العدد الثاني عشر - حزيران 2006

اسرائيل تتجاوز الحدود النووية

نشرة علماء الذرّة/ ترجمة الدكتورة ماري شهرستان
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

في ايلول من عام  1969, تمَّ تسليم مغلف بني كبير إلى المكتب البيضاوي باسم مدير الـCIA ريتشارد هيلمز, وقد كُتِبَ عليه "إلى.... ويُفتَح فقط من قِبَل الرئيس في البيت الأبيض".

لا يزال محتوى الغلاف مجهولاً, لكن من المحتمل انه كان يحتوي ادق المسائل السياسية سرية في واشنطن: وهي: "برنامج اسرائيل النووي".

كانت المادة حسّاسة لدرجة ان رئيس قسم التجسس في الأمة, كان غير قادر على دراستها إلا مع الرئيس نيكسن نفسه. اما الآن, المغلف فارغ ومحفوظ في مغلفين عليهما العنوان: NSSM 40  ضمن الأرشيف القومي في الميريلاند. والـNSSM  تعني  مذكرة دبلوماسية- لدراسة الأمن القومي. وهي سلسلة من الدراسات اجراها الأمن العام في البيت الأبيض في زمن ولاية نيكسن. وهذه المصنفات الأربعين هي فارغة!

لكن بعد الاضطلاع على بعض الوثائق واجراء بعض المقابلات مع الوجوه الأساسية في تلك المرحلة, فإننا نعرف الآن ان الـNSSM 40 كانت جهود إدارة نيكسن للسيطرة على تسلح اسرائيل النووي.

توفر هذه الوثائق مشهداً غير مسبوق في زمن التداولات في البيت الأبيض لعام 1969, وهي مفصل هام وحرج في التاريخ عندما كانت المصادقة على معاهدة وقف التسلح النووي (NPT) غير مؤكدة وغير ملزمة, وعندما كان صنّاع السياسة الأمريكان يخافون من اشتعال فتيل احداث في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى صراع بين القوى العظمى. ولا تزال تشعبات قرارات إدارة نيكسن غائبة عنا حتى اليوم.

لقد بدأ برنامج اسرائيل النووي قبل عشر سنوات من وصول المغلف البني إلى مكتب نيكسن. وفي عام 1958, بدأت اسرائيل, بشكل ٍ سري, بناء ما اصبح يسمى بعد ذلك مفاعل ديمونا النووي. وقد قدَّرت الCIA ان اسرائيل بإمكانها ان تُنتج اسلحة نووية في غضون عشر سنوات.

شكل هذا الاكتشاف تحد ٍ صعب لصّناع السياسة في الولايات المتحدة: فبعد مرور خمسة عشر عاما فقط على المحرقة اليهودية, وفي منطقة لا يوجد فيها قوانين الحد من التسلح النووي بعد, إعتقد مؤسسو اسرائيل ان لديهم حالة تفرض عليهم امتلاك اسلحة نووية. فمن وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية, كانت اسرائيل تُعتَبَر دولة صغيرة وصديقة, مع انها خارج حدود المعاهدة الأمريكية الشكلية, او الضمانات الأمنية, ومُحاطة باعداء كثر يريدون تدميرها. بهذا المعنى, تمتعت اسرائيل بدعم فريد من نوعه, دعم اهلي وقومي في الولايات المتحدة.

فإذا كانت امريكا غير قادرة رسمياً على تامين سلامة حدود اسرائيل, فكيف يمكن لها ان تنكر على اسرائيل دفاعاتها القصوى؟

وقد راى كبار الموظفين ان برنامج اسرائيل النووي يشكل تهديداً قوياً لمصالح الولايات المتحدة. لقد كانت مخاوف كنيدي من انه إذا لم يكن هناك عمل عالمي حاسم للحدّ من تكاثر الأسلحة النووية, فإن العالم سيشهد حتماً من 20- إلى 30 دولة نووية في غضون عقدين او ثلاثة. وكانت اسرائيل قد بدأت بذلك في الفترة الواقعة بين عدم مراقبة التسلح النووي في الماضي وبين ظهور الحد من هذا التسلح.

فإذا كانت الولايات المتحدة لا تستطيع ان تؤثر على اسرائيل الصغيرة كي لا تتسلح نووياً, فكيف يمكنها ان تُقنع الألمان والأمم الأخرى بألا يمتلكوا القنبلة؟

وقد وضعت إدارات كنيدي وجونسون مخططاً معقداً لمراقبة مفاعل ديمونا سنوياً, وذلك للتحقق من ان اسرائيل لن تطوِّر اسلحة نووية. لكن الاسرائيليين كانوا بارعين في إخفاء نشاطاتهم. وفي نهايات 1966, توصلت اسرائيل إلى امتلاك القدرة النووية مع انها قررت الا تقوم بتجربة ذرّية.

وعندما زار ليفي أشكول, رئيس وزراء اسرائيل, الرئيس ليندن جونسن في كانون الثاني 1968, كان رأي الإدارة الرسمي, انه بالرغم من تطور قوة القدرة النووية الاسرائيلية, فهي لم تضع برنامجاً لانتاج الأسلحة النووية. وقد ظهر هذا التقييم في الأشهر اللاحقة.

وفي تشرين الثاني 1968, خاض بول وارنكي, سكرتير الدفاع للأمن العالمي, مفاوضات مكثفة مع السفير الاسرائيلي ومع رئيس الوزراء المقبل اسحق رابين. وكانت النتيجة: بيع فانتوم F4  طائرات حربية لاسرائيل.

وكان نصّ معاهدة الحد من التسلح قد اكتمل وسلم للدول كي توقع عليه. واعتقد الامريكان ان الـF4 تؤمن دافعاً يسهل الطريق على امريكا كي تجعل اسرائيل توقع على الـNPT. لكن كان واضحاً ان المفاوضين الاثنين اتوا إلى طاولة المفاوضات بافكار ٍ مختلفة تماماً.

وكانت اسرائيل قد وعدت سابقاً انها لن تكون اول دولة تُدخل الاسلحة النووية إلى الشرق الأوسط. لكن كيف يتم تعريف وتحديد كلمة "إدخال؟"

بالنسبة إلى وارنكه, إن الوجود الحقيقي والملموس للأسلحة النووية يفسِّر فعل "الإدخال". فقد قال رابين مبرراً, انه كي يتم إدخال الأسلحة النووية, تحتاج اسرائيل إلى اختبارها وإعلانها للعامة. فبهذا المعيار, ظلت اسرائيل مخلصة لوعدها.

وعندما سمع وارنكه Warnke رواية رابين, تأكد ان اسرائيل قد امتلكت القنبلة امتلاكاً تاماً.

اما مسألة: ما العمل بهذه القنبلة الاسرائيلية؟ فقد غاب هذا الموضوع عن بال نيكسن عندما دخل المكتب بعد ثلاثة أشهر.

ظاهرياً, كان واضحاً ان إدارته عندها رؤى مختلفة عن سابقتها الديمقراطية. وكان لدى فريق نيكسن في البدء شكوكاً بالنسبة إلى فعالية وقبول اسرائيل بالـNPT.

 

وكان مورتون هاليبيران, الذي عمل في مجلس الأمن القومي, قد أثار الإحساس بالقلق ونبّه لمراقبة الأسلحة, وإلى التساؤل عما إذا كان الرئيس الجديد سيدعم المصادقة على معاهدة الحد من التسلح.

وعندما ذهب هو وحليفه سبورجون كيني إلى مستشار الامن القومي في اللوبي وهو هنري كيسينجر, وحدثوه عن المسألة, قال لهم بصراحة, ان أي بلد لديه مشاكل أمنية عظمى, سيحاول ان يحصل على القنبلة, وينبغي على الولايات المتحدة الا تتدخل في ذلك. وفي هذه الأثناء, كان موقف الضباط الاسرائيليين قد زاد تصلباً, فقد سجل رابين في مذكراته, انه يعترف ان إدارة "جمهورية" قد تكون اكثر تعاطفاً مع احتياجات الأمن الاسرائيلي, بما فيها الحقل النووي, من إدارة جونسن.

اما نيكسن وكيسينجر فقد كانا في البدء ميالَين لتكييف الطموحات الاسرائيلية النووية, وكان ينبغي عليهما إيجاد طرق لإقناع البنتاغون الذي كانت وجهات نظره مختلفة. فالوثائق التي هيئت في الفترة بين شباط ونيسان 1969, تدل على إحساس عال ٍ بالخطر بالنسبة إلى النمو النووي الاسرائيلي. وقد كتب هنري اون, رئيس مجلس التخطيط السياسي في الدولة, إلى سكرتير الدولة وليام روجرز, ما يلي: تدل التحريات على ان اسرائيل تطوِّر بسرعة قدراتها من اجل انتاج ونشر أسلحة نووية, وصواريخ ارض- أرض وصواريخ جوية.

ولما كان الاسرائيليون يعلمون أثر وردود الأفعال التي تنجم عن نشر مثل هذا الخبر, فضلوا العمل بشكل ٍ سري على برنامجهم النووي إلى حين يقرروا بانفسهم نشر الأسلحة.

في اوائل نيسان, أعلن جوزف سيسكو, مسؤول مساعد لشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا, عن وجود شك ٍ بسيط بان هناك ضوء أخضر قد أُعطيَ للتقنيين الاسرائيليين كي يطوِّروا قدرة لبناء قنبلة. لقد كان لدى اسرائيل كل المكونات من اجل امتلاك سلاح يكون في يدها, لكنها تنتظر فقط اختبارها.

كل المعلومات اليوم تدل على ان اسرائيل قد اشترت كميات هائلة من اليورانيوم (مثل قضية بلومبات عام 1968, وهي نقل كميات كبيرة من الصفائح الصفراء من بلجيكا إلى اسرائيل). كما انها كانت قد اجرت تجارباً وتدريبات جوية نووية, وقامت بتطوير متقدم وتهيئة لنشر صواريخ Jerico, وصنعت نسخة اسرائيلية للصواريخ الفرنسية  MD-620  البالستية.

الحقيقة لم يكن الامريكيون متأكدين ما إذا كانت اسرائيل على بعد أيام او حتى ساعات من تجميع وبيع اسلحة نووية.

وهذا ما نبّه إليه كبار الموظفين, وقد كتب ليردLaird بصدد هذا الموضوع:

"هذه التطورات ليست في مصلحة الولايات المتحدة وينبغي إيقافها إن امكن".

ولم يكن سيسكو متاكداً تماماً من الزمن والكيفية التي ستختارها اسرائيل لإظهار السلاح النووي, لكنه مقتنع ان اسرائيل مسلحة نووياً, قد يكون لها عواقب خطيرة على امريكا, مثل ازدياد التوتر العربي الاسرائيلي, مع احتمال خطورة اكبر لمواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

اما العرب فكانوا قد يئسوا من عملية السلام, ومن تشجيع تكاثر السلاح النووي في العالم العربي ومناطق اخرى من العالم. في هذه الاثناء كان ليرد يعتقد ان على الولايات المتحدة ان تتخذ تدابير جدية لإيقاف اسرائيل عن متابعة تسلحها النووي, كاسلوب العصا والجزرة. لكن سيسكو كان اكثر واقعية في الرأي الذي كوَّنه حول إدارة نيكسن وامكانيتها فعل ما ينبغي عليها فعله, كأن تقول امريكا لاسرائيل بان طموحاتها النووية قد تسبب تغييراً اساسياً في علاقة الولايات المتحدة بها مما قد يؤدي إلى نزاع سياسي. والتدابير متوسطة الأبعاد, مثل تسليم الأسلحة كمعيار, قد تكون اساليب غير مجدية.

ربما اكثر الأحداث سرية في هذه القصة (وربما من كل سيرة إدارة نيكسن باكملها) هي مقابلة انفرادية جرت بين نيكسن وغولدا مائير في المكتب البيضاوي في ايلول 1969. وفي هذا الوقت نفسه, كان كيسينجر يقابل رابين وروجرز, اما كبار الموظفين فلم يعلموا شيئاً عن هذه المقابلة.

وقبل يوم واحد من زيارة غولدا مائير, صرَّحت الدولة انه قد فات الآوان لدفع اسرائيل باتجاه قبول التوقيع على معاهدة عدم امتلاك اسلحة نووية. وتدل الوثائق المسجلة عن مقابلة مائير على ان اسرائيل سوف تمتلك قنبلة نووية في القريب العاجل, وهي تمتلك بشكل ٍ اكيد القدرة التقنية والمواد اللازمة لانتاج القطع الأساسية لعدد من الأسلحة, هذا يعني ان الأحداث قد تجاوزت الـNSSM 40. اسرائيل تمتلك إذاً اسلحة نووية وهذا تطوّر اراد الدفاع الأمريكي احتواءه. وكانت دوائر المخابرات قد اكدّت ان اسرائيل تمتلك عدة نماذج من MD-620.

من المحتمل ان يكون كيسينجر قد طلب من مكتب الأمن القومي إعادة النظر في الخيارات السياسية تجاه برنامج اسرائيل النووي. وان يكون هالبرين وهارولد قد لعبا دوراً اساسياً في رفع تقرير الـNSSM 40 ليوقع عليه كيسينجر.

National, Security, study Memorandom

اما بالنسبة إلى مكتب شؤون الدولة, فإن اسرائيل نووية تعرِّض مصالح امريكا للخطر, ليس لأنها ستُعرَف فقط بانها قوة نووية, بل لأن امريكا ستكون مسؤولة امام غالبية المجتمع الدولي وستظهر على انها غير عادلة وتكيل بمكيالين. فلذلك, تم نصح نيكسن بالضغط على مائير للتأكد من ان اسرائيل لن تمتلك اسلحة نووية وانها ستوقع على الـNPT وانها لن تنشر صواريخ. لكننا لا نعلم إن حاول القيام بذلك ام لا, حتى لو كان موافقاً لوجهة نظر مجلس الدولة.

وظلت محادثات مائير- نيكسن سرّية وقد صرّحت مائير لاحقاً: "لم استطع ان أروي ذلك في حينه, ولا استطيع ان أرويه الآن."

لكنها منذ 1960 كانت تعتقد ان اسرائيل ينبغي عليها ان تقول الحقيقة للولايات المتحدة بخصوص الموضوع النووي.

وقد أشار رابين في مذكراته ان محادثات مائير- نيكسن كانت حسّاسة جداً وكانت التفاهمات غير تقليدية وغير مسجلة؛ كان بعضها عن العمليات والاتصالات وعن قنوات الاتصال المباشرة بين المكاتب لحصر أعمال السياسة الخارجية, لكن أدق المحادثات كانت تلك المتعلقة بالموضوع النووي.

رغم ان التسجيلات ظلت سرية لكن توقعها ممكن: فمن المرجح ان يكون نيكسن قد بدأ بطرح المواضيع الحساسة والمتعلقة بالبلدين, وان تكون مائير قد اعترفت بشكل ٍ ضمني ان اسرائيل قد توصلت لامتلاك قدرات نووية وانه من غير المعقول ان تدخل في موضوع التوقيع على الـN.P.T..

بعد مرور سنوات, قال نيكسن للاري كينغ, مذيع الـCNN انه كان يعلم ان اسرائيل تمتلك القنبلة لكنه لم يصرِّح عن المصدر. والأرجح ان تكون مائير قد اخبرت نيكسن بأن خيار اسرائيل الأخير هو الأسلحة النووية, وذلك للوقاية من رعب الهولوكوست.

وبعد مغادرة مائير وقولها ان اسرائيل ستنتج اسلحة نووية خلال ثلاث سنوات, جاوب رابين على اسئلة لتوضيح محادثة مائير- نيكسن, وذلك عام 1969, حيث ورد في مذكراته الأسئلة بين مائير ونيكسن:

سؤال: هل سيؤكد لنا الاسرائيليون بانهم لن يمتلكوا اسلحة نووية؟

جواب: اسرائيل لن تمتلك قدرة نووية.

سؤال: هل اسرائيل مستعدة للتوقيع على الـNPT؟

جواب: الحكومة الجديدة ستاخذ بعين الاعتبار الـNPT.

وقع بعد ذلك كيسينجر على ستة صفحات وجهها إلى نيكسن فيها التحاليل والتبعات السياسية لاقتراحات رابين إلى الولايات المتحدة. لم يفهم كيسينجر, لماذا تفضل اسرائيل التأكيد على انها لا تريد ان تكون قدرة نووية, بينما ترك موضوع الامتلاك النووي جانباً.

عندما سألتُ رابين: كيف يمكن لأمة ان تحصل على طاقة نووية دون امتلاك اسلحة نووية؟ فقال ببساطة: انهم يفضلون صيغهم!

مهما كان رأي رابين مبهماً, كان رأي كيسينجر ان على نيكسن القبول به كالتزام اسرائيلي خاص على انه كلام ينبع من الـNPT ويبدو وكأنه توكيد يتناسب مع المادة الثانية من المعاهدة, حيث فيها توافق الدول غير النووية بألا تصنع او تمتلك أسلحة نووية. وافق نيكسن على هذه التوصية, اما بشان الـNPT فقد أبدى كيسينجر عدم تأكده من تمام المضمون حول لقاء نيكسن- مائير, حيث تكون السيدة مائير قد قامت بالتزام لك َ بشكل ٍ خاص ربما يعطي اهمية لهذا الموضوع.

توصيته, وقد وافق عليها نيكسن, هي القول لرابين ان الرئيس يتمنى ان تقوم السيدة مائير بمجهود شخصي جبار لكسب موافقة الحكومة بشان الـN.P.T..

في 15 تشرين الأول, أصر السفير ريتشاردسن رسمياً على الأسئلة الثلاثة التي تم طرحها في 29 تموز. وكرر رابين ما قاله لكيسنجر مفاده يعني "الانتقال من بلد لا يمتلك اسلحة نووية إلى بلد الأسلحة النووية. يبدو ان اللغة القاسية التي استعملها ريتشاردسن وباكار في تموز لم يكن لها أي أثر. لقد ضربت اسرائيل بعرض الحائط بكل لغة تلامس امتلاكها للأسلحة.

عندما راسل كيسينجر نيكسن, حاول ان يجد جواباً إيجابياً في لغة رابين يحدِّد فيها الإدخال, لأنه كان يعتقد ان ذلك مواز ٍ لتمييز الـN.T.P. بين دول ممتلكة سلاحاً نووياً وبين دول غير ممتلكة له. وهذا يسمح لواشنطن ان تبقى على علم ٍ وتسجَّل تأكيدات اسرائيل بانها سوف تبقى دولة غير نووية كما معرَّف ذلك في الـN.P.T..

مثل هذه التاكيدات, قد تضع في سجلنا الداخلي أرضية صلبة, وهذا يعني انهم قد ينهون الجدل والنقاش داخل الإدارة بالضغط على اسرائيل.

وقال كيسينجر ان واشنطن قد دفعت بالموضوع الاسرائيلي النووي إلى "أبعد مدى ممكن لأن يكون بناءً" بينما كان اعضاء من الحكومة لا يزالون يرون امكانية تجديد الضغط على اسرائيل كي توقع على الـN.P.T., كان كيسينجر ينتظر جواب اورشليم على الولايات المتحدة, رداً على اسئلة حول المعاهدة.

في 23 شباط 1970 ذهب رابين وحده ليرى كيسينجر في مكتبه, ليعلمه ان ريتشاردسن قد كلمه هاتفياً عن موضوع الـN.P.T. وانه يريد للرئيس ان يعلم على ضوء محادثات نيكسن- مائير في ايلول, ان "اسرائيل ليس في نيتها التوقيع على  الـN.P.T." ويقول رابين ان كيسينجر قد كتب:"نريد التاكيد انه ليس هناك سوء فهم في البيت البيض بالنسبة إلى نوايا اسرائيل وميولها", وان واشنطن لن تقيم أي ترابط بين الـN.P.T. وبين بيع الأسلحة لاسرائيل. وقد انهى كيسينجر مذكراته قائلاً:"لقد كنتُ غامضاً مجانباً وقلتُ له ان الرسالة قد تُنقَل إلى الرئيس".

وبذلك, وطيلة عقد كامل, انتهت جهود الولايات المتحدة لتغيير برنامج اسرائيل النووي.

عوِّضَ عن هذه الصفقة بتفاهمات على مستوى عالي قادت سلوك اسرائيل منذ ذلك الحين.

والقليل الذي يُعرَف اليوم عن قصة الـNSSM 40 لا يدهشنا. إذ ان التعامل مع الطموحات النووية الاسرائيلية كان شائكاً إن بالنسبة لإدارة نيكسن ام لسابقيه, لأنها كانت مجبرة على التعامل مع المسالة في الوقت الحرج عندما ظهرت اسرائيل انها تجاوزت العتبة النووية. وفوق ذلك, نيكسن وكيسنجر لم يصْدقا ولم يعْدلا في عالمية الـN.P.T., فالـNSSM 40  قد سمح لهما بإنشاء "سجلاً دفاعياً".

لقد استخدم كيسينجر الـNSSM 40 كاسلوب لحفظ السيطرة على الموظفين الكبار الذين أرادوا ان يعملوا ويفعلوا في هذه المسألة. اما الموظفون الأدنى, والعاملون في الـNSSM 40, فقد اعتقدوا ان الموضوع الاسرائيلي النووي كان مفتوحاً فحاولوا سدىً إجراء تحريك للقيام بمراقبة او للقيام بزيارة لمفاعل ديمونا.

اما سياسياً, فإن اتفاق نيكسن - مائير, سمح لهذين القائدين الاستمرار بسياستهما العامة دون ان يُجبرا على الاعتراف العلني بالواقع الجديد. فطالما ان اسرائيل تبقي برنامجها النووي, وقنبلتها في سرّية تامة, ولا تقوم باي اختبار, ولا أي إعلان, ولا أي عمل ٍ ظاهر ٍ يبيّن مقدرتها, او يغيّر الوضع, فإن الولايات المتحدة يمكنها العيش مع وعد اسرائيل "بعدم الإدخال".

في جلسة المؤتمر عام 1975, رفض مكتب الدولة ان يوافق الـCIA على تقديراتها بان اسرائيل تمتلك القنبلة.

مع مرور الزمن, اصبحت محادثة نيكسن - مائير للتفاهم اساساً متيناً لتحالف ٍ هام ودراماتيكي, مترافق بنظام صارم لكن سرّي, من السلوك انتمى إليه الاثنان. لقد خلق التحالف موقفاً: "لا تسأل, ولا تقل" لقد اعطت الولايات المتحدة مستوى من الغطاء السياسي في المؤتمرات الدولية

للـN.P.T., كما اصبح سلوك ومواقف الولايات المتحدة - واسرائيل تلازمها السرية والمحرمات وعدم الاعتراف.

حتى هذا اليوم, كل الحكومات الاسرائيلية, سواءاً اكانت من اليسار او من اليمين, كانت صادقة في حفظ السر فيما يتعلق بنشاط الأسلحة النووية, وقامت جميعها بمجهود ٍ كبير لتتحقق وتؤمِّن ان لا شيء مرئي, لا سياسياً, ولا تقنياً, ولا عسكرياً, ولا أي شيء آخر. لقد اتخذت اسرائيل قرارات صارمة بألا تُعلِن عن أي حقيقة او كلمة عن قدرتها النووية حتى في احلك ساعاتها عام 1973, في يوم الغفران, أي حرب تشرين التحريرية.

إن اتفاق نيكسن - مائير عام 1969, هو الآن مثلب مثقل ومحرج تجاه القيم المعاصرة للشفافية والمسؤولية, ولأن وضع اسرائيل النووي ليس محرم الكلام عنه فقط, او انه في سرية تامة ومتناقض تاريخياً, إنه غير متلائم مع المواقف الليبيرالية الديمقراطية الحديثة ومحرج لها. تحتاج اسرائيل إلى طريقة أفضل لمعالجة قضاياها النووية داخلياً وخارجياً. والاتفاق بحد ذاته مخجل بالنسبة إلى الولايات المتحدة ليس فقط لأنه غير متوافق مع قيمها في الانفتاح والمسؤولية, بل ايضاً لأنه يثير احتجاجات على التعامل بمكيالين في سياسة الحد من التسلح النووي.

ومن الملفت للنظر ايضاً ملاحظة الاختلاف عند إجراء مقارنة بين مواقف ادارة نيكسن تجاه اسرائيل عام 1969 وبين الاسلوب التي حاولت واشنطن التعامل به مع الهند عام 2006. فمهما كان التفاهم النووي المقترَح فيه إشكالية مع نيودلهي, لكنه يوفر مجهوداً للتعامل بشكل ٍ علني ومكشوف مع الموضوع افضل من تداوله بشكل ٍ سري.

بدون الاعتراف بوضع اسرائيل النووي من قِبَل اسرائيل نفسها وباقي العالم, ومناقشة شرق اوسط خالي من الذرة, او حتى إدخال اسرائيل في نظام الـN.P.T., لا يمكن مناقشة الموضوع بشكل ٍ صحيح. حان الوقت لتفاهم جديد من اجل إعادة النظر في تفاهمات نيكسن - مائير 1969, وكي تعترف اسرائيل بالحقيقة وتقوم بتطبيع قضاياها النووية.