العدد الثاني عشر - حزيران 2006

أسئلة الصلاح والأصلاح

زظام مارديني
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

الكتاب: في نقد الحاجة إلى الإصلاح

الكتاب: د. محمد عابد الجابري

الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية

يشمل هذا الكتاب الموسوم في نقد الحاجة إلى الإصلاح للمفكر محمد عابد الجابري، على مقدمة وستة أقسام تركز جميعها في ضبط طريقة التفكير في قضايا تنهك الفكر العربي المعاصر، وتخليصه من بعض الضباب الذي يهجم عليه من كل جانب.

ولكن السؤال هو لماذا الإلحاح على غياب تعريف إيجابي محدد لمعنى الإصلاح في المرجعية العربية التراثية؟

لا يقصد من هذا السؤال التقليل من انشغال الخطاب العربي ـ الإسلامي، بمسألة الصلاح والإصلاح، إلا أنه يوجد هناك فقر وإفقار لمعنى لفظ صلاح وإصلاح على صعيد التعريف والتحديد، في نصوصنا التراثية. وذلك على عكس ما هو عليه الأمر في المرجعية الأوروبية، التراثية منها والمعاصرة.

ما يجب تأكيده هنا هو أن مفهوم الإصلاح في المرجعية الأوروبية يرتبط بتغيير الصورة. وإذا اعتبرنا الدولة صورة لمجموعة من السكان هم المادة لها ـ حسب هذا الاصطلاح ـ فإن الإصلاح في أي مجتمع يجب أن يتجه أولاً وقبل كل شيء إلى الدولة. أما في المرجعية العربية ـ الإسلامية الإصلاح لا يطرح فيها على هذا الشكل، وذلك لأنه ـ الإصلاح ـ لا يتعلق بالعلاقة بين الصورة والمادة، بل بحصول الفساد في الشيء، مادة وصورة، ومن ثم تؤول قضية الإصلاح فيه إلى الرجوع به إلى الحال التي كانت عليها قبل طروء الفساد عليه.

وثمة مفارقة خطيرة في المرجعية التراثية، بين الصورة التي يقدمها عنها الرواة والدعاة في العصر العباسي الأول من جهة، وبين الصورة التي وظفها ويعمل على توظيفها، منذ بدء اليقظة العربية الحديثة إلى اليوم. ما يطلق عليه اصطلاحاً اسم التيار السلفي في الفكر العربي من جهة أخرى وفضلاً عن أن هذه المفارقة تضخ موضع السؤال مجمل الموروث الديني الذي يتناول القضايا السياسية في الإسلام، فإنها تطرح تناقضاً حاداً يهز الفكر والوجدان عندما يتعلق الأمر بموضوع الإصلاح.

أما التيار الليبرالي والحداثي، فإنه يتميز في الفكر العربي الحديث بكونه يضع نفسه كبديل، للتيار السلفي، ذلك لأنه يعتمد منجزات الفكر العالمي التي ترتبط بالمرجعية الأوروبية، ولكن كيف تعامل التيار الليبرالي الحداثي في الفكر العربي المعاصر مع المرجعية الأوروبية التي يتخذها مصدراً لرؤاه وسنداً لدعواه؟ ومن أجل الإجابة على هذا التساؤل إنه إذا كانت المرجعية الأوروبية التي ينشد إليها الفكر الليبرالي العربي المعاصر تكشف لنا أن الإصلاح الديني في أوروبا قد تم على يد لوثر وأتباعه بالرجوع على الأصل، أي إلى المسيحية الأصلية كما كانت زمن بولس الرسول وقبل قيام الكنيسة، فإلى أي أصل يمكن أن يستند إليه الفكر العربي الليبرالي المعاصر المنادي بالإصلاح الديني؟

ومن المفاهيم الرئيسية التي يعتمدها الفكر الإصلاحي العربي المعاصر مفهوم العقد الاجتماعي وهو قرين مفهوم العلمانية، ليس فقط لكونهما من المفاهيم المركزية التي استعارها هذا الأخير من المرجعية الأوروبية، بل أيضاً لأنهما يرتبطان بعضهما ببعض ارتباطاً بنيوياً إلى درجة يمكن معها القول أنهما وجهان لنفس العملة. ومع ذلك فإنه يمكن التمييز بين وضع كل منهما على مستوى الفكر العربي. ذلك أن مضمون العلمانية غائب تماماً في المرجعية التراثية العربية الإسلامية، بل هي ترفضه، بينما تقبل هذه المرجعية قرينة العقد الاجتماعي وتقوم له نظيراً وشبيهاً هو عقد البيعة، عندما يتعلق الأمر بمضمونه السياسي. أما مضمونه العام الذي يطرح مسألة اجتماعية الإنسان، فتشترك فيه المرجعيتان الأوروبية الحديثة والعربية التراثية، باعتباره إرثاً مشتركاً من العصور القديمة.