العدد الثاني عشر - حزيران 2006

التشريعُ الإسلامي بين الثابت والمتحول

نذير الحموي
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 
New Page 1

كل فكر تغييري لابد له من قسمين: قسم عقدي وآخر تنظيمي. أما القسم العقائدي فهو يتمتع بالثبات إذ يحدد المنطلقات والقواعد التي يجب أن يتمسك بها المقبلون على هذا الفكر ويناضلون مستندين إليها ويحملون الإيمان بها لتحقق الانتصار في نفوسهم أولاً وهذا شرط أساسي لنشر أي عقيدة والتبشير بها، فإن اختلت هذه الأسس انحرفت الدعوة وخرجت عن محورها الأساس لتأخذ اتجاه دعوة جديدة لا علاقة لها بالأولى.

أما القسم الثاني فهو تنظيمي يختص بالآليات التي تضمن علاقة الدعوة بالمقبلين عليها وعلاقة هؤلاء مع بعضهم وعلاقتهم مجتمعين بمحيطهم الاجتماعي وبمن حولهم من مجتمعات أخرى قد تكون لها أسس عقدية مختلفة.

ومن طبيعة الأشياء أن يكون هذا القسم متغيراً حسب الزمان والمكان. وكل فكرة أو دعوة تحاول عدم التجاوب مع هذه القاعدة مصيرها إلى الزوال والتلاشي وتبقى أسيرة الكتب في رفوف المكتبات مهما حاول المدافعون عنها إثبات عكس ذلك، وغالباً ما ينجرفون وراء تجارب تكون نتائجها قاسيةً تجلب الويلات لأصحابها ولمن يحيطون بهم حتى يصبحوا شاذين منبوذين والحقيقة أنهم إلى زوال مهما حاولوا أو طال بهم الزمان.

والتشريع الإسلامي هو من أهم الأطر التنظيمية التي أخذت حيزاً هاماً في تاريخنا قديماً وحديثاً واحتملت الكثير من الجدل ومازالت.

والفكر الإسلامي ينقسم إلى قسمين، قسم عقدي ثابت كثر المسلمون أم قلوا كانوا في سدة الحكم أو خارجها، متفرقين كانوا في بقاع الأرض أو مجتمعين في بقعة واحدة وهذا الأمر يتعلق بالتوحيد أو نبوة محمد (ص) والقرآن وما فيه وهذه القواعد ثابتة إلى نهاية العالم.

أما القسم الثاني فيتعلق بالحالة التنظيمية وهو ما اصطلح على تسميته بالتشريع وهو يخص كما أسلفنا الحالة التنظيمية لأعضاء الدعوة الإسلامية، وهذه القواعد التنظيمية وجدت ضمن حالة ظرفية زماناً ومكاناً واختصت شعباً معيناً له خصوصيته، وظروف حياته حيث العربة يسود فيها العرف وسلطة القبيلة ممثلة بالشيخ.

وجاءت دعوة النبي محمد (ص) بفكر سام يزيح من طريقه كل آثار البداوة والتوحش لينقذ شعوب العربة مما هم فيه ويخرجهم من ظلمات أنفسهم إلى مراقي الشعوب المتمدنة، لذا كان لابد من إيجاد سنن وتشريعات يفتقرون إليها في حياتهم. فالتشريعات الإسلامية جاءت تلبيةً لحاجتهم، حيث بدأ معهم من أوليات الحياة فعلمهم الاغتسال وكيفية الطعام وحتى الكلام وضروراته ومحظوراته واللباس وكيفية ارتدائه وما يجب ستره من الجسم للرجل والمرأة على السواء والتعامل مع الأخوة والأقارب والجيران، ثم سن الشرائع العامة التي تحدد ماهية الفرد ونسبته إلى الجماعة المؤمنة التي انتمى إليها ونسبة هذه الجماعة وعلاقتها مع من حولها من جماعات وتنظيم العلاقة بينهم.

ومن الواضح أن الشرائع الإسلامية لم تترك شيئاً يتعلق بحياة الجماعة الإسلامية المولودة في جزيرة العرب إلا ونظمتها، من علاقات الزواج والميراث والمبايعات والرهون والاستدانة وكتابة العدل والحروب والتعامل مع الأسرى وعقد الاتفاقات والمعاهدات إلى آخر تلك الشرائع المتعلقة بتنظيم حياة العرب ونقلهم من حالة القبيلة إلى حالة الدولة.

والدولة التي أنشأها الإسلام في جزيرة العرب جاءت بعد بدء الدعوة بثلاثة عشر عاماً حين أدرك النبي محمد (ص) أن لا جدوى من الدعوة بهذه الطريقة فكان لابد من اختيار مكان جديد وطرق جديدة لنشر الدعوة في بلاد لا تعرف إلا القوة عنواناً لأي تحرك يريد النجاح. ولتثبيت الدعوة والتشريع فقد أكد القرآن الكريم على قدسية التشريعات وعدم جواز الانحراف عنها لأن ذلك يورث غضب السماء ولأن العرب إذا أرادوا الخروج من دائرة التشريع الإلهي فسيعودون حكماً لما كانوا عليه قبل الإسلام.

وتأكيداً على ذلك فقد جعل النبي البداوة مرادفة للكفر ومن يترك البادية إلى مراكز التجمع يعتبر مهاجراً ومن يفعل العكس يعد مرتداً إلى الجاهلية.

بعد تمتين عرا الدعوة والدولة حامية ومنظمة شؤونها بدأ العرب يخرجون من ديارهم إلى من حولهم فأقاموا بينهم واختلطوا بهم واطلعوا على علومهم وفلسفتهم وتنظيمهم لشرائعهم وشؤونهم الداخلية والخارجية وتنظيمهم الدواوين والمحاكم، كل ذلك دعا العرب للبدء بدراسة تراث الأمم التي نزلوا بين ظهرانيها. وتنبه الدارسون والعلماء منهم لهذه الأمور فوجدوا من الضروري أن يتجاوب الفكر الوافد الجديد مع أحوال الأمم التي يعيشون بينها فنشأت المدارس الفقهية والفلسفية واهتموا بالعلوم الدينية وأسسوا لها بشكل مدرسي إلى جانب اشتغالهم بالعلوم التطبيقية، وعملوا على ألا تفارق علومهم أسس العقيدة الإسلامية وتشريعاتها، فنجحوا في الأولى بشكل عام ولم يكن نجاحهم في الثانية كاملاً وتجلى ذلك في التباينات والخلافات بين المدارس الفقهية في كثير من التشريعات بل ظهرت هذه التباينات بين أجيال المدرسة الواحدة وأصبحت الفرقة واضحة جداً بين مدارس العلم ومدارس الذكر حيث أدت في كثير من المواقع إلى التكفير حيث اختصر الزمخشري ذلك بأبيات قال فيها:

إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به واكتمه كتمانه لي أسلم

فإن حنفياً قلت قالوا بأنه يبيح الطلا وهو الشراب المحرم

وإن مالكياً قلت قالوا بأنني أبيح لهم أكل الكلاب وهم هم

وإن شافعياً قلت قالوا بأنني أبيح نكاح البنت والبنت تحرم

وإن مالكياً قلت قالوا بأنني ثقيل حلولي بغيض لجسم

تبين لنا هذه الأبيات مدى التعارض والنقد بين هذه المدارس فضلاً عن تباينها مع غيرها أساساً كالمعتزلة والشيعة والتناقض بين الجميع على السواء. وفي حمى الاختلاف والتناقضات نسي الجميع أن هذا الخلاف ناشئ من محاولة تعميم تشريع خاص ومحاولة تفصيل التشريع الإسلامي على قياس معرفة الشعوب التي حط رحاله بينها. وأوضح مثال على ما ذكرناه موقف الشافعي فهو حين كان في الشام أرسى قواعد مذهب فقهي متكامل إلى حد ما ثم خرج إلى مصر ليؤسس لمذهب آخر وعند السؤال عن التباين بين المذهبين أجاب: إني رأيت وسمعت في مصر ما لم أره في الشام أو سمعته.

إذاً الظرف المكاني والزماني يضفي على كل تشريع صبغته وخصوصيته، وهذا الموضوع ظهر في جزيرة العرب نفسها في وقت مبكر بعد تحول زمني ليس بالبعيد عن زمن تبليغ الدعوة فالصحابة وعلى رأسهم الخلفاء تجاوزوا حدود الشرع الإلهي لاعتراضه مع أحداث جديدة لم تكن قد ظهرت أثناء تبليغ الدعوة. أضف إلى ذلك أن للقادة رؤية سياسية معينة تتحكم في إدارة الدولة من خلال شمولية مسؤوليتهم. وقد تتعارض هذه السياسة مع أحكام الشرع لذا قام الخلفاء بتجاوزها لمصلحة إدارة الدولة وسياستها.

ونورد بعض الأمثلة المتفق على حدوثها. فبعد استتباب أمر الخلافة بيد أبي بكر تلكأ أهل البطاح في دفع الزكاة استنكاراً لولايته وليس منعاً لدفعها أو إنكارها وكان رأي أبي بكر أن الشدة في أخذ الأسباب من شأنه الحفاظ على وحدة المسلمين. علماً أن لا نص شرعياً يوجب قتال وقتل مسلم منع الزكاة فكيف بمن تريث في دفعها والحديث الثابتة صحته والقرآن يوجب القتال على قول لا إله إلا الله محمد رسول الله فمن قالها عصم ماله وروحه لكن الخليفة سير الجيوش وأمر بالقتل والسبي وبغض النظر عن الجدل القائم حول تفاصيل الحادثة فإننا نسجل تجاوزاً شرعياً لمسألتين الأولى إشهار السلاح والقتل بحق مسلم وثانياً إحلال دم وعرض من قُطع نصاً بعدم المساس به كل ذلك ارتآه الخليفة لمصلحة سياسته في قيادة المسلمين ولا بأس من إيراد مسائل سريعة بعناوين دون التفاصيل منها منع إعطاء سهم ذي القربى وسهم المؤلفة قلوبهم فقد عطله أبو بكر لمصلحة المسلمين والأهم من ذلك كله مسألة استخلافه عمر بن الخطاب متجاوزاً التشريع القرآني القاضي بالشورى.

وعمل الخليفة عمر على تجاوز الحدود الشرعية بما اقتضته المصلحة العامة فمنع متعة الحج ومتعة الزواج والطلاق الثلاث وجمع الناس على صلاة التراويح وزاد في حد شرب الخمر حتى تسبب في قتل ولده ثم اختصاره الشورى في ستة من الصحابة وفي كل ما ورد حد شرعي واضح من كتاب أو سنة لا يمكن تجاوزه لكن الخليفة رأى الإنقاص أو الزيادة حسب وضع الدولة وسلامة سياستها.

ولعل أهم تجاوز ارتكب في صدر العصور الإسلامية هو استباحة الدماء فيما بين الصحابة أنفسهم وهذا حد شرعي واضح فلا يجوز إحلال دم ومال وعرض مسلم تحت أي ظرف ومع ذلك فقد تم مع وجود التحريم الشديد قرآناً وحديثاً ثم خروج كبار الصحابة على الخليفة علي ونقضهم بيعته وهذا فسوق وعصيان معروف واضح ثم أصبح سفك الدماء بين المسلمين وهتك الأعراض عادة في العهد الأموي والعباسي حتى أفول نجم الدولة العثمانية دون وازع من تشريع وعلى عكس ما فعله الصحابة من رؤية لمصلحة المسلمين فقد أصبح القتل لمصلحة الملوك وتوطيد حكمهم.

على ذلك يمكن القول إن من يستعمل سفك الدماء وهتك الأعراض وهي أعظم جريمة في الإسلام وعقوبتها القتل، من يفعل ويحل ذلك يمكن أن تهون أمامها كل الأمور وتستباح ويضرب بالحدود الشرعية عرض الحائط. مع كل هذه المخالفات منذ بزوغ عصر الإسلام نرى من يتشدد في مسألة التشريع ويرى أن لا خلاص ولا صحة لسلامة المسلمين إلا بإعادة التشريع إلى حين الوجود والتطبيق علماً أن من تلقى دروس التشريع الأولى لم يطبق تلك الدروس وتجاوزها لمصلحة المسلمين وهم مازالوا على الأرض نفسها والزمان نفسه فكيف بعد مرور القرون وتغيير الزمان والمكان وهذا الأمر يضعنا أمام حقيقة وهي أن التشريع الإسلامي كان وسيلة وليس غاية، وسيلة لإخضاع من طبعتهم الصحراء بجلفها وتعليمهم أن بناء المجتمعات لا يتم إلا بالتشريع والقانون. وكذلك فإن تجاوز الشرع يقودنا إلى حقيقة أخرى وهي أن الغاية من التشريع أولاً وأخيراً هي السلامة العامة. لذلك فالتشريع حادث يتغير مع ظروف وطبيعة الحياة وتبعاً لكل مجتمع على حدة.

ومسألة النسخ القرآني تدلنا بشكل مباشر على ذلك، فقد حدث إقرار تشريع في زمن معين لينسخ فيما بعد فإذا كان بداية التشريع إلى نهايته وهي المدة المدنية ومقدارها عشر سنين حدث فيها بأمر إلهي استبدال تشريع بآخر ولم تكن فصول الدعوة اكتملت فكيف بعد خمسة عشر قرناً.

والتشريع وجد أصلاً خدمة للناس وهدفه رفع مستوى الحياة ورقيها لا أن يحمل قدسية البقاء ليصبح صفة من صفات الله لا تحول ولا تزول.. وحادثة أمر النبي محمد (ص) لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة وقوله إن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد دليل على أن العدالة والسلام والحفاظ على الدماء والمال والأعراض هي الغاية سواء أكان يعمل بتشريع إسلامي أم غيره أمر تحبذه السماء وتوافق عليه.

أما أن يصبح الشرع هو الغاية فإنه يتحول إلى عبء وحمل ثقيل ويحوّل المجتمعات الإسلامية إلى مجتمعات اليهود ما قبل ظهور المسيح، حيث التمسك بحرفية النص، والتطبيق دون التبصر، ومراعاة سلامة المجتمع، وبذلك تتحول الشعوب إلى خدم للتشريع وهذا يتنافى أساساً مع أسباب فرض التشريع.