العدد الثاني عشر - حزيران 2006

قرن من الهزائم... وماذا بعد

نصري الصايغ
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

احترم تشاؤمه، ويسخر من تفاؤلي.

أداري كثافة مشاعره وحرصه على طقس النقمة، وأتفهم استغراقه بالإحباط، لكنه، ينعتني بالأعمى، كلما أشرت إليه إلى ضوءٍ في آخر النفق العربي.

قلت له متى تكف عن الشكوى، وتتوقَّف عن جلد الذات، وتعذيب نفسك وتعذيبي معَك؟

قال: يا رجل، قرن من الهزائم، سلالة من الخسائر، أوطان مستباحة، شعوب بائدة، معارك خاسرة، وأخرى رابحة خسرناها. وحدة ممزقة فتاتا، أنظمة متهالكة إلى حتفنا، ثقافة تتساقط أفكارها في سباق التراجعات، تنمية تبور فساداً، ديون سرطانية، ثروة نفطية ملعونة، بلاد سائبة، أمية متفوقة الأعداد، نساء يتخلفن كلما تقدم العالم، رجال فقدوا الرجولة السياسية، حرية قيد الإقامة الجبرية، تحرير من سراب الحروب، نتقدم في الشيخوخة ونمضي في ارتكاب الأوهام... ولم يعد عندنا، إلا صداقة أميركا الإلزامية، وإرسال التحيات المرفوضة من قبل العدو الإسرائيلي.

وأنهى معلقته الكارثية: قرن من الهزائم، يا رجل قرن كامل من الأحلام والآمال والإيمان والعطاء والصبر والشهداء و... والنتيجة: قرن كامل من الهزائم... أمس ميسلون، بعدها فلسطين، واليوم العراق.

قلت: ماذا بعد؟

قال: لا بعد، بعد الآن، إذا لم تنته من تعداد هزائمك ومعرفة أسبابها واستخلاص النتائج، ستستمر في طرق بلاد تنتظرها.

قلت: سأفعل، إنما، أنا مصر، على ماذا بعد؟ وهذا ما سأفصح عنه أمامكم، لأن صديقي مصر على الإقامة فقط في الماضي، فيما أنا مصر على الانتقال الدائم من الماضي إلى المستقبل. ولدي قناعة، أن مستقبلنا، لن يكون نسخة عن قرن من الهزائم إذ، ليس هناك كارثة أعظم من أن يكون مستقبلنا نسخة عن هذا الماضي، نسخة أكثر سوءاً.

يستحيل إعادة إنتاج الماضي، فمن أين أبدأ؟

أعترف أنَّ لصديقي موهبة في قراءة الماضي، سنقرأه معاً، على أن نحجز لنا مكاناً للانتقال إلى قراءة جادة وذكية للمستقبل، بأدوات الواقع، وليس بالأحلام والأماني والمشاعر.

الهزيمة الأولى: الانتصار المغدور

كنا على وشك الانتصار، واقتربنا من الوحدة، تحت الحصار، كانت الثورة العربية قد اشتعلت، وسارت من الحجاز إلى معان، مطمئنة نسبياً إلى تحالف، سجلته رسائل حسين ـ مكماهون. وبذلت الفرق العربية جهوداً لا تقدر بعدد الشهداء والجرحى، كي تطرد الأتراك، وترفع العلم العربي، قبل وصول القوات البريطانية، وسجل المعارك يشير على أن المدن السورية، من معان إلى حلب مروراً بدمشق، قد أفتتحها ودخلها العرب، قبل أيام، من وصول القوات البريطانية.

كنا على وشك إقامة دولة الوحدة، بملكية دستورية، وديمقراطية برلمانية، ومشاركة شعبية، عبر المؤتمرات والأحزاب، والمساءلة والمحاسبة. وإن السلوك السياسي والديمقراطي والمناخ الحواري، برغم التحديات، كان سائداً في تلك الحقبة الصعبة.

غير أن النهاية المأساوية لهذه المسيرة، تفصح لنا على ما يلي:

1 ـ من يربح في المعارك والحروب، ليس من المحتم أن ينجح في السياسة وتحقيق المكاسب. ويصح ذلك علينا، وعلى إسرائيل كذلك. وهذا ما سنبينه لاحقاً.

2 ـ إن سياسة الأحلاف، لا تقوم على النوايا والمراسلات، بل على المصالح وموازين القوى. لقد كنا في الحلف المنتصرين، وساهمنا في الانتصار. فانتزع منا، في معاهدة سايكس ـ بيكو، واقتطع منا، بوعد بلفور، وانتقلنا من صفوف الرابحين إلى مواقع المهزومين.

3 ـ قاومت الأمة سياسة التجزئة والانتداب والاقتطاع، وخاضت حرباً على جبهتين فخسرتها، ووأدت جبهة، كان من المتوقع انتصارها، ولكنها لم تفعل. وسأشرح.

أ ـ في السياسة والدبلوماسية: بذل الملك فيصل وحكومته ومعاونوه جهوداً حثيثة مع حلفائه بعد الحرب، وفاوض بذكاء وشراسة وخطوة إلى الأمام وخطوة إلى الوراء، ولكنه لم يحصد إلا المهانة والنكوص عن الوعود. كان يفاوض في العراء، لا حليف له، سوى قوة عسكرية نظامية كثيرة العدد، قليلة العتاد، بقيادة يوسف العظمة.

ب ـ في الحرب: كانت كل خطوة إلى الوراء، تستدعي خطوتين أخريين إلى الوراء، فالتنازل يقود إلى منطقه، الزيادة في التنازل، حتى أصبح ظهر دولة الوحدة إلى الحائط، وتغيَّرت وتبدلت اللهجة، من حوار دبلوماسي وعرض لوجهات النظر المتبادلة، إلى إنذار، تليه إنذارات، ليس أفظعها إلا الإنذار الأخير لغورو، بضرورة التسليم والاستسلام، وتسريح الجيش وضرب العصابات: أي حزب المقاومة.

وكان من المتوقع، كما تروي الشهادات عن تلك الحقبة، أن يُهزَمَ الجيشُ المسرَّح، قبل أربع وعشرين ساعة، إزاء جيش قوة عظمى استعمارية. لقد كانت معركة ميسلون انتحارية.

جـ ـ في فن العصابات: تورطت الحكومة آنذاك، في قبول عدد من العروض الفرنسية، ومنها ضرب العصابات (المقاومة)، وسمتها وسمت مواقعها تحديداً. وهكذا، حوصرت العصابات، ووئدت المقاومة، التي كانت تكبد الفرنسيين خسائر كبيرة، أكثر من خسائرها إبان المعارك العسكرية. ومعلوم في بديهيات المواجهة، أن القوة النظامية الأقوى، تهزم قوة نظامية أضعف. ومن بديهيات الحروب، أن القوة الكبرى، تهزمها، بشروط موضوعية، قوة أصغر منها وأضعف، ولكن بأساليب مختلفة.

لذلك، عندما اختلت معادلة التفاوض ـ الحرب ـ المقاومة، ومورس التفاوض وحده، خسرنا ما كان يجب أن يكون ربحاً، ولو كان ربحاً مؤجَّلاً، نستحقه بانتزاعه، بالمقاومة المسلحة، والقرار السياسي المرتكز على قوة ميدانية، لها القول الفعل، في الرفض والقبول.

وهكذا، وبإيجاز، ربحنا معاً، وخسرنا وحدنا، كان يمكن أن نربح لو كان التفاوض متكئاً على جيش نظامي مدعوم بالمقاومة. أما وقد خضع الحسين في التفاوض فسرح الجيش، وأجهض المقاومة، فلم يعد أمامه إلا الهزيمة الكاملة.

4 ـ بعد تلك المعركة، دخلت الأمة في هزيمة، سيطرت مفاعيلها على قرن كامل من الزمن. فقرن من الهزائم، بدأ، من خلال عدوان سافر، من دول ديمقراطية كاسرة واستعمارية، تكرس في كيانات وأقطار، ذات أسوار عالية، وشقاق دائم، وحروب أخوة أعداء، وتسلط وطغيان، ومعارك مغلوطة. أن التجزئة كانت فعلاً استعمارياً بامتياز، أما الكيانية أو القطرية، فقد كانت من عبقريتنا الضحلة ونتاج سواعدنا المدعومة بقوى خارجية، ومصالح شديدة الالتصاق ببقاء الممالك والأنظمة والجيوش. فالنظام أفضل من الكيان وشعبه، والكيان خير من الأمة ومصالحها. هم قتلونا مرة... ثم تقاتلنا دائماً... ولا نزال.

5 ـ من الطبيعي، أن تكون الهزائم العربية المتنامية والمتناسلة، هي الأبنة الشرعية، لهزيمة الأمة الأولى، في مطامع القرن الفائت: نشوء كيان الاغتصاب واعتراف العالم به وتوسعه الاستيطاني، وحرب الـ48 وهزيمة الـ 67، وموقعة كامب ديفيد بعد انتصار تشرين الجزئي، إلى حرب الخليج الأولى والثانية والثالثة، مروراً بحروب الأخوة العرب، من المغرب إلى الصومال، مروراً بالحروب الداخلية.

6 ـ كخلاصة لتلك الحقبة، لابد من تسجيل أمر في غاية الأهمية: أن لكل دولة عقيدتان: عقيدة للداخل، وعقيدة للخارج، إيديولوجية لذاتها، وإيديولوجية لغيرها. (أنطون سعادة). فحجة الانتداب، التأهيل لنحكم أنفسنا بأنفسنا، هي الذريعة المنعشة لبعض الأغبياء والانتهازيين، الذين يرون أن الولايات المتحدة الأميركية، هي دولة الإحسان الديمقراطي، ودولة الرعاية لشرعة حقوق الإنسان، ودولة تعميم الحريات السياسية، ودولة إقامة نظام عالمي، دعائمه السلم، الخالي من الإرهاب.

لنتذكر، إن الدولة العربية الأولى، التي أعدمت رمياً بالرصاص في ميسلون، كانت دولة ديمقراطية، بعلمانية واضحة، وحرية كافية، ونازعة إلى ممارسة حقها في السيادة على مواردها ومصالحها، ومتطلعة إلى المساهمة الحضارية في النشاط الإنساني. ولنتذكر، أن تلك النواة قد داستها، دولة ديمقراطية مؤيدة من دول ديمقراطية. فللديمقراطية، أنياب أشد فتكاً من الدكتاتورية.

فمن يعرف أن ديمقراطيتنا الموعودة، هي صناعة أميركية، عليه أن يدفع جزيته، فهي ديمقراطية منتخبة من قبل أعضاء الكونغرس الأميركي، ومن يظن نفسه أنه يقترع، فقد شبِّه له ذلك. إنها ديمقراطية معارة، يصلح استعمالها، فوق شروط المانح. ويمكن استعادتها.

7 ـ وكما دفعنا، ثمن الهزيمة الكبرى، من دماء وأحلام ورغبات ومصالح الأمة، دفعنا أيضاً ثمن الانتداب، فمالية الانتداب من جيوب أهل البلاد. ورسائل البطريرك عريضة، وهو صديق للفرنسيين، تفضح السرقة والهدر والنهب، وتشير إلى أن الحالة الانتدابية، بلغت حداً يبشر بعظائم الأمور.

8 ـ لا يغشن أحد نفسه بالسيادة. فتجربة العراق، خير دليل. رجال الدين المتهمين بمعاداة الديمقراطية يطالبون بالانتخابات، لاستعادة السيادة، فيما يصر الأميركيون على تجزئة السيادة وتقليص مداها ومضمونها، قبل إجراء انتخابات مهندسة سلفاً... ولا يغشن أحد نفسه بالدستور، فقد كان المنتدب الفرنسي، يعلق الدستور كلما شاء، أو كلما رأى نزعة استقلالية سيادية، في نبرة أي قرار محلي.

ثانياً: الهزائم المتعاقبة

تشكل فلسطين تاريخاً، يصعب معه الإيجاز، فهي من حيث طبيعتها، لا شبيه لها في العالم المعاصر. كانت الصهيونية مشروعاً وهمياً، غير قابل للتصديق، وبعد خمسين عاماً ولدت على أرض ليست لها، ولشعب ليس منها. وحذفت فلسطين من الخريطة، لعقود كثيرة، ثم عادت، وبقوة إلى قلب العالم. فهي اليوم، قضية كيان، وقضية أقليم، وقضية قومية، وقضية دولية بامتياز، تستحوذ على المحلي والإقليمي والدولي، كأنها على فقر مساحتها، تبسط مشكلتها على العالم.

قاومت الأمة بقواها القليلة والمبعثرة والمتعثرة مشروع الاستيطان، ولكنها فشلت، على مدى عقود طويلة. فاوضت وخسرت، حاربت وخسرت، والسجل حافل بالهزائم، غير أن أمراً لابد من الالتفات إليه، وهو مفصل في التاريخ، وهو مفتاح المستقبل.

إنما، اسمحوا لي، قبل بلوغ هذه المنطقة، أن أعتذر عن عدم ذكر الوقائع، فهي على أهميتها، وضرورة التأكيد عليها، باتت معروفة، ولا نريد أن نمارس جلداً ذاتياً.

فالمشكلة الفلسطينية وليدة ثلاثة عوامل لا انفصام بينها:

أولاً: العامل الدولي، الاستعماري في أوائل القرن العشرين، المتبدل بعد انحسار الاستعمار الكلاسيكي، وحضور الاستعمار الحديث، بكل تقنياته ومصالحه وطرقه في السيطرة والنفوذ. فإسرائيل مشروع استعماري بوسائل استيطانية، بشعب، لم نرتكب بحقه ذنباً.

ثانياً: العامل الصهيوني، وهو إفراز غربي، لحل معضلة غربية، ومشكلة ليهودٍ أوروبيين، هذا العامل، ادعى، أنه يملك حلاً للمشكلة اليهودية في العالم، عبر إقامة دولة لهم في فلسطين، وقد وجدت الصهيونية لها ديناميتين لتنفيذ إدعائها: تفسير توراتي ورغبة بريطانية، ألحَّت على كرومويل، لإقامة محطة وجسر عبور إلى الهند. وكانت حصيلة هذا الزواج الاستعماري الصهيوني، أن اتسعت رقعة النفوذ الصهيوني في العالم، بمقدار اتساع شهوة الاستعماريين الكلاسيكي والحديث.

ثالثاً: والمشكلة الفلسطينية وليدة عامل أساسي آخر، هو حالة الضعف العربي المزمن والمستجد. وإذا كانت أنظمة الـ48، متفرقة على حرب، ومتحدة على زغل، فإن الحروب الأخرى، من 1967 إلى حرب لبنان، كانت فضيحة دلت على مقدار العجز العربي، برغم عدد كبير من عناصر القوة الكامنة: مالاً، واقتصاداً، وتسليحاً، وشعوباً، وإمكانيات.

هذه العوامل الثلاث المتضافرة، لا تزال قائمة حتى اليوم، ولكن، بشكل تضاعفت فيها التأثيرات: فأميركا لم تعد حليفة إسرائيل، بل يكادان يصبحان واحداً في مكانين، في ما خص المصالح المشتركة الملتئمة. وإسرائيل، تمارس عدوانيتها الفائقة بشراسة لا مثيل لها، أمام عجز العالم عن رفع أصبعه بوجهها، والعرب في حال من الضعف، بحيث إنه يصح عليهم، أنهم باتوا ظلالاً ولولا مخاطبتي إياك لم ترني.

ثالثا: أمهات الهزائم

ما رأيكم بالحرب العراقية الأولى؟

ماذا تقولون في الحرب العراقية الثانية؟

لا أعرف تسمية لهما، سوى، أمهات الهزائم، وبكلفة بشرية تتخطى المليون، وكلفة اقتصادية تتعدى الـ120 مليار دولار، وخسارة لجيل من أجيال الأمة حصاراً وحروباً وقمعاً، ولائحة طويلة، يصعب قراءتها وتؤلم متابعتها، حتى بلغنا الهاوية، بعد الزلزال العراقي الأخير، باعتداء أميركي بريطاني مباشر، أنذرنا بعودة الاستعمار القديم، مرة أخرى. وها هو مقيم، ويتطلع إلى تغييرنا، كشعوب وثقافة ومصالح وقيم وحضارة، بعدما تأمنت له، طاعة العديد من الأنظمة العربية.

أميركا تريد طاعة الشعوب العربية. لم تعد تفيدها الأنظمة المطبقة، إلا إذا استطاعت هذه الأنظمة أن تقوم بنفسها، بتغيير الشعب. وهذا ما لا تستطيعه، لا الولايات المتحدة الأميركية، ولا الأنظمة التي تشبه الخاتم في يد السلطان. والسبب، أن الشعوب لا تتغير بقرار والثقافة لا تتبدل بالقوة، والإيمان لا ينتزع بالقهر، والمصالح لا تباد بالهتك. ثم لأن أسباب المقاومة متوفرة وتستقي من مناهل عديدة: عقائدية ودينية وسياسية ومصلحية، ومن طاقة الإنسان العربي على الإيمان بالانتصار، وأنه منغرس في هذه الأرض إلى يوم الانتصار وما يليه.

لماذا هُزمنا في العراق ثلاث مرات؟

لا جواب واحداً على ذلك عندي. فالأسباب بعددٍ لا يُعَدَّ ولا يحصى. ولكنني استبقي سبباً، أراه واجباً. إن تغييب الحرية، مهما كانت الحجج والذرائع، ومهما بدت منطقية (وهي لن تكون) ومهما زينت بالأهداف الكبرى (وهي ليست كذلك) ومهما حاولت أن توظف فلسطين فيها ولأجلها، (وهي بعيدة عن ذلك).. تغييب الحرية الشعبية بالقسر والقهر والعسف والظلم، يعبد الطريق للاستفراد بالقرار. فمن كان يظن، أن إيران الثورة التي فتحت صدرها لفلسطين ستطعن من العراق، ومن كان يتصوَّر أن يضع النظام العراقي رأسه في جرة الكويت، فبات الحل المقترح إما كسر الجرة أو قطع الرأس.

وقد حصل أن دمرت الجرة في الحرب الأولى، ثم دمرت في الحصار، وثم دمرت مرة ثالثة، مع قطع الرأس وتقطيع الأوصال... وبتنا في بصرة الخراب العراقي المريع؟

من؟؟!

الحرية... ماذا نقول فيها: إذا كنت تريد أن تكون مع الغرب، فكن ضد الحرية. وإذا كنت تريد أن تكون مع إسرائيل، فكن ضد الحرية، أما إذا كنت تريد أن تكون مع نفسك، فكن مع الحرية.

هل ينطبق بعض هذا القول على واقعنا؟ أظن ذلك.

رابعاً: الهزائم الدائمة

يصر صديقي على ما يلي:

فشلنا في مشروع النهضة الأولى، فقتلنا بأيدينا، عصر التنوير العربي.

قتلنا بطرس البستاني وفرنسيس المراش وعبد الرحمن الكواكبي وأحمد فارس الشدياق ومحمد عبده، قتلنا فكر التنوير والنهضة والحداثة.

فشلنا في بناء الوحدة، وازددنا شلعاً وتفتيتاً وتمزقاً... فالعداوات العربية ـ العربية، أقوى وأشد فتكاً من العداء العربي لإسرائيل، وهو عداء يتم التخلي عنه اليوم، بمحرضات أميركية وبعقيدة العجز العربي المعمَّمة.

فشلنا في إقامة إدارة حديثة. الفساد أساس الأنظمة.

فشلنا في الاقتصاد والتقانة والتنمية والتخلف يسود على الحداثة.

فشلنا في الثقافة والإعلام... وحلم جراً.

فشلنا في تجربة الحرية، المفتاح الأول، لقوة الأمة ولمقاومتها وقدرتها على تحقيق مصالحها وطموحاتها.

فشلنا، وينضح فشلنا، تقرير التنمية السنوي، الذي بات مجرد نشره، وثيقة عار عربية فادحة السمعة.

وفشلنا في إثبات هويتنا القومية، فتبدَّدنا طوائف وأعراق ومذاهب، وتفشت عصبية الغائية، وبات المجتمع يعاني، من علاقات عنف، هي نتاج الحرمان وانعدام الحوار، والمساءلة.

فالمجتمع العربي، يزخر بالعنف، وقد تذوقنا مراراته في الداخل، وبلغ ذروته في 11 أيلول، وما بعده.

خامساً: ماذا بعد؟

الصورة القاتمة والبشعة لمسلسل الهزائم، لا تحجب عنا، عدداً من الحقائق. فلنرسم الصورة من الجانب الإسرائيلي، بريشة وأقلام كتابهم ومفكريهم.

اللوحة الأولى: الانكسار: انحسر المشروع الصهيوني، من إسرائيل الكبرى، التي لم تر النور، إلى إسرائيل الوسطى، التي انسحبت بعد حرب تشرين والمقاومة اللبنانية، والانتفاضتين الفلسطينيين إلى إسرائيل الصغرى. ولم يكن هذا الانسحاب ممكناً، إنما جاء نتيجة للعوامل التالية:

1 ـ المشروع الصهيوني غير عقلاني، ولا يدور على محور طبيعي. فهو في جوهره يحمل بذور فنائه. فليست فلسطين أرضاً بلا شعب، وليس اليهود في العالم، شعباً بلا أرض. لم تستطع إسرائيل إلغاء الفلسطيني وفلسطين من جهة، ولا قدرت على جدب اليهود من الشتات المزعوم إلى أرض الخلاص. وهذا عاملان ذاتيان يحملان إسرائيل على التراجع.

2 ـ تصدَّت الأمة بمقاومة باسلة، منذ عشرينات القرن الفائت، بالسياسة والقتال، بكل أنواعه. صمدت ضد الاستيطان والاحتلال، ونازلت المحتل وناوأته ورفضته، ومارست مقاومة، تارة بالأحزاب وتارة بالقوة المتوفرة على قدرتها، وبالإرادة الفائقة في تفوقها. فللأمة عبقرية المقاومة التي لم تهدأ. حمل الفلسطيني بؤسه وخيامه ثم حمل سلاحه وطاف الكيانات. أخطأ ثم صوَّب، هاهي بنادق الفلسطيني تسهر فوهاتها، تحت نوافذ المستوطنات.

3 ـ خارج الكيان الفلسطيني المغيب، قاوم اللبنانيون، وحركات التحرر الحزبية القومية والعربية، وفصائل الكفاح المسلح، منذ ما قبل احتلال الجنوب. ولما اجتاحت إسرائيل لبنان، تمهيداً لرصفه منصة انطلاق لإخضاع الأمة، عن طريق هزيمة دمشق، قاومت الأحزاب القومية والوطنية والإسلامية في لبنان، وبدعم من دمشق، وإيران في ما بعد، وألزمت إسرائيل، بالانسحاب من دون قيد أو شرط.

فليس تاريخنا تاريخ هزائم.

4 ـ الرفض الشعبي العربي لإسرائيل: فلاءات الخرطوم التي سقطت في سياسات النظام الرسمي العربي، تحتل المساحة المثالية لدى شرائح واسعة من الشعوب العربية. إسرائيل كيان اغتصاب. ولا اعتراف بها. يقول ميشال فوكو: نعرف المهزوم، عندما يقلد لغة الغالب. ولم تقلد الشعوب العربية لغة الغالب بقوته العسكرية، بل لا تزال ترفضه، وتحاول تقليد الانتفاضة والمقاومة، وتتطلع إلى ذلك عندما تيسَّر الظروف.

اللوحة الثانية: الأسطورة

دشنت حرب العام 1948 وانتصار إسرائيل على دول عربية مندحرة، الزمن اليهودي الجميل. فالحرب حولت الكيان الوليد إلى منصة لحركة تجمح إلى تحقيق مستحيل جديد في التاريخ: الوصول إلى الإمبراطورية الإسرائيلية الشاسعة الأطراف (نص الكومنولث الثالث 1948) فغداة إعلان دولة إسرائيل طرح بن غوريون نبوءته الحالمة: إن دولة إسرائيل قد قامت فوق جزء من أرض إسرائيل... إنني أعتبر (ذلك) المقدمة الكبرى الرئيسية التي تحتل مركز الصدارة في تفكيرنا بأسره، لا بل، توجه حركتنا وسياستنا بأجمعها: إن الدولة ليست هدفاً في حد ذاته، بل هي وسيلة الهدف. والهدف هو الصهيونية. فتسعة أعشار يهود العالم بلا وطن.

عاشت النخب السياسية والثقافية الصهيونية بتياراتها المتعددة، المتشددة واللينة، في أسر حلم أو أسطورة، يبدأ في التاريخ من أول الزمان، ويتوغل في المستقبل لجمع اليهود في كل الأرض، في حدود دولة تصل تخومها إلى الوعد الإلهي المترجم صهيونياً، إلى وعد سياسي تحمله القوى الصهيونية إلى خواتيمة المطابقة للعهد. فالوعد والعهد صنوان.

كان ذلك منذ نصف قرن. كانت تلك أسطورة ترى الحدود بعيدة جداً. يكتب بن غوريون عام 1952 (الكتاب السنوي لحكومة إسرائيل) تتألف كل دولة من أرض وشعب. وإسرائيل لا تشذ عن هذه القاعدة، غير أنها، لم تأت مطابقة لأرضها وشعبها. وأضيف الآن، أنها قامت فوق جزء من أرض إسرائيل فقط. فالبعض يتردد في استرجاع حدودنا التاريخية التي جرى رسمها وتعيينها منذ بداية الزمان. وحتى هؤلاء لا يسعهم إنكار الشواذ الذي تمثله الخطوط الجديدة.

استمرت هذه النشوة بعد حرب حزيران. وطمحت الصهيونية مرة أخرى إلى بلوغ توازن أفضل بين التاريخ والجغرافيا، فبعد ما كانت التوراة، حسب إدعاء شمعون بيريز، هي الوطن الأمم التائه للشعب اليهودي، صارت إسرائيل الدولة، الممثل السياسي لمصير اليهودية.

ووصلت النزعة الانتصارية لدى هذه النخب إلى حد إعلاء شأن هذه الدولة، إلى مصاف يستقيم قوامه فوق الدول الأخرى كافة. يقول بيريز: هي دولة لا يمكن مقارنة مصيرها بمصير أي دولة أخرى. فليس لها شقيق لا من حيث المصالح الإيديولوجية ولا العرفية ولا السياسية ولا العسكرية ولا الاقتصادية.... فمن وجهة النظر هذه ينطبق على إسرائيل التحديد التوراتي للشعب الذي يقيم وحيداً.

وهذه الوحدة المنعزلة المغلقة المكتفية بأحلامها وأساطيرها والمكتظة بقوة حلفائها هي مفطورة على العالمية (بيريز) إننا الشعب العالمي، لذلك نطمح لأن نكون عضواً على حدة، في مجموعة دول العالم.

الشذوذ. الوحدة. العالمية، مفردات تثقل كاهل الأسطورة الصهيونية. فهي مضطرة للاستمرار في ممارسة أسطورتها، إلى القتل. إن الاستمرار في الحياة في إسرائيل، يعطي الأولوية المطلقة للحصول على السلاح. ويسمي بيريز ذلك هوساً مبرراً. فإسرائيل ليست وطناً بل ثكنة عسكرية، إنها الأحلام المرسومة بقوة السلاح، والملوثة بالدماء، والمفروشة بالقتلى، وطن يضع المقابر.

كان اليهودي، يسترشد بالصهيونية، التي ستنقذه من المذابح الأوروبية، بإنشاء له دولة مريحة جداً، يستريح فيها من عناء القتل والموت والعذاب. دولة آمنة ومستقرة، توفر له حياة طبيعية.

خرَّت هذه الأسطورة مضرجة بأوهامها، وخارت قواها، أمام أناس لا يملكون إلا ضعفهم الأقصى، لممارسة حقهم في الحياة. وتفوقت قوة الضعفاء، على قوة الأقوياء، فبان ضعفها أمام نفسها... وهي الآن تتراجع، وتخاف، وتحمي نفسها بجدار، يشكل أكبر غيتو في العالم، بعد ارتكابها المجازر الكبرى، وعلى امتداد نصف قرن، بحق الفلسطيني، واللبناني والشامي والمصري والأردني...

كانت إسرائيل، تطالب بحدود بعيدة عن قلبها، كي تعيش بأمن وسلام. فإن الإسرائيلي يشعر أن توسيع الحدود، هو توفير أقصى للأمن... ويحميه داخل مجمعاته ومستوطناته. فماذا الآن؟

اللوحة الثالثة: اليأس الإسرائيلي

[بعد انتفاضتين، بات الصهيوني يعيش قلق المصير على ذاته، على عائلته، على عمله، على أولاده، الخوف يدخل إلى غرفة نومه، يتجول حوله في الطريق إلى تسلية ما أو في عبوره الشارع ليصل إلى مدرسة أو متجر.

هل ذبلت الصهيونية؟ هل بلغت سن اليأس؟ هل تحطمت الأسطورة وصارت ركاماً لا يصلح إلا منصة لاستكمال مجزرة بلا أفق.

هذه شهادة المؤرخ والفيلسوف الإسرائيلي يرمياهو يوفل، الأستاذ في الجامعة العبرية في القدس، والأستاذ في كلية البحث الاجتماعي في نيويورك ومؤلف عدد من الكتب، عن كانط وسبينوزا وهيغل ونيتشه. يقول يرمياهو: نحن في أسوأ حال منذ نشوء دولة إسرائيل بسبب فقدان الأمل من اليسار ومن اليمين... إننا في مأزق، كانت هذه البلاد تعيش على أمل في هذه الجهة أو في تلك. اليسار كان يعد بالسلام الدائم والقبول (العربي) بإسرائيل، هذا الوعد انهار. واليمين، كان يعد بأمل بلوغ إسرائيل الكبرى، وضم الأراضي الفلسطينية. وهذا الوعد انهار أيضاً. ولما سئل عما يفعله الآن، في ظل الانتفاضة أجاب: إننا نقرأ كامو. وهذا ليس خيارنا، وهذه ليست طريقة فضلى للعيش. إنها بالنسبة للإسرائيلي أسوأ طريقة للبقاء، لا يوجد خيارات. ومع ذلك سنصمد.

ماذا يعني أننا نقرأ كاوو: أي العبث. أسطورة سيزيف. حالة حصار. الطاعون السياسي. وهذا يعني بلوغ عتبة اللاجدوى والدخول في منطق العبث الذي يولد عنفيين: عنف في الداخل وعنف في الخارج ولا شفاء. إنه المجتمع استعاض عن تفاؤله وعن تصدير المأساة والعذاب إلى الآخر، الفلسطيني أو العربي، إلى استيراد العذاب الخاص به بالرغم عنه. هذا العذاب هو مادة الإسرائيلي اليومية.

أن يتحول الإسرائيلي الباحث بهناء عن خلاصه، إلى هارب إلى غيتو جديد يقيم في داخله، أمر يثير عدداً من الأسئلة الوجودية: هل فشل المشروع الصهيوني؟ ما العمل؟

إن أسئلة الوجود صارت مقيمة في العقل الصهيوني. وهي عبثاً تحاول البحث عن جواب واقعي.

ولأن الأفق مسدود، فإن الكاتب ميرون بنفنستي يخلص بعد طول بحث عن حلول ممكنة، لتنقذ إسرائيل والصهيونية، إلى التعبير عن انعدام الحل، لذلك فإنني اليوم شخص حزين ومتشائم، شخص يعيش إحساساً عميقاً بالأزمة. وعندما انفصل اليوم عن حلم أبي بالدولة القومية اليهودية فإن الأمر ليس سهلاً بالنسبة إلي... أنه صعب... ومعظم حياتي كان هذا حلمي أيضاً.. ولكنني أخشى على أحفادي... وفي كل مرة أنظر فيها حولي أخشى على أحفادي، كيف سيعيشون هنا؟ ما الذي أورثته لهم؟

الثورة الصهيونية انتهت إذاً أنسوها!

كان هذا هو العنوان الذي تصدر صفحة الوجه الآخر للصراع في جريدة السفير اللبنانية بتاريخ 11/ 8/ 2003 وقد ترجم حلمي موسى مقالين صدرا في إسرائيل: الأول لحاييم هنغبي والثاني لميرون بنفنستي، يستعرضان الحلول الممكنة التي تبدو في نهاية المطاف جهيضة ومستحيلة.

بنفنستي يؤكد أنه يعرف أن الدولة القومية اليهودية لن تبقى هنا، وأن دولتين لشعبين لن تقاما، والسلام لن يحل هنا. وحتى إذا تم التوصل إلى تسوية ثنائية القومية فإن هذه ستدير الأزمة فقط، إذ على هامشها سيحدث العنف دوماً. ولكن الحقيقة هي أن كل الوضع الذي نشأ في هذه البلاد هو وضع متناقضات ومفارقات وانعدام الحل.

ويستعرض بنفنستي المستحيلات:

 إن محاولة جلب اليهود من جميع أنحاء العالم محاولة فاشلة، عدا عن كونها إذا نجحت تفجر إسرائيل من الداخل.

 سيبقى اليهود أقلية، والمشاكل التي سوف يعانونها ستتجدد باستمرار.

 انعدام فرص السير في نظام التمييز العنصري (الآبارتايد).

 استحالة القبول بجدار الفصل. من المؤكد أن اليمين وكذلك اليسار يكره العرب، يزعجهم وجود العرب... العرب يعقدون عليهم الوضع... وهذا يثير تساؤلات أخلاقية ومشاكل ثقافية. لذلك فإن اليسار يريد هذا الجدار الفاصل الفظيع الذي هو في نظري عدو للجغرافيا ومناقض للتاريخ ولا إنساني. لذلك يريد اليسار الاختباء خلف هذا الجدار الذي أراه اغتصاباً للأرض.

 استحالة نجاح نظام الكانتونات والنظام الفيدرالي، لأنه لم ينجح في أي مكان.

ويقترح نموذج دولة ثنائية القومية، والتوقف عن الإيمان البائس بالدولة الفلسطينية التي لن تنشأ، وجدار الفصل الذي لن يفصل. ينبغي التكيف مع دولة ثنائية القومية.

ومع افتراض بلوغ هذا المطلب الطوباوي، فإن بنفنستي يعود إلى تشاؤمه ويسقط هذا الخيار، مع إسقاطه حق العودة، حتى أنه من الجائز الإعلان بشكل رسمي عن انتهاء الثورة الصهيونية... فالفكرة الصهيونية مشوهة أصلاً، وهي لم تأخذ بالحسبان وجود مجموعة قومية أخرى. ولذلك في اللحظة التي قررت فيها الصهيونية أنها لن تبيد العرب، تحوّل حلمها إلى أمر غير قابل للتحقيق، لأن هذه الأرض لا تتحمل سيادتين، وهي أبداً لن تحتمل سيادتين... ليس بوسع الصهيونية الآن الاستمرار بتحقيق حلمها، فهي ضحية انتصارها، ضحية التاريخ لفرصة ضائعة.

من حق صديقي أن يوقظني على الهزائم التي دشنت قرناً من الزمن. ولكن، ليس من حقه أن يمنعني من القول: هذا القرن من الهزائم... فماذا بعد؟

أمامنا الكثير، لدنيا من عناصر القوة والمنعة والإصرار والإرادة والعقيدة، ما يجعلنا، ننقل الهزيمة إلى إسرائيل. فهي الآن في مأزق:

فلا طريق لدولتين فلسطينية وإسرائيلية.

ولا خريطة لدولة ثنائية القومية.

ولا سلام مع الشعوب العربية، ولو قفزت إلى سلام مع بعض الأنظمة، التي لا تستطيع أن تؤمن لها البقاء والاستمرار، إنما تؤمن لها، فترة من الصمت العربي بالإكراه والقمع والتمويه.

ولا حل باستمرار الاحتلال وممارسة نظام الأبارتايد.

ولا حل بالحل من طرف واحد. فالقنبلة الديمغرافية تهدده في عقر نظامها.

ولا حل يفرض من الخارج.

ولا حل بطرد السكان الفلسطينيين.

ولا حل بالحروب العسكرية التي جربتها بكل أنواع الأسلحة.

ولا حل باستمرار العدوان، الذي لا يؤدي إلى الاستسلام.

ولا حل، ومعها القوة العظمى في العالم.

ولا حل، ولو كان النظام العربي الرسمي في حال إفلاس معلن.

فإسرائيل، وجدت لتزول... فلنسرع الوقت قليلاً.. ولتوفر آلاماً باهظة. ولنجبر العالم، الذي أوجد لنا هذه المشكلة ـ المأساة، أن يجد لها حلاً، ولكن ليس على حسابنا وحساب حقوقنا الكاملة.

هل تودون معرفة من يكون صديقي الذي ينازعني بالتشاؤم.

إنه أنا... عندما تنتابه أحياناً، لحظات اليأس والإحباط.

إنه أنا... عندما يسقط في الماضي المهزوم، والحاضر الرث.

نحن معاً... هذا التناقض... وهو يعبر عنا ربما... ولكني آليت ودائماً على أن أهزمه بتفاؤلي بجرعات كبيرة من العمل والعمل والعمل...

وتذكيراً:

أولاً: أسقطت المقاومة الأولى، ضد الانتداب الفرنسي، وهي كانت مقاومة قومية، للتقسيم والاحتلال معاً. والذي أسقطها، حكم اتكأ على مواثيق وضمانات هزيلة.

ثانياً: الحرية، شرط من شروط حيازة القوة، بكل أبعادها ومندرجاتها. والقمع، بالتجربة التاريخية، أنشأ دكتاتوريات مهزومة في الخارج، وغير قادرة على الصمود في وجه إسرائيل.

ثالثاً: أحد أبرز عناصر القوة الناجعة، تلك التي برهنت بجدارة، أنها تستطيع أن تكون الرد الحقيقي والحاسم على التحدي الإسرائيلي. إن المقاومة في لبنان، والانتفاضة في فلسطين، أقوى من ترسانات الجيوش العربية، المرصودة للزينة والمارشات والاحتفالات والقمع.

رابعاً: من الضروري الاستفادة من تجاربنا الحديثة: فبالإمكان مقاومة الاحتلال والعدوان بالقوة والمقاومة، وإقامة ديمقراطية حقيقية، تكون حارسة وحريصة على صيانة المقاومة ودعمها.