: أن إقرار السيادة مستمدة من الشعب وأن الشعب لم يوجد للدولة بل الدولة للشعب. هذا هو المبدأ الديمقراطي الذي تقوم عليه القومية. فالدولة الديمقراطية هي دولة قومية حتماً ويؤكد لاحقاً: وما الدولة الديمقراطية سوى دولة الشعب أو دولة الأمة، هي الدولة القومية المنبثقة من إرادة المجتمع الشاعر بوجوده وكيانه.

[4] تمثيل الشعب هو مبدأ ديمقراطي قومي لم تعرفه الدول السابقة. الدولة الديمقراطية لم تمثل التاريخ الماضي ولا التقاليد العتيقة ولا مشيئة الله ولا المجد الغابر، بل مصلحة الشعب ذي الحياة الواحدة الممثلة في الإرادة العامة، في الإجماع الفاعل، لا في الإجماع المطاوع، نشوء الأمم أنطون سعادة.