العدد الثاني عشر - حزيران 2006

النظام العولمي الجديد نظام تحويلي للانسان والحضارة

يوسف الأشقر
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

حديثي معكم هو عن النظام العالمي الجديد من حيث هو نظام تحويليّ، تحويليّ للإنسان والحضارة، وليس مجرد نظام للسيطرة والاستغلال كما هو النظام الإمبريالي، وريث النظام الإمبراطوري التقليدي. إنه يستهدف ضرب الإنسان في ذاته وليس فقط في ممتلكاته. يستهدف الإنسان في إنسانيته وأسس تمدنه وليس فقط في سيادته وحريته وحقوقه السياسية والمدنية. يستهدف ضرب الحضارة الإنسانية في ذاتها وليس فقط التحكّم بمقدّراتها وقدراتها.

سأتكلم عنه لماذا هو نظام تحويلي وكيف؟ ثم أنتقل إلى الأنظمة العالمية التي سبقته وما هي وجوه الإختلاف والتناقض بينه وبينها. وأتوقف عند الخطر المترتب عن عدم التمييز بينه وبين النظام الإمبريالي، إذ أنّ عدم التمييز بينهما يستتبع نتائج واستنتاجات مضللة سواء في التعامل مع هذا النظام الجديد أو في التصدي له أو في تحصين أنفسنا في وجهه. طبعاً هذا الموضوع عن النظام العالمي الجديد لا نقدر أن نتناوله من دون النظر إلى انعكاساته ومفاعيله عندنا. كيف يتمثّل في لبنان، وكيف نواجهه، وما هي شروط هذه المواجهة؟ مع العلم أنّ موضوع مواجهته في لبنان أو بدءاً من لبنان يحتاج إلى حديث أطول وبحث مستقل.

التطورات الحاصلة في العالم والمتسارعة في خلال السنوات الأربع الأخيرة هي تطورات خطيرة وفريدة. لا أعني، هنا، التطورات السياسية والعسكرية والستراتيجية والاقتصادية. إنني أعني، تحديداً، التطورات الإنسانية، أي ما يحدث في الإنسان وفي العلاقات الإنسانية. ما حدث كان رهيباً. وقد حدث في فترة قصيرة، وفي العالم كله.

أميركا خضعت ولا تزال خاضعة لعملية تحويلية رهيبة. في كل يوم يستيقظ عشرات الملايين من الأميركيين وهم يعتقدون أنّ الله تكلم معهم في الليل، وأنّ الله انتدب بوش لحكمهم، وأنّ السياسات الخارجية المتبعة من شأنها أن تقرّب يوم الدينونة، وأنهم منتدبون للقيام بهذه المهمة في العالم. ثقافة الغيتو العدوانية والتصادمية تتعمق وتتعمم. ثقافة المجتمع المنغلق تتقدم في الدوائر الرسمية العليا الأميركية وفي أوساط الشعب. الحس النقدي يتراجع، والحريات تتقلص. صحيح أنّ جذور كل هذه الظواهر، هذه الثقافة، كانت موجودة أصلاً في أميركا. لكنّ تجلياتها تضاعفت بسرعة قياسية في السنوات الأربع الأخيرة، متقدمة على ثقافة المجتمع المنفتح وقيمه في المجتمع الأميركي. كل هذا لم يكن صدفة. كان نجاح العملية التحويلية في أميركا شرطاً لنجاحها في العالم.

في أوروبا هناك تحوّلات خطيرة أيضاً سواء في داخل كل إنسان أم في العلاقات داخل المجتمعات ومع الخارج، لا سيما مع العالمين العربي والإسلامي. بدأت هذه التحوّلات بطيئة ثم تسارعت مع تصاعد الأحداث. في الأشهر الأخيرة، جاء موضوع الكاريكاتور ليكشف عن إتجاه هذه التحوّلات وخطرها. في قلب المجتمعات الأوروبية بين المسلمين الأوروبيين أو الموجودين في أوروبا، وبين المسيحيين الأوروبيين. من جهة أولى صعود التشدد الإسلامي، ومن جهة ثانية صعود اليمين الأوروبي السريع وصعود الحركات العنفية والعرقية. الغالبية، في الطرفين، تعيد النظر في رؤيتها لنفسها ورؤيتها للآخر. تعيد النظر حتى في رؤيتها للتاريخ. ففي فرنسا مثلاً تمت إعادة النظر في كتب التاريخ المدرسية، تمثلت بقانون يعيد الاعتبار للاستعمار ويؤكد على بعض حسناته. هذا مؤشر لظاهرة تحوّل خطير بدأ بطيئاً وخفياً في السنوات الأربع الماضية، ثم تسارع وخرج إلى العلن في الأشهر الأخيرة.

في منطقتنا تغيب المساحة الوسطية بسرعة غير مسبوقة. في قلب مجتمعاتنا تحلّ إستقطابية تزداد حدّة يوماً بعد يوم. بين الأنظمة والمجتمعات عنف صاعد وهوة تتسع بعد كل حدث. التطرف يزداد. اليأس يزداد. الشعور بالذلّ يتحوّل إلى غضب من الذات ومن الآخر. نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخر خاضعة لتحوّلات عميقة تستدعي الشر وتستبعد الخير. الصور النمطية هي الرد الوحيد على الصور النمطية المواجهة.

كل هذه التحوّلات تتلاحق في هذه الفترة الزمنية القصيرة. تحصل أولاّ وبشكل خاص في أوروبا وأميركا والعالمين العربي والإسلامي، لكنها تطاول كل إنسان في العالم.

وهي ليست تحولات عادية ناتجة عن تطورات عادية تخضع للمد والجزر ثم تتراجع مع زوال أسبابها. وليست من الآثار والنتائج الجانبية التي لا يمكن تجنبها. إنما هي مقصودة في ذاتها . أي أنّ الطرف الذي يقود الأحداث ويتحكم باتجاه التطورات يقصد الوصول إلى هذه النتائج، إلى هذه التحولات. أنها هدفه الأول، بل هدفه الستراتيجي، في حين تأتي الأحداث والتطورات مجرد وسائل وسبل متغيرة للوصول إلى هذا الهدف الثابت. من هنا نقول إنّ هذا النظام الجديد ليس فقط إخضاعياً للدول أو ناظماً لعلاقاتها أو إستغلالياّ لخيرات شعوبها على غرار النظام الإمبريالي، بل هو، في المقام الأول، نظام تحويلي للإنسان والحضارة، وناظم لعلاقات الإنسان بالإنسان، وتدميري لكل خير وفضيلة، ما يهدد إنجازات ومكتسبات كامل مسيرة التمدن التي حققتها الإنسانية عبر مئات وآلاف السنين.

ما هي هذه العملية التحويلية في النظام العالمي الجديد، وكيف تحصل؟

إنها مثل كل صناعة تحويلية تستخدم مجموعة مواد وتصنع منها سلعة جديدة، نتاجاً جديداً لا ينحلّ إلى مجموع عناصره وموادّه القديمة. والمنتوجات الجديدة التي يصنعها النظام العالمي الجديد هي مجتمعات تغلب فيها ثقافة التوحش على ثقافة التمدن.

هنا لا بد من بعض التوضيح. فخلافاً لمقولة صدام الحضارات في ما بين المجتمعات والأديان والقارّات، أنا أقول بالصراع الحضاري في قلب كل مجتمع ومتحد. صدام الحضارات هو خطأ، على الصعيد الوصفي، وهو خطر على الصعيد المعياري. أي أنه غير موجود في الواقع، ولا يجوز أن يكون بالتمنّي. بدلاً عن ذلك وفي الواقع، ثمة صراع حضاري في كل المجتمعات بين ثقافتين، ثقافة التوحش ومنظومة قيمها ومفاهيمها، وثقافة التمدن ومنظومة قيمها ومفاهيمها. وثمة مساحات وسيطة ومتدرجة بين الثقافتين.

في الولايات المتحدة ثمة ثقافتان قطبان: ثقافة المصهر الكبير، المصهر الاجتماعي والإنساني، ثقافة المجتمع المنفتح والقيم والمفاهيم المنفتحة على العالم. وفي المقابل، ثمة ثقافة نقيضة، ثقافة التوحش والاعتداء على الآخر لإخضاعه أو إلغائه، وهي ثقافة ممتدة منذ الأيام الأولى التي دخل فيها الأوروبيون إلى القارة الأميركية ودمروا وقتلوا وأبادوا السكان الأصليين بحجة أنهم هم شعب الله المختار وأنّ السكان الأصليين هم كنعانيو أميركا. والصراع الحقيقي في المجتمع الأميركي، كما في كل مجتمع آخر، بل في داخل كل فرد، هو صراع بين هاتين الثقافتين.

مهمة النظام العالمي الجديد التحويلية هي في تغليب ثقافة التوحش على ثقافة التمدن في كل مجتمع وفي كل فرد. وهو يحاول أن يعممها على جميع الشعوب والأديان بحيث تشمل كل فرد. ولتحقيق هذا الهدف، يعتمد على تعزيز الخوف والحقد وتفعيل الغرائز الإعتدائية وتغليبها. فيستدعي شرّ ما في الإنسان لا خير ما فيه. وهو، بذلك، يقود الإنسانية في الاتجاه المعاكس لمسارها التمدني، وفي الاتجاه المعاكس لدعوة المسيحية والإسلام اللذين استنفرا واستدعيا أفضل ما في الإنسان لا أسوأ ما يمكن أن يكون قادراً عليه.

هذا الاتجاه المعاكس الذي تسلكه العملية التحويلية وتدفع إليه، من شأنه أن يعيدنا إلى البربرية. والتقاء هذه "الثورة" المعاكسة، الارتدادية إلى البربرية، مع ثورة الوسائل المتقدمة، لا سيما مع أسلحة الدمار الشامل، يزيد في احتمالات القضاء على وجود البشرية الفيزيائي وعناصر الحياة على كوكبنا.

في هذا الضوء يجب مراجعة ودراسة ما حدث في السنوات الأربع الأخيرة. لا من حيث الأحداث المتزاحمة، السياسية والعسكرية، بل من حيث التحوّلات الإنسانية. وهذا من مسؤولية الفلاسفة والمفكرين وعلماء الاجتماع والإنسانيات كافة. ولا يجوز لهؤلاء أن يتخلوا عن هذه المسؤولية التي هي مبرّر وجودهم ومعنى وجودهم لا سيما في هذا المفترق الخطير.

فالسياسيون والعسكريون والخبراء التقنيون قد يعرفون كيف يتعاملون مع أسلحة الدمار الشامل التي تهددنا بالقوة، أي بالاحتمال والإمكان حسب التعبير الفلسفي، ولكنهم لا يعرفون إلاّ القليل عن قيم الدمار الشامل التي تجتاحنا بالفعل. والإحصائيون ينظرون في عدد الضحايا الأموات الذين قتلت الحرب أجسادهم، ولكن لا يمكنهم النظر في الضحايا الأحياء الذين يعمل النظام التحويلي القائم على قتل نفوسهم وتشويه قيمهم ومفاهيمهم والقضاء على تمدنهم.

 من هنا نقول إنّ مسؤولية الفلاسفة والمفكرين وعلماء الاجتماع والإنسانيات كافةً هي مسؤولية مصيرية، ولا بديل عنهم في تحمّلها. وهي مسؤولية مزدوجة: مسؤولية أن يعرفوا، ومسؤولية أن ينقلوا معرفتهم ويعمموها. أن يعرفوا طبيعة هذا النظام التحويلي وأخطاره والمسافات التي قطعها بتقدمه، ثم أن ينقلوا هذه المعرفة إلى كل إنسان في العالم حتى يشترك كل إنسان في العالم في مقاومة هذا النظام الذي يهدد المصير العام ومصيره الشخصي.

المسؤولية المزدوجة هي فكرية وسياسية. بل هي مسؤولية واحدة متكاملة بين الفكر والسياسة. فالمفكرون هم سياسيون بالقوة والفعل، بالمعنى الأوسع للفكر والسياسة وبالمعنى الأصحّ.

يبقى السؤال الكبير: من يقود هذا النظام العالمي الجديد؟

اعتدنا التفكير بلغة الدول، وهذا طبيعي. اعتدنا النظر إلى الدول كلاعب وحيد أو لاعب أساس في مثل هذه الحالة. اعتدنا السؤال: أيّ دولة تقود هذا النظام؟ أي حزب سياسي يقوده؟ أي قوة شعبية علنية تقوده؟

باختصار، هذا النظام العالمي الجديد تقوده منظمة وهي سرية. لا تكشف إلا عن واجهتها وبعض رموز شبكاتها. هي أولاً منظمة مستقلة ليس لها علاقة عضوية بالدولة الأميركية إلا علاقة الغالب بالمغلوب، والمنظمة غالبة. إنها تُخضع الدولة الأميركية وتسخّرها.

هذه المنظمة، من الصعب أن نتحدث عنها الليلة بشكل تفصيلي. كيف تكوّنت منذ سبعين أو ثمانين سنة. كيف بدأت في الجامعات منذ عام 1947 في أميركا. كيف تغلغلت في مؤسسات الدولة الأميركية منذ الستينات، وكيف كشفت عن بعض وجهها مع ريغن ثم انكفأت قليلاً عن الواجهة مع كلينتون من دون أن تتوقف لحظة عن العمل وعن التدخل الفعّال في توجيه السياسات. وكيف سيطرت ليس فقط على كل مؤسسات الدولة الأميركية بل على مؤسسات المجتمع الأميركي. دخلت في مؤسسات المجتمع الأميركي. دخلت في الدين. في الإعلام. في الثقافة. في الجامعات. دخلت في المدارس وتدخلت في الكتاب المدرسي وفي الصلاة اليومية وفي العلاقات اليومية. دخلت في كل شيء، فضلاً عن سيطرتها على المؤسسات الرسمية.

إذا تبسطنا في وصف كيفية تفكير هذه المنظمة وممارساتها، يعتقد البعض أننا نبالغ. والحقيقة أننا لا نبالغ ولا يمكننا أن نبالغ حين نقول هذا القليل عن الكثير من حقيقتها. إنها شيء فريد، شيء جديد في تاريخ الإنسانية. عقيدتها أن السماء والجحيم هما هنا على الأرض. وأنّ الدينونة هي هنا والآن، وأنهم هم الديّانون، هنا والآن. (ملاحظة: يتجلى هذا في صرامة خطابها السياسي التي لا تعود إلى غطرسة القوة بقدر ما تعبّر عن لغة الديّان الأخير وأحكامه التي لا تُرَدّ).

يتكلم الديانون الجدد عن الجنة هنا والآن على قمة الجبل. ويستفيضون في الكلام عن هذه القمة وسعادة المقيمين فيها والخيرات التي ينعمون بها. ويعتمدون في خطابهم لغة رمزية تلتبس معها الأمور على المؤمنين من عامّة الناس، بحيث يأمل هؤلاء أنّ قمة الجبل هذه متاحة لهم جميعاًً. لكنّ شرعة الديّانين الجدد تتكلم أيضاً عن سفح الجبل وعن الوادي العميق لتدبُّر أمر الأكثرية الساحقة من سكان العالم. فقمة الجبل لا تتسع إلا للقلة. لماذا لا يهبط عدد البشرية من ستة أو سبعة مليارات إلى بضع مئات من الملايين؟ عندها، تتسع القمة للقلة، وتتوزع الأكثرية بين السفح والوادي العميق. آليات إنقاص العدد قد تكون متنوعة. إنفلونزا الطيور قد تكون واحدة منها. لا نعرف. الذين يملكون الوسائل يحمون أنفسهم. أما الغالبية التي لا تملك الوسائل فهي لا تستحق الحماية. تجربة إفريقيا مع السيدا معبّرة ومنبئة.

منظمة الديّانين الجدد تقوم بحرب جوّالة في العالم. اليوم في أفغانستان، غداً في العراق، بعد غد في لبنان ثم في سورية ثم في إيران. هذا فضلاً عن حروبها القارّية غير المباشرة. حروب جوّالة مثل الطيور المهاجرة تماماُ. ومثل الطيور المهاجرة، تحمل وباءها وتنقله من بلد إلى بلد. لكنّ الوباء الأخلاقي والفكري الذي تحمله وتنقله هذه الحروب الجوّالة هو أشدّ فتكاً بالإنسانية من الوباء الذي تحمله الطيور المهاجرة.

عيّنت هذه المنظمة أوّلياتها في عملياتها التحويلية: أوّلياتها المنطقية، وأوّلياتها الزمنية. أوّلياتها المنطقية، أي أوّليات أهدافها، هي أن تجري عملية تحويلية في العالمين العربي والإسلامي تكفل تعزيز ثقافة التوحش والدفع إلى التصادم والتدمير الذاتي. أما أوّلياتها الزمنية، أي أوّليات روزنامة عملها بالترتيب الزمنى، فهي أن تقوم بعملية تحويلية مسبقة في أميركا نفسها وفي أوروبا. في أميركا لتحريضها على العالمين العربي والإسلامي ولاستخدام قوتها ضدهما، وفي أوروبا بعد أميركا لتوحيد الموقف الغربي وقوته.

أوروبا عاندت في بادئ الأمر ثم عادت وخضعت تحت وطأة الضغوط والأحداث المفتعَلة وآخرها حدث الكاريكاتور. الكاريكاتور، في حقيقة أهدافه، يأتي في سياق الحرب على العالمين العربي والإسلامي وعلى أوروبا معاً. من أهدافه في أوروبا تعميق الهوة بينها وبين مداها الحيوي الطبيعي وشريكها الطبيعي في المتوسط لإضعافها أو لإلغاء مكانتها ودورها فيه. ثم تعميق العنف في قلب المجتمعات الأوروبية. في فرنسا مثلاً، يوجد خمسة ملايين مواطن مسلم قصد الكاريكاتور أن يستفزهم ويدفعهم إلى التعصب، ثم قصد أن يدفع الفرنسيين المسيحيين، العلمانيين في أكثريتهم، إلى ردة فعل على ردة الفعل عند المسلمين. وفي دوّامة ردود الفعل هذه وتحت وطأة الضغوط والأحداث الأخرى التي شملت كل أوروبا، تتراجع قيم التمدن أمام قيم التعصب، تتراجع العقلانية أمام الغرائز، وتتصدع الجسور الثقافية والإنسانية التي قام عليها أمن المجتمعات الأوروبية. وقد ظهرت في أوروبا مؤخراً مؤشرات، وصدرت قوانين و"كتب بيضاء"، وتوترت علاقات، وحدثت اضطرابات اجتماعية وأمنية، كلها يؤكد على تراجع ثقافة الإقبال على الآخر في اتجاه عدم القبول به. هذا يصيب مقتلاً في الحياة الأوروبية وفي علاقات أوروبا مع العالم الخارجي. أعتقد أن الوباء الذي تحمله هذه الحرب العالمية الجوّالة، في مطلع هذا القرن، سيكون أثره التدميري الإنساني في المجتمعات الأوروبية أعمق بكثير وأكثر استدامة من آثار التدمير في الحربين الكونيتين في النصف الأول من القرن الماضي.

خلاصة الكلام هنا هي أنّ هذه العملية التحويلية في حياة أميركا ثم في أوروبا، كانت لها الأولية في الترتيب الزمني، كي تتمكن عصابة الديّانين الجدد من استخدام قوتهما لتنفيذ حروبها التحويلية في العالم، بدءاً من العالمين العربي والإسلامي، بل بدءاً من منطقتنا، من سورية الطبيعية تحديداً، حيث تخوض حرباً على المجتمع بقصد تدميره.

في العراق، دمّرت العصابة في المنشآت وفي خلال ثلاث سنوات ما تعمّر في خلال قرن كامل، وقامت بعملية تحويلية شريرة في المجتمع العراقي. قد يمكن إعادة تعمير ما تدمّر في المنشآت. لكن قد لا يمكن إنقاذ المجتمع العراقي من آثار العملية التحويلية التي دفعته إلى دوّامة التدمير الذاتي. في فلسطين، ثمة إبادة جماعية منهجية تحصل. شرّ ما فيها ليس قطع الطريق على قيام دولة، بل جعل المجتمع غير قابل للحياة.

يبقى أن نعلم أنّ هذا النظام الجديد ما يزال في أوّل طريقه. فالآتي أعظم إذا لم يتنبه العالم لنوعية الأخطار الآتية ومستواها. ولا يبدو أنّ هذا الوعي حاصل بالمستوى المطلوب وبالسرعة الضرورية. وقد تجرّ الكوارث الإقليمية التي نتوقعها إلى كارثة عالمية إنسانية يخرج منها الجميع خاسرين إذا خرجوا منها سالمين. لكنّ الديّانين الجدد يسعون إليها.

قلت في مطلع حديثي إنني سأعرض للأنظمة العالمية السابقة وما تختلف فيه عن النظام الجديد أو تتناقض معه، ثم أشرت إلى الخطر المترتب عن عدم التمييز بين هذا النظام الجديد والنظام الإمبريالي.

ثمة نظامان عالميان سابقان: الأوّل هو مؤسس الحضارة، والثاني هو النظام الإمبراطوري المتحوّل أخيراً إلى إمبريالي.

النظام الأول هو مؤسس العالم الحضاري القديم. هو أطول الأنظمة عمراً: دام حوالي ثلاثة آلاف سنة، من منتصف الألف الرابع إلى منتصف الألف الأول قبل الميلاد. به تأسس العالم القديم انطلاقاً من منطقتنا، بل من بلادنا بالذات. كان نظاماً عالمياً بحق لأنه كان مؤسساً وناظماً لعلاقات الشعوب لا الدول.

هل نحن ندرك تماماً ماذا يعني تأسيس العالم القديم إذا لم نعرف ما كان قبله؟ ما كان قبله كان التوحش يسود العلاقات. بل لم يكن ثمة علاقات إلا علاقات التصادم، والخوف من الآخر. كان الآخر عدواً تتجنبه أو تصادمه.

لا نعرف الكثير عن تفاصيل نشوء العالم القديم بقدر ما نعرف عن نتائجه. أصبح التاجر يذهب من المتوسط إلى الهند حاملاً سلعته للمقايضة بها، ثم لبيعها مقابل النقود في عصور لاحقة. ماذا تعني هذه اللغة الجديدة، لغة التبادل والتجارة والتعارف، تصير بديلاً عن لغة العزلة أو التصادم؟ تعني أنّ ثورة تاريخية جديدة قامت على العلاقات بعد الثورة النيوليتية الأولى التي تمثلت بطور الاستقرار بعد البداوة الأولى المتوحشة. اسم هذه الثورة في العلاقات: تأسيس عالم جديد، نسميه الآن العالم القديم، تواصلت فيه القارات الثلاث التي كانت كل العالم.

مَن منا يستطيع اليوم أن يقود قافلة من المتوسط إلى الهند في البر ويؤمّن على نفسه ورزقه من دون نظام أمني يحميه؟ أي نظام أمني كان يحمي تلك الأسفار البعيدة وقوافلها في ذلك العالم القديم الناشئ؟ لا سيما أنه لم يكن ثمة دول وجيوش على ذلك الطريق الطويل. كان الشعور بالانتماء إلى عالم الحضارة الناشئ هو النظام الأمني الجديد والوحيد. وصار الشعور بالمصلحة في المحافظة على أمن الطريق هو الدافع للأقوام المنتشرة على طول الطريق للتجند لحمايته؟ صار الطريق المؤسسة الحضارية الأولى، والمصلحة الأولى، ورمز العالم القديم المؤسس على العلاقات الجديدة. بهذه العلاقات الإيجابية الجديدة أصبح الآخر البعيد قريباً وأليفاً. وبالمصالح الناشئة عن هذه العلاقات أصبح الآخر الغريب شريكاً.

ما هي القيم والمفاهيم التي نشأت عن هذه الشراكة ثم صارت ضامنة لها؟ إنها قيم ومفاهيم جديدة قائمة على الانفتاح والثقة، على تغيّر جذري في رؤية الإنسان لنفسه ورؤيته للآخر. وهذا التغيّر شمل كل المجالات الثقافية وغيرها، لا سيما الدين. وقد تكلمت في إحدى محاضراتي عن العبادة الشمسية التي كانت سبّاقة ومؤسسة لفكرة التوحيد في الدين، انطلاقاً من اكتشاف وحدة الإنسانية. اكتشف المتوسطي، وهو في الهند، أنّ إلهته الشمسية تشرق عليه وعلى الآخرين. أنها إلهته وإلهة الآخرين. هذا كان التوحيد الحقيقي الأول في الدين مع العبادة الشمسية لا مع الإله القبلي الإستئثاري الخاصّ بالقبيلة. فالتوحيد الحقيقي ليس الإيمان بالإله الواحد فقط بل الإيمان بأنّ هذا الإله الواحد هو إله الجميع. وهذا التطوّر المفهومي والإيماني يمكن أن يصدر عن بيئة اجتماعية وثقافية تعرف وحدة العالم والإنسانية وتؤمن بها لا عن متحد قبلي بدائي ينتهي عالمه عند حدود القبيلة ومسرح حياتها الضيّق.

هذا النظام الأول الذي أسّس الحضارة يمكننا تسميته النظام العالمي الأول. أقول العالمي ولا أقول الدولي، لأنه لم تكن هناك دول ناظمة له. بل كان ثمة قيم ناظمة له، ثمة مجتمعات وأقوام ناظمة له. كان ثمة حضارة تحمي الحضارة في غياب الدول والجيوش الجرّارة. هذا بخلاف النظام الدولي الإمبراطوري الذي جاء من بعده.

بدأ الانتقال إلى عصر الإمبراطوريات مع الإمبراطورية الفارسية عام 538 ق.م.. هذه الإمبراطورية كانت، من حيث المفهوم والروحية، في موقع وسطي بين العالم القديم والإمبراطوريات. حاولت أن ترث العالم القديم، فانفتحت على مهده في سوريه وتبنت اللغة الآرامية لغة رسمية، ولم تدمر العالم القديم. وبعد قرنين، جاء الإسكندر (333 ق.م.) الذي حاول بجهد وبإصرار أكبر أن يرث العالم القديم. ورَثته أقاموا عدة دول امتدت على القارات الثلاث من حوض المتوسط إلى أعماق آسيا في الشرق. ثم تفككت هذه الدول وتقلصت واستقرّت على دولتين أساسيتين: السلوقية في سوريه والبطلسية في مصر. قلنا إن الإسكندر حاول جاهداً أن يرث العالم القديم. لكنه لم يفلح. ورث مساحات العالم القديم أو أكثرها، لكنه لم يرث ولم يورث روح العالم القديم. وإذا كانت إمبراطورية الإسكندر ورثته من دون روحه ومن دون أن تتمكن من المحافظة عليه، إلا أنها لم تدمره ولم تتناقض مع روحه كما فعلت الإمبراطورية الرومانية.

الدورة الإمبراطورية الفعلية بدأت مع الإمبراطورية الرومانية التي أقامت نظاماً دولياً جديداً في حوض المتوسط وقطعته عن العالم القديم. وإذا كان الإسكندر ورث مساحات العالم القديم من دون أن يرث روحه ومن دون أن يتمكن من المحافظة عليه، فالإمبراطورية الرومانية لم ترث لا مساحاته ولا روحه، بل دمرته ودمرت روحه في حوض المتوسط. ظلت سوريه تدافع عن العالم القديم وروحه ما يزيد على ثلاثة قرون(من 64 ق.م. حتى 272 ب.م.)، لكنّ الإمبراطورية انتصرت. عام 272 (سقوط تدمر) هو عام مشؤوم في تاريخ الحضارة، ومفترق كبير في العلاقات الإنسانية العالمية.

لم تكن الإمبراطورية شيئاً مختلفاً فقط، بل نقيضاً. يكفينا في وصف نظامها الجديد أن نقول إنّ كل ما ذكرناه من قيم النظام السابق ومفاهيمه وروح علاقاته، جاءت الإمبراطورية بنقيضه. أقامت الإمبراطورية حزاماً حول المتوسط بسطت سيطرتها عليه واعتبرت حدوده حدود التمدن بل حدود العالم. مع هذا النظام انتقلت حياة المتوسط من علاقات تذهب في كل الاتجاهات، ذهاباً وإياباً، أخذاً وعطاءً، إلى علاقات واحدية الاتجاه تأخذ ولا تعطي. من علاقات مؤسسة على القناعات والمصالح والقيم المشتركة والروح الإيجابية، إلى علاقات قائمة على الإخضاع والقمع وعلى الروح العدائية والإعتدائية.

إلاّ أنّ النظام الإمبراطوري-الإمبريالي قام على مبدأين، هما السيطرة والاستغلال، اختصر بهما منظومة قيمه ومفاهيمه ودليل علاقاته. لم يطمح إلى تغيير الآخر إلا في ضوء ما يثبّت سيطرته عليه وفي حدود ما تقتضيه مصلحته في استغلاله. لذلك عمل على تثبيت الاستقرار لا على تعميم "الفوضى الخلاّقة". على الأرض المزروعة واستغلال تعب الآخرين، لا على الأرض المحروقة وإلغاء الآخرين. لعلّ هذا من مساوئ مطامحه ومن محاسن حدود هذه المطامح. 

مطامح النظام العالمي الجديد لا تعرف هذه الحدود، وطبيعتها تختلف عن المطامح الإمبريالية. إنه نظام ما بعد الإمبريالي، نظام تحويلي للإنسان والحضارة. إذا استطاع أن ينتصر، سيعيدنا إلى ما قبل النظام العالمي الأول أي إلى ما قبل التمدن. إنه يستهدف ضرب كل قيم ومفاهيم التمدن التي سمحت للإنسانية ليس فقط أن ترتقي بل أن تستمر وتبقى. لكنه يستعير عناوين هذه القيم والمفاهيم لأغراض تسويقية فقط وليخدع بها العالم.

الآن، سأعرض بسرعة لإستراتيجيات وآليات ووسائل هذا النظام الجديد؟

أهمّها، في رأيي، أربعة.

الأولى هي الحدث، خلق الحدث التحويلي. 11 أيلول حدث. اغتيال الحريري حدث. التفجيرات والعمليات الإرهابية حدث. الكاريكاتور حدث. تهديدات بن لادن المسجلة حدث. وهنا علينا أن نلاحظ إنه ليس من باب الصدفة أن لا يطلع بن لادن أو الظواهري بتصريح إلا عندما تكون الإدارة الأميركية في أزمة وهي بحاجة إلى مثل هذا التصريح.

الوسيلة الثانية هي المراهنة على ردود الفعل: أعتقد أن عقيدة المحافظون الجدد أو الديّانون الجدد هي العقيدة الوحيدة التي تبحث عن أعداء وعن ردود فعلهم على فعلها. تبحث عن أعداء في العالمين العربي والإسلامي وتغذي ردود فعلهم لتصنع منها صورة نمطية. ثم تسوّق الصورة النمطية لاكتساب "حلفاء" يلتحقون بها في حربها على أصحاب هذه الصورة وشرورهم (إرهابهم). هكذا أخضعوا أوروبا لمشروعهم الحربي على الإرهاب المتمثل بالصورة النمطية للعالمين العربي والإسلامي. وهكذا وتّروا العلاقات في قلب المجتمعات الأوروبية بين المسيحيين والمسلمين. وهي تدخل الجميع في دوّامة ردود الفعل.

الوسيلة الثالثة هي الطرق المسدودة: أدخلوا كل الأزمات والأوضاع التي تعاملوا معها في الطريق المسدود. لا في أفغانستان والعراق فقط، ولا في الأزمة اللبنانية وما يرافقها من أزمات مع سوريا وإيران وغيرهما فحسب، بل أيضاً في مجمل العلاقات الدولية (بين الدول) والعالمية (بين الشعوب). أدخلوا هذه العلاقات في حقل المعتقدات الدينية وأخضعوها له. أقول المعتقدات الدينية ولا أقول الإيمان الديني لأنّ الإيمان يوحّد أما المعتقدات فتفرّق. فإدخال العلاقات في نزاعات الصور النمطية للمعتقدات الدينية، من شأنه أولاً أن يعمم النزاعات الدينية والطائفية والمذهبية، ثم أن يُدخل الجميع في الطريق المسدودة لأنّ حقل المعتقدات الدينية لا يمكن الاجتماع أو الاتفاق عليه، بل لا يمكن أحداً الخروج من دوّامة النزاعات على أساسه، فيما النزاعات على السياسة وعلى المصالح الاقتصادية و"الدنيوية" الأخرى تنتهي إلى مخارج بشكل أو بآخر.

الوسيلة الرابعة هي الجيش الخاص وشبكاته وعملياته السرية: في العراق ثمة مئة وثلاثون ألف جندي نظامي. إلى جانبهم خمسون ألف مرتزق يؤتى بهم إلى العراق تحت أسماء مختلفة وتحت غطاء مؤسسات "شرعية". لا أحد يعلم ماذا يفعلون. لا أحد يحاسبهم. لا أحد ينتظر عودتهم. لا أحد يطالب بهم إذا فُقدوا. لا أحد يعترف بالمسؤولية عنهم وعن أعمالهم. لا يخضعون لأي قانون: لا قانون العراق ولا القانون الدولي ولا القانون الأميركي. ويستعين هؤلاء المرتزقة بأعداد مضاعفة من العناصر المحلية من الجائعين في العراق وهم بالملايين. فيوكلون إليهم مهمات "أمنية" تروّع فريقاً من العراقيين باسم فريق آخر، أو مهمات "استشهادية" قسرية إذ يكلفون أحد هذه العناصر العراقية بنقل بضاعة ملغّمة من دون علمه ثم يفجّرون سيارته في المكان الذي عينوه له : على باب مسجد أو في سوق خضار تعج بالناس. ثم يعلنون عن عملية "استشهادية" أو "انتحارية" قام بها إرهابي.

ثمة مَن يعترض على سجن غوانتانامو الذي لا يخضع للقانون. لكنّ المعترضين أنفسهم لا يعرفون شيئاً عن هذا الجيش السري الذي لا يخضع للقانون وهو يقود الحروب في العالم، ويقوم بآلاف العمليات السرية، ويدير مئات السجون السرية في العراق وفي كل بقاع الأرض وفي أجوائها وبحارها. والذين يعرفون الكثير أو القليل عن هذا العالم السرّي، قد لا يعرفون أنّ أخطر ما فيه ليس أنه عالم متوحش، بل أنه يعمل لعودة الإنسانية إلى التوحش. وأنه بهذا يفترق عن النظام الإمبريالي التقليدي.

أريد أن أختم كلامي عن النظام العالمي الجديد وعن العصابة التي تقوده، بالتوقف عند النموذج العراقي القائم الذي يثبت أنّ هذا النظام هو تحويلي وتدميري للإنسان الحضارة. فالعراق يتعرض لعملية تدميرية منهجية تستهدف الإنسان قبل الممتلكات والمنشآت. إنها حرب على الإنسان، بدأت مع العقوبات في أوائل التسعينات من القرن الماضي. الإحصاءات تنبئ عن مليون طفل عراقي ماتوا بنتيجة هذه العقوبات. لكن الإحصاءات لا تذكر أنّ خمسة ملايين طفل آخرين تشوّهوا في أجسادهم ونفوسهم وأخلاقهم، وأن الشعب العراقي برمته هو الآن ضحية التدمير الذاتي فضلاً عن التدمير الخارجي. الإحصاءات والدراسات تتوقف عند الضحايا الذين ماتوا أكثر مما تتوقف عند الضحايا الإحياء.

في العراق الآن ثمة قيادتان للحرب، القيادة الأميركية الرسمية، ثم قيادة المحافظون الجدد. الجيش الأميركي النظامي، وإلى جانبه، بل فوقه، القوات الخاصة وجيش المرتزقة. هؤلاء الأخيرون يُخضعون السلطات الأميركية للبنتاغون، ويُخضعون البنتاغون وجنرالاته لقيادتهم الخاصة. ومنذ شهرين استصدروا قوانين لا قانونية تسمح لهم بإرسال مندوبيهم السامين إلى السفارات الأميركية في العالم بحيث يقودون العمليات في كل بلد من دون العودة إلى السفير الأميركي ومن دون علمه. وقد كتبت عن هذا الموضوع الذي كان قائماً في لبنان والعراق من قبل أن يصدر القانون وقلت إنّ عصابة المحافظون الجدد تسيطر على السلطات الأميركية في واشنطن وفي السفارات الأميركية، وهي التي تقود الحرب في العراق.

إذن، ثمة قيادتان لهذه الحرب، وكذلك ثمة حقيقتان لنتائجها. فإذا كانت الولايات المتحدة فشلت في حربها في العراق ووصلت إلى الطريق المسدود فيه فضلاً عن الكلفة العالية والخسائر التي يتكبدها الشعب الأميركي، فالمحافظون الجدد قد ربحوا حربهم وحققوا أهدافهم في تدمير العراق ودفعه إلى التدمير الذاتي. وهم غير مهتمين بالخسائر الأميركية المادية والمعنوية. ثمة تقديرات رسمية لكلفة هذه الحرب على الأميركيين حول خمسماية بليون دولار. لكن التقديرات الشاملة تتكلم عن عدة تريليونات فضلاً عن الكلفة الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية. لكن المحافظون الجدد لا يهتمون بخسائر أميركا ولا بالنتائج الكارثية عليها. هذا من آخر همومهم. وهم، في هذا الموضوع، يعملون على تضليل الشعب الأميركي وحجب الحقائق عنه.

ثم ثمة نظريات تقول بعدم قدرة الولايات المتحدة على خوض أكثر من حرب واحدة في وقت واحد، وعدم مصلحتها في التورط في حروب دائمة وعلى جبهات متعددة. لكن المحافظون الجدد حريصون على توريط أميركا أكثر فأكثر، وهم الآن، بعد أن حققوا هدفهم التدميري في العراق، قد انتقلوا إلى لبنان وسوريا وإيران والسودان، ثم ينتقلون إلى الأردن ومصر والسعودية ودول الخليج الذين يعتقدون، عن جهل أو عجز، أنهم في منأى عن المشروع الحربي الذي يستهدف المنطقة بكاملها.

في لبنان: هذا الحديث يختص بالنظام العالمي الجديد. لكن لا يمكن إنهاؤه إلاّ بلمحة ولو قصيرة عن انتقال حربه إلى لبنان، مع أنّ هذا يتطلب بحثاً مستقلاً وموسعاً، بل إنه أولية الأوليات لنا في لبنان الآن.

إنّ كل ما سبق وقلناه هنا يساعد اللبنانيين على فهم ما يصيب لبنان الآن. المنظمة الظلامية تضع كل ثقلها عندنا، مستخدمة كل آلياتها التي تحدثنا عنها. فهي خلقت الحدث وأتبعته بأحداث: اغتيال الرئيس الحريري، التفجيرات، التطورات الدرامية والعنفية، الوضع الاقتصادي والمالي..الخ. ثم وسيلة الفعل وردود الفعل بحيث بات لبنان يعيش اليوم على دوّامة ردود الفعل. ثم وسيلة الدفع إلى الطريق المسدودة وحوار الطرشان: حوار عقيم ومأزوم على طاولة البرلمان، ثم محاولة تعميم هذه الطريق المسدودة على حياة اللبنانيين جميعاً.

هذا في الشكل والآلية، أما في الجوهر فالهدف هو مشروع تدميري وانتحاري للبنان. الموادّ الأولية متوفرة: نظام طائفي عاجز وفاسد، غرائز طائفية ومطامع شخصية صاعدة، وأوضاع اقتصادية ومعيشية باتت ملائمة بعد أن أغرقوا لبنان بالديون عن سابق قصد وتصميم. لكنّ هذه الموادّ الأولية في ذاتها لا تصنع مشروعاً انتحارياً. كما أنّ الموادّ الأولية في ذاتها عام 1975 لم تكن كافية لصنع حرب أهلية. فجاء مشروع تحويلي صنع منها حرباً أهلية عام 1975. واليوم يأتي مشروع تحويلي ليدفعنا إلى التدمير الذاتي.

قدَر اللبنانيين أن يجتمعوا ويقاوموا، وأمامهم مهمتان: مهمة أولى فورية تقضي بالتصدي لهذا المشروع الانتحاري لمنع حصوله، وهذا يستلزم إرادة سياسية تتماهى مع إرادة الحياة. مع العلم أنّ شعبنا يمتاز بهذه الإرادة التي كانت مصدر قوته في المحن التاريخية الكبرى التي عاناها. والمهمة الثانية هي تحصين مجتمعنا بحيث لا يكون فيه موادّ أوّلية مغرية لأعدائنا وللمنظمة الظلامية لصناعة آليات الموت أو الانتحار.

لكنّ اللبنانيين يتساءلون كيف يستطيعون أن يقاوموا هذا المشروع الحربي عندهم، وهم البلد الصغير الذي لا يمتلك وسائل الدفاع، فيما المشروع الحربي يهدد العالم كله بأساطيله وجيوشه ووسائله غير المحدودة؟

علينا أن نستعيد ثقتنا بنفسنا، فنحن قادرون على المقاومة والانتصار إذا وعينا طبيعة هذه الحرب علينا وعرفنا كيف نستخدم الوسائل التي نمتلكها، وهي كثيرة وفعّالة.

أولاً، الصراع مع هذا النظام ليس صراعاً تقليدياً يتطلب جيوشاً وطائرات وقوى جبارة. إنها حرب أفكار قبل أي شي آخر. حرب أفكار بالمعنى الواسع للكلمة. أسّس المحافظون الجدد كل بنائهم على الأفكار. أفكار شيطانية، لكنها أفكار في النهاية. كانت سلاحهم الأول ولا تزال. أعطي على ذلك مثالاً، هي فكرة آليات التدمير الذاتي وعلى رأسها آلية الفعل وردة الفعل للوصول إلى دوّامة ردود الفعل التي يصعب الخروج منها. إنها فكرة، لا تحتاج إلى جيوش وأساطيل. بل إنّهم لا يعودون بحاجة إلى التدخل عندما يطلقون آلية الفعل وردة الفعل. عندما يطلقون قيم الدمار الشامل، قيم الكراهية والعنف والحقد والخوف والرعب والحذر من الآخر، لا يعودون محتاجين إلى التدخل، لأنّ هذه القيم تقوم بفعلها الذاتي. يتدخلون فقط عندما يتوقف اللبنانيون عن التقاتل أو يجتمعون على الحلول.

في حرب الأفكار هذه، يمتلك لبنان سلاحاً قوياً، فهو ليس فقيراً بالأفكار. الحرب الحقيقية على لبنان لا تخاض بالأساطيل. إنها حرب ذكية، واللبنانيون لا ينقصهم الذكاء إذا توفر لهم الوعي لطبيعة هذه الحرب وسلاحها.

ثانياً، مهما قلنا أن الطائفية جرفت الناس، فإنّ هناك قطاعات واسعة من شعبنا حذرة من هذا الموضوع. فهي، من جهة أولى، لا تثق بالطبقة السياسية الفاسدة والمفسدة التي تقود هذه الطائفيات، وهي، من جهة ثانية، لا تثق بالقوى الخارجية. وعلينا أن نعزز هذا الوعي ونعممه.

 ثالثاً، ثمة عامل إيجابي يجب التنبّه إليه، هو كون لبنان الآن في واجهة الأحداث وكون العالم على السمع لمتابعة ما يحدث في لبنان وما يصدر عنه. متى كانوا يسمعون بلبنان إلى هذا الحد؟ من آسيا، إلى أميركا، إلى أوروبا، إلى الأمم المتحدة حيث كانت أكثرية القرارات الصادرة عنها تختص بلبنان أو تتعلق به بشكل أو بآخر. أراد المشروع الحربي من هذا اللغط بإسم لبنان أن يحرّض العالم علينا وأن يبرّر سياسته العدوانية تجاهنا وتجاه منطقتنا بدءاً من عندنا. لكننا نستطيع أن نردّ سلاحه عليه، أن نقلب السحر على الساحر، بإسماع العالم صوتنا وصوت مقاومتنا في لبنان وبدءاً من لبنان في منطقتنا وفي العالم كله. لأنّ كون العالم على السمع الآن، يقدم لنا فرصة لفضح المشروع التدميري الذي نتعرض له، بدلاً من أن نسمح للمحافظون الجدد بتضليل العالم في شأننا وبإيهامه أنهم هم المنقذون.

صحيح أنّ اللبنانيين قلة، ولكن على هذه القلة أن تعلم أن الأعمال الكبيرة والرسالات الإنسانية بدأت دائماً بقلة. علماً أنّ مقاومة هذا المشروع التوحيشي هي رسالة ليس أعظم منها رسالة. ولنتذكر أنّ المسيحية طلعت من بلادنا وأنّ الإسلام انطلق من بلادنا، على يد قلة في المنطلق. لو قالت هذه القلة من رسل المسيح الأوائل ماذا نستطيع أن نفعل في وجه الدولة الإمبراطورية الرومانية وجيوشها وفي وجه الهيكل وكهنته المقتدرين، لما قامت مسيحية ولا قام إسلام. حفنة من الناس انطلقت من هنا بإيمانها وإرادتها وتصميمها فغيرت وجه العالم. من قدر اللبنانيين أن يواجهوا هذه الحرب وأن لا يشككوا في قدرتهم على مقاومتها في لبنان وبدءاً من لبنان.

أريد أن أعود فأذكّر بأنّ هذه الحرب على لبنان بالذات إنما تحتاج إلى بحث مستقل. عرّجنا عليها الآن بسرعة على هامش حديثنا عن النظام العالمي الجديد واستكمالاً له. إلاّ أنها أولية الأوليات الآن في حياتنا ومصيرنا، وليس من موضوع آخر يأتي في أهميتها. ولعلّ هذه الندوة الكريمة التي دعتنا لحديث اليوم تخص هذا الموضوع بالذات بلقاءات لاحقة مع مفكرين متعددين يعطونه حقه في الأولية وفي الجهود الضرورية للكشف عن جوانبه.