المسألة الكردية جزء من قضية الديموقراطية ، وحلها يندرج في اطار وحدة البلد وتطوره

العدد 3 أيلول 2005 : محي الدين شيخ آلي
الاثنين 5 أيلول (سبتمبر) 2005.
 
كثر الحديث في الأعوام الأخيرة عن الشأن الكردي بوجه عام، متضمناً تضارباً قوياً في وجهات النظر واختلاف في المواقف لدرجة التخندق في ضوء تصورات جاهزة وأحكام مسبقة..كل ذلك بمثابة تعبير بشكل أو بآخر عن مصالح وسياسات وكذلك أنماط معينة من التفكير ومؤثرات ما هو متوارث دون اعتبارٍ ما للجانب القيمي ومبادئ العدل والمساواة وضرورات الحرص والحفاظ على السلم الأهلي هنا وهناك.

المتابعون للملف الكردي بما فيهم الساهرون على أمن واستقرار الأوضاع الداخلية للبلدان الأربعة المعنية مباشرةً بالقضية الكردية (تركيا، سوريا، إيران والعراق) باتوا على دراية شبه تامة بأن لا مستقبل لبرامج وسياسات التتريك والتعريب والتفريس التي لطالما جرى اعتمادها بشكل سافر حيال الشعب الكردي على مرّ العقود والمراحل...في هذا السياق يمكن القول بأن تعثر المشروع القومي العروبي وفشل نخبه الفاعلة وأذرعه الحاكمة - حزب البعث مثالاً - لم تتمخض عنه فقط سياسات منهجية خاطئة حيال قومية أخرى غير عربية، بل وكذلك تردي الحالة العامة على مستوى المجتمع ومؤسسات الدولة، وتشوهٍ خطير في ثقافة الأفراد والجماعات حال ويحول دون رؤية الحقائق كما هي. لقد تشبعت الكتل الشعبية للقومية السائدة وكذلك معظم فعالياتها الثقافية والسياسية بشعاراتٍ عريضة شكلت نمطاً من التفكير الفوقي الاستعلائي العائد أساساً إلى فهمٍ خاص لثنائية (العروبة والإسلام)، هذه الثنائية التي - والحق يقال - استغلها وانتفع من ورائها كثيرون وأساؤوا كثيراً إلى العرب والإسلام، غير آبهين بما توصلت إليه العلوم وحجم التحولات على شتى الصعد والمجالات في وقتنا المعاصر، وبالتالي فإن رؤية الحقيقة الكردية في سوريا كما هي تبقى تعترضها عراقيل وصعوبات جمة، إلا أنه

ليس من المستحيل التغلب عليها في آخر المطاف، خصوصاً وأن غياب قانون صالح لعمل الأحزاب لا يعقل أن يكون أبدياً، وكذلك المادة الثامنة من الدستور الذي يبيح لحزبٍ بقيادة الدولة والمجتمع ويضمن له الاستمرار في احتكار السلطة والاستئثار بمقدرات البلد لا يعقل أن تبقى كما هي إلى ما لانهاية، فكلما توفر مناخ من الحرية لإبداء الرأي وتبيان الحقائق والمعطيات دون خوف أو مواربة، كلما اقتربنا من تناول سليم للمسألة الكردية التي هي جزءٌ من قضية الديمقراطية والتي يبقى حلها يندرج في إطار حماية وحدة البلد وتطوره الحضاري، حيث من الأهمية بمكان أن يقتنع الجميع بأن الاستمرار في وضع العقبات أمام تداول اللغة الكردية لدرجة المنع والمحاربة، وتعريب الأسماء التاريخية القديمة لمئات القرى والبلدات الكردية لا يرفع من شأن اللغة العربية بقدر ما يثير النعرات ويدفع أبناء الشعب الكردي نحو مزيدٍ من الغربة والشعور بالغبن، وهذا لا يساعد على الألفة وبناء الثقة المتبادلة بين مكونات المجتمع الواحد.

إن الحالة الراهنة لا توفر أرضية مناسبة لحل المسألة الكردية ولا غيرها من مسائل وملفات الداخل السوري، وما يهمنا اليوم وعلى المدى المنظور أساساً هو الإسهام النشط في دفع المخاطر وتجنب المنزلقات والدعوة المستمرة بلا هوادة إلى حوارات وطنية شاملة لإعلاء شأن الكلمة وقوة المنطق احتراماً للرأي والرأي الآخر بغية نشر ثقافة اللاعنف بهدف صون السلم الأهلي ليتكاتف في ظله جميع المهتمين بالشأن العام، وليبقى الحراك الثقافي السياسي قائماً، ومن خلاله يجري التعرف على الأبعاد الحقيقية لأزمات المجتمع وقضاياه العالقة، وكذلك الوقوف حيال عمق ومدى انتشار الفساد وأوجه الحرمان والاستبداد وصولاً إلى إيجاد لغة مشتركة تجمع مختلف أطياف مجتمعنا السوري بفعالياته الثقافية والسياسية، للسير قدماً في المسعى التاريخي دفاعاً عن كرامة وحقوق الإنسان - المواطن، بصرف النظر عن انتمائه الديني أو القومي والسياسي وتحقيق غدٍ آمن لجميع السوريين، غدٍ يزدهر فيه التطور وتحترم الحقيقة ويعز فيه على الجميع الاقتناع بأن الأكراد شأنهم شأن العرب وغيرهم من مكونات المجتمع السوري، لا يجوز إقصاءهم والشطب على حقوقهم القومية المشروعة.

في هذا الإطار يبقى لحديث الرئيس بشار الأسد الذي كان قد أدلى به لقناة الجزيرة إثر أحداث القامشلي آذار 2004 وقعه الإيجابي والمعبر، كونه ساهم في حينه وبقوة في كبح جماح البعض ممن عملوا لتأليب الرأي العام العربي ضد الإنسان الكردي وإلصاق التهم به، وبذلك يكون السيد رئيس الجمهورية قد سجل موقفاً مسؤولاً ونقطة إيجابية في التعامل مع الحقيقة الكردية في عهده، خاصةً وأنه أول رئيس في تاريخ سوريا الحديث والمعاصر يصرح علانيةً بوجود قومية كردية في سوريا تشكل جزءً رئيسياً من تاريخ ونسيج المجتمع، مما دفع بمختلف القوى والفعاليات السورية سواءً من أهل الحكم أو المعارضة إلى إيلاء اهتمام أكثر بالملف الكردي وتقصي الحقائق المتصلة به.

صحيحٌ أن الحديث الرئاسي لم تتبعه تدابير ميدانية تترجم فحوى الحديث، إلا أنه ساهم في ترميم جانب من الشرخ الحاصل في المجتمع، مما أفسح المجال أمام المثقفين الديمقراطيين ونشطاء الحركة الكردية والعديد من الوطنيين الغيارى ليدلوا بدلوهم في مسعى الحفاظ على السلم الأهلي وتبيان أضرار النعرات اللاوطنية وفضح سياسات التمييز والاضطهاد ضد الشعب الكردي الذي تفوق نسبته 11% من سكان سوريا ويبلغ تعداده اليوم أكثر من مليوني إنسان لم يشكلوا يوماً عنصراً دخيلاً أو ضيفاً ثقيلاً كما تروج له بعض غلاة الشوفينيين والجهلة المتزمتين الذين يجهدون لتصوير الوجود الكردي في البلاد بأنه طارئ جاء من وراء الحدود والبحار في غفلةٍ من الزمن ليشكلوا خطراً داهماً على العروبة والأمن القومي...الخ، وما التهم والأحكام الجائرة التي لطالما أطلقتها محكمة أمن الدولة العليا بدمشق بحق العشرات من النشطاء الأكراد السوريين إلا صورة عن تلك النظرة الخاطئة المتوارثة التي لا تزال تفعل فعلها في إبعاد السوريين عن رؤية الحقيقة، فتواصل زعمها في الإدعاء بأن الأحزاب الكردية تسعى لاقتطاع أجزاء من سوريا ويسيؤون إلى (سمعة وأهداف الثورة) دون أن تتمكن رئاسة المحكمة من تقديم أدلة أو أن تدافع عن أحقيتها أمام أبسط مراجعة قانونية لمحامٍ متدرب.

إن سمات الحالة الكردية في سوريا من حيث التوزع الديمغرافي والتمازج السكاني - المناطقي ، فضلاً عن السجل التاريخي المشترك واندماج مصالح التطور الاقتصادي المعيشي للكتلة البشرية التي يشكلها المجتمع السوري بمختلف لونياته تثبت للجميع بأن أكراد سوريا جزءٌ لا يتجزأ من المجتمع السوري وإن حركتهم السياسية جزء من الحركة الوطنية الديمقراطية، وكل خطوة تخطوها سوريا باتجاه تحقيق انفراج سياسي وحياةٍ ديمقراطية كلما أفسح المجال أمام تفهم وحل المسألة الكردية على قاعدة من السلم والحرية والمساواة بعيداً عن لغة وأساليب العنف والقمع وأشكال التمييز بين أبناء البلد الواحد.


محي الدين شيخ آلي * سكرتير حزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا - يكيتي -