العدد الثاني عشر - حزيران 2006

مؤتمر التراث السرياني الحادي عشر

أَعدَّ الملف: غسان كَجّو / نورا السَّيد
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

ضمن احتفالية حلب عاصمة الثقافة الإسلامية للعام 2006، ولمناسبة مرور 1700 سنة على ولادة الشاعر مار أفرام السرياني السوري، انطلقت فعاليات مؤتمر التراث السرياني الحادي عشر في حلب الذي ينظمه مركز الدراسات والأبحاث المشرقية في لبنان ومجلس رؤساء الطوائف المسيحية في حلب.

وقد شاركت فيه فعاليات وشخصيات سياسية وروحية وعلمية رفيعة، سورية لبنانية وعربية وعالمية، تحت رعاية كريمة من الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية ممثلاً بوزير الثقافة الدكتور رياض نعسان آغا وبإشراف مباشر من نائب رئيس الجمهورية العربية السورية للشؤون الثقافية الدكتورة نجاح العطار وبمشاركة وحضور ممثل وزير الثقافة اللبناني الدكتور طارق متري، وقداسة البطريرك مار زكا الأول عيواص بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق والرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم ممثلاً بطراكية الشرق، والمدير العام لاحتفالية حلب السيد محمد قجّة.

حفل الافتتاح بعد النشيد العربي السوري ألقى الأب بطرس عازار كلمة رحب فيها بالحضور، وألقى السيد محافظ حب كلمة جاء فيها أن حلب حينما تستقبل المؤتمر الحادي عشر للتراث السرياني تحت عنوان مار أفرام السرياني شاعرٌ لأيّامنا فإنها تستحضر إحدى الصور المشرقة لهذا التاريخ العريق... هذا المؤتمر السرياني يأتي ليؤكد الدور الحضاري الذي لعبته حلب عبر تاريخها وكانت خلال هذا التاريخ جزءاً من حضارة واسعة... وحينما تحتضن مدينة حلب هذا المؤتمر فإنها تؤكّد عمق التواصل والتفاعل والتكامل.

,ألقى قداسة البطريرك مار اغناطيوس زكا الأول عيواص بطريرك إنطاكيا وسائر المشرق والرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم كلمة بطاركة الشرق منوّهاً بهذا الحدث الكبير الذي يربط تاريخ سورية وإنجازات حضارتها القديمة بسورية الحديثة المتجددة ورأى في استحضار مار أفرام وتراثه الغنيّ في إطار سنة الثقافة الإسلامية المحتفى بها في حلب رمزاً لممارسة الحرية في سورية وللتآخي القائم بين المسلمين والمسيحيين والتعايش السلمي الخلاّق بين مكونات المجتمع....

وألقى الأب شربل البلعة رئيس مركز الدراسات والأبحاث المشرقية كلمة المنظِّمين دعا فيها جميع المهتمين بهذا التراث السرياني إلى تحقيق نهضة فكرية وعلمية وروحية تعبر عن تطلعاتنا كعرب ومشرقيين وغربيين في إنتاج فكر عالمي متنوع يحقق العدل والأخوة والسلام.

وألقى الأستاذ رامز أسبر ممثل وزير الثقافة اللبنانية كلمة وزير الثقافة اللبنانية د. طارق متري التي جاء فيها يسعدني أن أُعبرّ باسم وزارة الثقافة في لبنان وباسمي شخصياً، عن أسمى معاني التقدير للطائفة السريانية الكريمة التي شكّلت، في تاريخ العرب والعروبة، السدى واللحمة في غير مجالٍ من مجالات الحضارة والثقافة، ولا سيما في مجال التعريب والطب والرياضيات والفلك.

وألقى الدكتور رياض نعسان آغا وزير الثقافة في الجمهورية العربية السورية ممثل راعي الاحتفال كلمة ارتجالية قال فيها:

إن حلب تقدم في هذه الليلة نموذجاً متجدداً أمام العالم كله. أرجو أن تتأمله كل حضارات العالم، تقدم نموذجاً للتنوع الثقافية وللتعددية وللتفاعل الحي الخلاق بين الثقافات والحضارات جميعاً. كما تؤكد على أن الثقافة الإسلامية ليست ديناً وإنما هي وعي مشترك، حفاظ في إطار يتسع لكل عطاء. رحابة لا حدود لها. وكما قلتم ثقافة بلا حدود. فأما الأديان فكلها تتجه إلى إله واحد، إلهنا وإلهكم واحد. إله البشرية كلها له نتوجه في كل صلواتنا، ندعوه أن يديم علينا نعمة هذا التعايش المفعم بالمحبة، المليء بالتسامح، المنفتح على الآخر، القابل للحوار، المتطلع ليس إلى وطننا فقط وإنما إلى الإنسانية جمعاء. فنحن جميعاً أصحاب رسالة هي ذاتها الرسالة التي حملها شاعر سوري سرياني آرامي تنتمي إليه أمتنا هي ذاتها هذه الحضارة التي تحدث عنها في أناشيد الصوم وفي نداءات الروح التي أطلقها فبقيت صالحة لأيامنا رغم مرور هذه القرون.

إنه شاعرنا أيها الإخوة وكل عطاء آرامي سرياني هو عطاء شعبنا، هذا الشعب الذي يحتضن كل الثقافات.

ثم ألقى الملفونو أبروهوم نورو مقاطع من قصيدة الفردوس لمار أفرام كما تلا المونسينور أنتراينك أيفازيان نداءً وجهه باسم المؤتمرين البروفسور الفرنسي (آلان ديرومو) ننشره بنصه الكامل لأهميته:

نداء آلان ديرومو

إنّها مناسبة فريدة ونحن مجتمعون في حلب، في ذكرى مرور 1700 سنة على ولادة مار أفرام النصيبينيّ، ضمن احتفاليات حلب عاصمة الثقافة الإسلامية، لنعلن تعلّقنا باللغة السريانية ولنعبّر عن عرفان جميلنا لكلّ ما حملته السريانية لسوريا ولبلاد الرافدين، كما لآسيا وأوروبا قاطبة.

السريانية لغةٌ عريقة. متجذّرة في التاريخ الآرامي القديم، بقيت تعبيراً مدهشاً وفريداً للإبداعات الفلسفية واللاهوتية والطبية والعلمية واللغوية لأكثر من خمسة عشر قرناً تاركة بصماتها على تاريخ العالم. وما زالت هذه اللغة، اللغة الأم للعديد من البيوت والقرى في أماكن شتّى وحتى أيّامنا هذه. فالبشرية مديونةٌ لهذا التراث الفكري والروحي.

لهذا، نطلق نداءً رسمياً إلى القادة أصحاب القرار وإلى المسؤولين عن الثقافة والتربية في بلداننا ليصبحَ تعليمُ اللغة السريانية وآدابها جزءاً لا يتجزّأ من برامجنا الجامعية وأن يصار إلى طباعة ودراسة ونشر أعمال هذا الأدب السرياني الفريد.

وهناك لهجات ولغات خرجت من الآرامية والسريانية. هي أكثر وارثة لهذه الحضارة والشاهد الحيّ لها في العالم المعاصر. لهذا فهي عن جدارة تستحق أن يُحافظ عليها بحثاً وتعليماً.

نناشد السلطات المختصة لدى الأونسكو أن تعطي لنفسها الوسائل الكفيلة من أجل تطوير هذه الدراسات وإبراز قيمة هذه الآداب وإعلانها تراثاً عالمياً للبشرية.

ومن جهتنا، نلتزم بأن نطوّر هذا التعليم بحسب أرفع المتطلّبات الجامعية، وأن نشارك في كلّ مجهود يُساهم في نشرها وإيصالها إلى أوسع الفئات من الشعب.

ونلتزم بأن نساعد الجماعات والقيّمين على هذا الغنى الحضاري السرياني كي يستمرّوا في حماية وحفظ وإصلاح ونشر ما بين أيديهم من المخطوطات المثقلة بغنى هذا الإرث الحضاري العريق من الآداب والتقاليد الطقسية والأوابد التاريخية العظيمة.

ونلتزم بأن نساند مجهودهم لإبراز هذا الإرث ودراسته وحمايته من كلّ استغلالٍ ومتاجرة من أجل إشعاعٍ فكريّ وروحيّ يتوخّى تقدّم العلم والمعارف.

بعد ذلك اختتم حفل الافتتاح بترانيم أفراميَّة أدتها جوقة كاتدرائية مار إلياس المارونيّة.

من هو مار أفرام السرياني السوري

مثال الوطنية والعلم والقداسة ومن ألقابه شمس السريان وكِنَّارة الروح القدس وملفان الكنيسة والناسك والشماس والشاعر.

ولد مار أفرام في مدينة نصيبين[1] (مقابل مدينة القامشلي اليوم) في الولاية السورية من الإمبراطورية البيزنطية. حيث كان سكّان المدينة القدماء يدينون بالمجوسية واعتنقوا النصرانية بكرازة ماري تلميذ أدّي رسول الرُّها.

وتحديداً في بيت (عَرَبَايا) برأي المؤرخين العرب واختلفت الروايات حول سنة ولادته فبعضهم قال سنة 300 للميلاد وقال غيرهم سنة 203 وغيرهم 306، وهذا ما يذهب به المستشرقون. واختلفوا في تحديد دين الوالدين فبعضهم يرى أن أباه كان رهاوياً وكاهناً للمجوس، وأن أمه كانت مسيحية من (آمِدْ) وحين علم والد أفرام بميل ابنه الشاب إلى المسيحية غضب وطرده من البيت فلجأ إلى يعقوب أسقف المدينة وتتلمذ له. والرأي الأرجح أنه ولد من أبويين مسيحيين لأن الرُّها قَبِلَتْ الدين المسيحي حوالي 50 ميلادية والبعض يقول في أثناء حياة يسوع الناصريّ المسيح نفسه، فكيف يكون والد أفرام رهاويّاً ووثنيّاً؟ بعد 300 سنة من شيوع المسيحية فيها وقبل سنوات قليلة من إعلان الإمبراطورية الرومانية المسيحيةَ ديناً رسمياً للدولة.

وقد ذكر مار أفرام في إحدى قصائده أن والديه ثقفاه في الإيمان المسيحي وأدباه بتقوى الله وقال إن اسم أبيه كان يوسف.

دخل أفرام مدرسة نصيبين الشهيرة وسرعان ما لفت إليه الأنظار بجده وذكائه وفضيلته. وبعد أن بلغت أخباره مار يعقوب أسقف المدينة اتخذه أميناً لسره وشمّاساً لخدمته وعينه في ما بعد أستاذاً في مدرسته. ونال أفرام إعجاب راعيه بتفوّقه وحصافته بحيث حسب قول البعض، اصطحبه معه إلى المجمع النيقاوي المسكوني سنة 325.

وظل أفرام معلماً في جامعة نصيبين طيلة ثمان وثلاثين سنة. كانت هذه الحقبة زاخرة بنشاطه الأدبي والروحي، وأيضاً بالنزاعات والحروب بين الفرس والبيزنطيين وبحكم موقعها على الحدود بين الدولتين الكبيرتين، ولهذا سميت نصيبين بمدينة (الحدود)، نالها الكثير من أهوال الحصار والمجاعة والحروب.

وفي سنة 363 قام يوليانس الجاحد بحمله على المدن الفارسية انتهت بكارثة حربية اضطر على أثرها الإمبراطور جوفيان خلفه (363 ـ 364) إلى أن يعقد مع شابور الثاني (309 ـ 379) صلحاً مشيناً ترك فيه لأعدائه فيما ترك مدينة نصيبين.

حالما وصل الساسانيون نصيبين غادرها مار أفرام إلى الرها ومنها إلى مصر حيث تتفق الروايات أنه قضى فيها حوالي ثماني سنوات، وأنه عرّج على قيصيرية قبدوقية حيث ألتقى بأسقفها مار باسيليوس الكبير، ومنها عاد إلى الرُّها وثمة روايات تؤكد أنه خاطب القديسة جينفياف شفيعة باريس ورجاها أن تصلي له.

تأثر شعر مار أفرام السرياني بأنماط الشعر السومري والآكادي وخصوصاً في المحاورات التي يدعي بعض الباحثين ممن لم يتعرفوا إلى أنماط الشعر السوري القديم، أنه نحلها عن المحاورات الأغريقية السائدة في الأدب اليوناني العتيق ويرى البعض أن شعر مار أفرام السرياني لم يعرف القافية في حين أنه كتب قصيدة مؤلفة من ست عشرة بيتاً مقفى قافيته بالسريانية مفعولاً مطلقاً وبهذه القصيدة يكون قد سبق أقدم قصيدة عربية عرفت نظام القافية بقرنين من الزمان نعني بها معلقة أمرئ القيس.

كتب مار أفرام السرياني حوالي ثلاثة ملايين بيت من الشعر ولا يعرف مقدار ما نُسِبَ إليه منها ولا مقدار ما كتب منها ونُسِبَ إلى غيره أو على مؤلِّف مجهول.

أشهر قصائده ميامر العذراء مريم وقصيدة الفردوس وقصائد الميلاد.

امتاز شعره بالوضوح وبجزالة اللُّغة وعمق المعاني وبالبلاغة وبالجمع بين النقائض وباستخدام المحسنات البديعية كالطباق والجناس والمقابلة وعرف التصريع وضروب التقشية والتركيخ المعروفة في الشعر السرياني.

أمتاز شعره بحب الطبيعة والامتزاج بها. اهتم بالمرأة اهتماماً كبيراً وكان متقدماً على عصره بعشرات القرون فيما يختص بتربية المرأة ودورها في المجتمع.

أسس أول جوقة للفتيات للإنشاد الديني مدركاً في وقت مبكر جداً دور الغناء والإنشاد في ترسيخ العقائد ونقل التراث الوطني الديني والقومي إلى الأجيال اللاحقة. يُعَدُ مار أفرام السرياني أهم من وضع المقامات الموسيقية والألحان السريانية وتعد شروحه لأسفار العهد القديم من كنوز التراث الإنساني العالمي.

حارب البُدع والهراطقة ونافح عن الإيمان زاهداً في الدنيا رافضاً مناصب الرئاسة والزعامة الدينية والدنيوية خادماً شعبه في أثناء المحن والأوبئة معززاً فيه روح الصمود والمقاومة أثناء حصار نصيبين، وقد استطاع أن يكتب في عشر سنوات ما يعجز عن كتابته الرجال. ذهب إلى روما وأغلب الظن أن تاريخ وفاته كان في التاسع أو الثامن عشر من حزيران لعام (373)؟ على الأرجح.

يعتبر مار أفرام السوري السرياني أحد أهم أعلام الكنيسة الأرمنية واليونانية والقبطية والحبشية والرومانية. درسه على مدى العصور عشرات لا بل مئات الدارسين وما زال أغلب نتاجه قيد الدرس والتحقيق العلمي.

تُرجم بعض شعره إلى عشرات اللّغات ونثبت هنا مقاطع من أناشيد الفردوس تحت عنوان باب الفردوس وضعها (مركز الدراسات والأبحاث المشرقية ـ أنطلياس، لبنان بالعربية).

باب الفردوس

1 ـ طوى لمَن اشتهاه الفردوس!

فالفردَوسُ يَشتَهي الجَمالَ وبابُهُ يبتلعُه،

في حضنه يتودَّدُ إليه وفي حشاه يُرنِّم له،

يَفتَحُ البَاَبَ لهُ وفي أحشائهِ يستقبله

فإن كَرهَ الفردوسُ أحداً، نَكَرَهُ ونَبذَهُ،

فهو باَبُ الامتحانِ، مُحِبُّ البَشَر.

اللاَّزمة: مُبارَكٌ مَ، طُعِنَ بالحربةِ فأبعدَ السيفَ عن الفِردَوس.

2 ـ أسكُب لك منذُ الآن، مفتاحَ الفردوس وخُذْه،

البابُ يُبادرُ إليكَ ويبتَهجُ بكَ ضاحكاً

بابُ تمييز يَقيسُ الداخلينَ إليه،

صغيراً يكوَن أو كبيراً، بحكمة

يرتفعُ لكلِّ إنسانٍ بحسِب قامَّته ومقامِهِ،

يُريهِ، بقياسِهِ كمالهُ أو نقصهُ.

3 ـ يرى البَشَرُ عندها أنَّهم أضاعوا كلَّ شيءٍ:

الغنى لا يقومُ، والشهوةُ لا وجودَ لها،

الحَمالُ والسلطانُ أبطلا واضمحلاَّ.

هناك يتذكّرونَ ويتأسَّفون:

كم كانوا طمَّاعين ومحتقرين حين سمعوا:

مُقتنياتُكم حُلْمٌ! ميراثُكَم ظلام!

4 ـ ذاكَ الذي كان لهُم أضاعوه، وذاك الذي غابَ عنهم وَجدوه.

اشتهوا الخيراتِ فطارت من يدهم، والبؤسُ الذي أبغضوه أتاهُم

تَرَجَّوا ما غابَ عنهم، ووجدوا ما لم يطلبوا

ناحوا لأنَّهم أذلُّوا وسُلبوا،

حياتُهم كَذبٌ، وحقُّ عذابُهم،

تلاشت راحَتُهم وما كان لعقابهم من نهاية.

أناشيد الفردوس

وقائع المؤتمر

انعقد المؤتمر بتسع جلسات تناولت شتى النواحي التي تدرس فكر مار أفرام السرياني والمدى الحضاري السوري من نصيبين إلى الرُّها إلى حلب إلى تفاعل الحضارتين السريانية والعربية وجاءت على النحو التالي:

الجلسة الأولى مار أفرام والمدى الحضاري ترأسها الأستاذ محمد قجة وأدارها الدكتور هاني حسين رعد من الجامعة اللبنانية وحاضر فيها العالم العراقي الدكتور باسيل عكولة من جامعة القديس يوسف ببيروت ببحث عنوانه الخلفية الدينية والثقافية للفكر الأفرامي، والبروفسور سيبستيان بروك من جامعة أكسفورد ببحث عنوانه بحثاً عن مار أفرام.

تمحورت مداخلات الجمهور في هذه الجلسة حول تأثير حضارة بلاد الرافدين في شعر مار أفرام السرياني وحول مضارعة الترهب والتنسك في بلاد الرافدين ومصر وانصبت الآراء حول أسبقية الحياة النسكية في شمال سورية ودون تأثير مصري.

أما عن ضياع وفقد كثير من الأناشيد وخراب كثير من الكنائس فقد ساد رأي يقول إن ثلاثمئة ضيعة كانت لها كنائسها لم يبق منها حتى القرن الرابع الهجري إلا الحطام.

الجلسة الثانية: مار أفرام بين نصيبين والرُّها وقد ترأسها الأستاذ فيصل عبد الله من جامعة دمشق وحاضر فيها المطران جورج صليبا من لبنان ببحث عنوانه في جنات الشعر الأفرامي والمطران صليبا شمعون من الموصل ببحث عنوانه مار أفرام الناسك والباحث المؤرخ محمد عبد الحميد الحمد من الرقة ببحث عنوانه مار أفرام السرياني وتكوينه الثقافي وإنتاجه الإبداعي. كما شارك فيها الباحث فؤاد يوسف قزانجي من بيت الحكمة ببغداد ببحث عنوانه ما أفرام شاعر المسيحية الأول وشارك فيها أيضاً الباحث المؤرخ موسى مخّول من لبنان ببحث عنوانه مار أفرام ومدرستي نصيبين والرُّها.

تركزت مداخلات الحضور على اعتبار مار أفرام السرياني شاعر المسيحية الأول بالإضافة إلى التفاعل الحضاري بين مدرستي نصيبين ورُّها.

الجلسة الثالثة: حلب ملتقى الثقافات قد ترأسها الدكتور عبد الكريم يعقوب. جامعة تشرين وحاضر فيها الأب جورج رحمه، من الجامعة اللبنانية بعنوان الحضارتان السريانيّة والعربيّة: تفاعل وقد تحدث فيها عن مظاهر التفاعل الروحية والمعرفية واللغوية والسياسية.

وحاضر أيضاً فيها الأب ناصر الجميِّل من الجامعة اللبنانية تحت عنوان حلب مركز تفاعل في القرنين السابع عشر والثامن عشر أشار فيها إلى أهمية حلب وإشعاعها الحضاري وتفاعل الحضارتين العربية والغربية فيها وعن تحولها إلى مركز مهم من مراكز الطباعة المتقدمة في الشرق وعن ريادتها بهذا المجال.

الجلسة الرابعة: مار أفرام وامتدادُ أَعماله وقد ترأسها نائب المطران شاهان سركسيان ـ حلب، وقد ألقى السيد جورج بابيان كلمة رئيس الجلسة مؤكداً فيها أن الكنيسة الأرمنية قد تبنّت مار أفرام ورسمته قديساً وقبلته لاهوتياً ومترجماً ومفسراً وشاعراً. وأن الترجمات الأرمنية لأعمال كثيرة لمار أفرام السرياني قد أنقذت الكثير من النصوص التي فُقد أصلها السرياني ولم يبق منها إلا ترجمتها الأرمنية وتعمل الكنيسة الأرمنية الآن على وضع دراسة كاملة ودقيقة للترجمات والمصادر الأرمنية عن مار أفرام في موسوعة هي حالياً تحت الطبع وسوف تكون قريباً في متناول القرّاء خدمةً للثقافة الإنسانية.

كما شارك في هذه الجلسة المطران يوحنا إبراهيم من حلب ببحث عنوانه مار أفرام بالكنيسة السريانية مُبرزاً فيها دوره كمعلم وعلمٍ من أعلام الكنيسة والفكر السرياني السوري، وشارك أيضاً المطران بولس يازجي من حلب متحدثاً عن مار أفرام السرياني في الأدب المسيحي اليوناني.

موضحاً أهمية الصلوات السريانية التي ما تزال تتلى باليونانية حتى اليوم في الكنيسة اليونانية وعن التأثر والتأثير المتبادل بين الفكر السرياني واليوناني. وشارك أيضاً المطران غي ـ بولس نجيم من لبنان ببحث عنوانه مار أفرام والمعرفة وتحدث المطران بطرس مراياتي من حلب عن مؤلفات مار أفرام السرياني المحفوظة في الأرمنية.

الجلسة الخامسة: مار أفرام بين الكتاب المقدَّس والآباء وقد ترأسها المطران يوحنا جنبرت من حلب، حاضر فيها البرفسور سيباستيان بروك من جامعة أوكسفورد ببحث عنوانه مار أفرام عن المرأة في العهد القديم وشارك في هذه الجلسة الأب العلاّمة بولس الفغالي من الجامعة اللبنانية ببحث عنوانه مار أفرام والكتاب المقدس والأب باولو دالوليو من دير مار موسى النبك وقد تحدث عن مار أفرام المعلّم من تأويل النصوص والظروف إلى آفاق رجاء الملكوت.

الجلسة السادسة: مار أفرام الأدب والفن ترأسها المطران يوسف أنيس أبي عاد من حلب حاضر فيها الأب ميشيل نعمان من حمص بباقة أشعار أفرامية وشارك في الجلسة العالم العراقي الدكتور بشير متّى الطوريّ، من المجمع العلمي العراقي ببغداد. تحدث فيها عن مار أفرام شاعراً فأتحف المؤتمر بعلم غزير وبمعطيات جديدة عن فنون الشعر السرياني وجذوره وأنواعه وأوزانه وأبحره وموسيقاه وقوافيه وأغراضه وتوقف طويلاً مقدماً شروحات هامة حول شعر مار أفرام أنارت جانباً ذا أهمية كبيرة في الثقافة السريانية.

كما شارك فيها أيضاً الأب يوحنا الحبيب صادر من الرهبانية الأنطونية متحدثاً عن مار أفرام والهندسة المعمارية والتصاوير في أيّامه مضيئاً زاويةً هامة من أركان الفكر والتاريخ المرتبطين بزمن مار أفرام السرياني وتحدث رئيس الطائفة الكلدانية المطران أنوان أودو من حلب عن البنية الأدبية في صلاة مار أفرام مشيراً إلى تقسيماتٍ ثلاث متراطبة ومستقلة ومتحدثاً عن الثنائيات المتفاعلة في صلاة معلم الكنيسة كالعفة والتواضع وترابطهما ورأى أن صلاة مار أفرام تتميّز ببساطتها وقوتها وبواقعيتها وعمها الإنساني.

الجلسة السابعة: مار أفرام والطبيعة ترأس الجلسة المونسينور جهاد ناصيف حاضر فيها البرفسور إيميديو فركاني من معهد الدراسات الشرقية في روما وقد تحدث عن الصور الإنجيلية والطبيعية في مفهوم الآخرة والبعث والحساب عند مار أفرام. وحاضر أيضاً البرفسور مارتن تامكه من جامعة جوتنغن في ألمانيا عن كيف نفهم تعليم مار أفرام وصلوات الاستسقاء وعن تكوينه الثقافي والاجتماعي، وحاضر أيضاً يوسف قوزي من جامعة بغداد عن بعض خصائص الصيام في شعر مار أفرام.

الجلسة الثامنة: مار أفرام في الكنائس السريانية حاضر فيها الأب جاكوب تِكِنارامبيل من الهند عن الرسول سمعان بطرس وفقاً لمار أفرام ومار يعقوب السروجي. وشارك فيها أيضاً الأب بيرنجم من الرهبانية المريمية وتحدث عن مار أفرام وستنامريم وشاركت فيها أيضاً الباحثة الدكتورة راي جبر معوض من الجامعة الأميركية في بيروت ببحث تحت عنوان القديس مار أفرام السرياني في الكنيسة المارونية وخصوصاً في دراسات البطريرك اسطفان الدويهي.

الجلسة التاسعة والأخيرة: مار أفرام المنحول والمُستوحى وترأسها المونسينور انترانيك إيفازيان حاضرت فيها الأخت الراهبة الأنطونية كليمنص حلو من لبنان ببحث عنوانه الرمزية النسائية في شعر مار أفرام. وقد اختتمت الجلسة التاسعة بفرقة الجامعة الأنطونيّة للموسيقى الفصحى العربية من لبنان بقيادة وتلحين عربي وكمان الدكتور نداء أبو مراد.

شارك في الترنيم المنفرد والعود مصطفى سعيد من مصر وعلى السنطور والإنشاد هيّاف ياسين من لبنان وعلى الرقّ علي وهبي. قدمت الفرقة مجموعة من الأناشيد السريانية والتوشيح الحلبي لبعض الأشعار الصوفية ومطلع إنجيل يوحنا.

توصيات المؤتمر:

خرج المؤتمر بالتوصيات التالية:

أولاً: بالطلب إلى مركز الدراسات والأبحاث المشرقية ـ الرهبانية الأنطونية بمواصلة تنظيم مؤتمرات التراث السرياني وبإصدار سلسلة ينابيع سريانية.

ثانياً: تبنّي النداء الذي وجهه البروفسور آلان ديريمو من مركز الدراسات السامية ـ معهد باريس.

ثالثاً: بتأسيس مركز عالمي للدراسات الأفرامية يكون علامة وحدة بين السريان والكنائس ويكون تطبيقاً لما تدعو إليه الحركة المسكونية اليوم.

رابعاً: بمتابعة نشر التراث الأفرامي وإصدار الكتب التي تعرّف بمار أفرام وشعره وروحانيته وفكره.

خامساً: بدعوة العلماء والمفكرين إلى تأليف كتب تطال الشباب وتساعدهم، كما فعل مار أفرام، على الوقوف معاً، لشهادة واحدة أمام الله والتاريخ، لما يتوقون إليه من قيم روحية واجتماعية وإنسانية وثقافية جسّدها أفرام في مؤلفاته وشعره وتراثه.

سادساً: بإنشاء معاهد لتعليم اللغة السريانية والتعريف بالتراث السرياني وتفاعله مع جميع الحضارات، وخصوصاً الحضارة العربية.

سابعاً: بدعوة جميع الكنائس إلى نشر ما تختزنه مكتباتها من كتب ومخطوطات ودراسة ما تتضمّنه ليتورجياتها من آثار أفرامية.

ثامناً: بدعوة المهتمين بشؤون المرأة للإطّلاع على ما ورد عند أفرام من نظرة روحانية تؤكد احترام حقوقها ودورها في خدمة القيم الإنسانية والحضارية وفي عيش إنسانيتها كاملة ومتجردة.

تاسعاً: بدعوة منظمة الأونيسكو إلى إعلان التراث الأفرامي تراثاً أدبياً عالمياً.

عاشراً: بضمّ جميع كلمات حفل الافتتاح إلى أعمال المؤتمر واعتبارها جزءاً لا يتجزأ منها.

اختتم المؤتمر أعماله بكلمة هامة ارتجلها سماحة مفتي الجمهورية الشيخ الدكتور أحمد بدر الدين حسون بناءً على رغبةٍ أكيدةٍ من منظمي المؤترم لتكون مسك ختام مؤتمر مار أفرام السُرياني شاعراً لأيامنا.

ومما قاله في كلمته: ... فإذا بشعر النور الذي يقال من ألف وسبعمائة من السنين ينتقل إلى أيامنا... يحيا بشعره النوراني في أرض باركتها السماء، لولا الشعور هل كان شعرٌ ولولا النور هل كان ذكرٌ... أنا مسلم بمحمد والمسيح... قلتم أنه شاعر لأيامنا وسيبقى شاعراً لأولادنا... تعالوا لنهتم ببناء الإنسان فبناء الإنسان هو أطهر من كل كنيسة ومسجد... بالقلب رأيت في وجوهكم نور الله....

يبقى السؤال عالقاً في فضاء الأيام القادمات.

متى نرى في جامعاتنا السوريَّة قسماً لتدريس الآداب السريانية لأبناء وطننا العزيز أسوةً بالأدب التركي والفرنسي والإنكليزي الذي يُدرس لأبناء وطننا في جامعات دمشق وحلب وغيرها كي نعطي فرصةً للأجيال القادمة للاطلاع على تراثنا الحضاري الذي يمتد بجذوره آلاف السنين.

نعيد السؤال لنذكِّر أصحابَ الشأنِ لأنَّ الذكرى تنفع المؤمنين.

مؤتمر التراث السرياني الحادي عشر

حلب 11 ـ 4 أيار 2006

تحت شِعار مار أفرام السرياني شاعرٌ لأيّامنا

 


[1]  نصيبين: كلمة سريانية أصلاً وصيغة، مشتقة من فعل نصب السرياني ومعناه نَصَبَ، عرس، يدلّ اسمها على ما كانت ترفل به المدينة من أنصاب وأغراس وبساتين قامت على ضفاف نهر اسمه مفدون كان يروي أهلها وجنائنها. حدودها شرقاً سنجار والموصل، وغرباً دارا وماردين وشمالاً جبل الأزل وطور عبدين وجنوباً صحراء المترامية الأطراف... من تلاميذ مدرستها الشهيرة نذكر مار يعقوب أسقف المدينة الأولى (309 ـ 338) ومار شمعون بر صبّاعي جاتليق المشق (329 ـ 341) وأفراها الحكيم (337؟ ـ 345) وغيرهم.