العدد الثاني عشر - حزيران 2006

فايز خضور والهم الكتابي الشعري

الدكتور روجي البعلبكي
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

كلمة الدكتور روحي البعلبكي، الأمين العام لاتحاد الكتّاب اللبنانيين ونائب الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب في الندوة الأدبية عن أعمال الشاعر فايز خضّور، دمشق 16 كانون الأول 1995.

لا ينبري فايز خضّور للهمّ الكتابي الشعري ترفاً ولا مزايدة، بل ينخرط انخراط الحرّاث في حقله يبذر حبوب الكلمات قطرات ندى، وأريج مشاركة، وصدى وجدران. هو كالخزّاف على دولابه يصوغ بخياله الأنموذج الذي يريد قبل أن يشكّله وينمقه وينميه، في كل لمسة، ومع كل ضربة، وعند كل استدارة. وهو يدرك أن كل تشكيلة من تشكيلاته ما هي إلا مرآة لنفسه الجياشة بالرؤى، المتلاطمة أمواجها زمهريراً في خضم الانفعالات الشخصية ووسط تفاعلات الأنا والمجموع.

انبهاري الحس، مستوثق الاستجابة، حدسي المنطق، متطرف الإحاطة. قال أطياف الشعر التكاملي خذ قال هات.

في أكثر من ستة عشر ديواناً يتجلى الشاعر فايز خضّور عصيا على الالتقاط بملقط النقد السريع، ميّالاً إلى الوزن بميزان الذهب. لكم أومأ إلى فكرته إيماء المترفع عن تفاصيل الفضول، ولكم باح بمكنونات صدره بوح المتعري من لحمه وعظامه.

من أقصى الغموض إلى أقصى التبيان، تنتقل معه بصدقية صاعقة على مخمل الأوهام والحقائق، يفتلهما فتلاً عجائبياً مُدْخِلاً الزيت بالماء في كل ثنية مرصودة. تنفرج شبابيكه انفراجة جزئية على أصبوحات نسائمية، فتتسرّب منها انخطافات برق، وطعنات رصاص، وأمشاج وهلة، وارعاشات مقلة، ووقعات قبلة، وحنين عشق، ورشفات قهوة.

لكل جملة شعرية من جمله قصة، وفي كل سحنة من سحناته نية. وحشي الأرعاب، دموي الهجوم، مرعب التماهي، ساحر التشفّي، يقع أسير اللو، ويمضي مع اللعل، ويستيقظ مع اللأجل، وينتهي بالهيهات.

يمضي على شراع الحَرْف بحِرَفية مهنية صنائعية باهرة، فيمتطي اللهاث إذ يرى من خلال حرف يختاره (كحرف الجيم مثلاً) كل ما تنداح إليه شاعريته الظمأى:

جبلٌ رجيمٌ وجُهها./ اسفنجُها جَلَلٌ على جوعِ البنفسجِ./ صولجانُ جريمةٍ جهّارة الأجراسِ./ فَرْجُ جحيمِها لَجْبٌ./ لجوجٌ لُجُّهُ الجمريُّ./ جبارٌ، جمام الجَوْر، جائحُ موجِها./ جَعْدٌ لجينُ جُمانِها./ وجمالُها، جُرْفٌ جَهِيمٌ./ والجنايةُ جُبُّها المجهول:/ سنجقُ جُؤذرٍ جِلْفٍ،/ وجبّاناتُ أجيالٍ/ من الجوريِّ والجرذان والمرجان./ جنّاتٌ جرى جنّانُها جَنْبِي:/ تجرّأ واجتنى من جامح الخلجان جوهرها،/ ومعجَمَها الجنينَ، جرايةً للتاج/ جاريةً.../ لمجد جلالة الوجهاء./ جلجلني،/ وجفّ،/ جفا،/ تجنّى،/ جال،/ جرجرني./ جمعتُ جهودَ جمجمتي،/ وأجهزةَ الوجود./ جمحتُ منجذباً بهجس جَوَايَ./ جاراني جليُّ الوجدِ./ جاملني،/ خَجِلْتُ،/ تجمهرتْ أوداجُ أجزائي:/ مدارجَ أرجوانٍ جائشِ الرجوي،/ انفجرتُ وما انفرجتُ،/ هجمتُ،/ جَيَّشْتُ الخوالج من جديد،/ جملةً مجدولةً،/ لجهاد أجرام الجهات جميعِها./ جُنْدِلْتُ./ واجهني جدارُ جهالتي الحجريُّ،/ والجندُ الجناةُ الجاثمونَ بنجوةِ الجنحين،/ أجبنَ من جِراءِ جزيرةٍ عجميةٍ، مجدورةِ الأجواءِ،/ جرباءِ الِمَجسَّةِ،/ أجفلتْ منها الجوارحُ،/ والحجيجُ المدلجونَ بحبّةِ الإيلاجِ،/ مبتهجين بالإبلاجِ/ ينجيهمْ من الجَدَلِ الرجوليِّ المجلبب بالرَّجا../ يا مرتجى الفُجَرَاءِ جَهْجِهْ،/ في هجيرِ مجامع المعراج./ جئتُك داجياً،/ ضجرانَ،/ لَهْوَجَني هياجُ الهَجْر،/ هَدَّجَ جوفَ حنجرتي.../ فجابهني جليلٌ الأجسادِ،/ جرّدني،/ من الوجع الجنونيِّ، اجتباني،/ من جرادِ الجنسِ،/ هَوْدَجَني،/ مجالَ مجرّةٍ رجراجةِ الفجواتِ،/ جَمْجَمَ بي:/ تَجَمَّلْ يا حبيبي!

عالم مسحور، عناقيده مدهشات، كيف لك أن تنفر من هيبة الموت خلاله إلّا لتسقط في ضريح آمن، يبتسم ساخراً، ويرمقك بازدراء على غير استحياء. كاعتذارك المقنّع، وسط هشيم الاختناق، يحفزك التسيار في محافل زوابعة، والحافلات ضجوجات، والهمسات متهتكات، والسيقان مبتورات.

هي الساقُ مبتورةٌ./ والجراحاتُ لم تندمِلْ بالتوجعِ./ لكننا ضالعون بفنّ السباقْ../ هي العين مفقوءة،/ والجفونُ الكسيراتُ،/ لم ترتجفْ من وناها./ ولكننا مبدعون بِحُسْنِ الرماياتِ./ لا نحتفي بالأساور والأسرِ./ مُضْمَرُنا ظاهرٌ:/ غايةٌ ليس في البال تمويهُها،/ ليس من فسحةٍ للتخاذل./ مُطْلَقُها شَمْخَةُ الانعتاق!

أوجه مرقشّة، ونواقيس راعفة، ومصلّون ركّع سجود، ومع جلجلة القصف قهقهات السكارى تطفئ نحيب الحداد، بينما عظام تسحق، ولحم يهرس، وإرادات تستعر، وبطرانون يخيب سعيهم ولا يهمّهم أن يكون أقصر من وبرة الفأر درب الخنوع والنفاق.

كيف الإبحار إلى مقبل ضائع لا يرى. الجثث من يوصلها إلى البر؟ باطل كل مجد، ولا عرش إلا لمجد الثرى. خرفان تسحلها رياءات موزّعي النفايات النووية تسّاقط حلوى بل بلوى، وتوزّع عطايا بالمجّان. والعمر طاحونة، وطحين اللعنة من صوّان. والشاعر الملهم خضّور يستحمّ بطيف دمائه، إذ يلتقي شبيه حبيبه، ويصرخ مستغيثاً. لقد طلّق مهزلة العدالة، واعترف دون ارغام، وأضرم بكفّيه نار براءته.

يلتذّ فايز خضّور برؤية الثلج يلتهب، والجراد ينقلب حور مها، والأفعوان تتمايس سروا، وجمل الصحراء يستحيل قرشاً.

وهو يلجأ إلى استنطاق آداد، آله المطر والعاصفة لدى السوريين القدماء. يعاتبه لطول نأيه، ويُجْلسه قدّامه، يروي له هموم العالم، يسرق منه الرعبُ الفرحَ، وتقضّه تصاوير الحب المعطوب، وتنهشه حرفة إحباط الرغبات. يشرح له سهولة تزوير الوجدان في عصر الجوع المعقّد، حيث الشعارات عكازتان، والقهر يجتاح العالم. ولكن اللغات تتسع باتساع رقعة الحياة، ولن تضيق بالبصير فسحة النجاة والهلاك.

بذهول مباغت يستسلم الشاعر للأمطار والرياح، ولكنه ما أن يستسلم حتى يعود فيستل خنجراً ويشطر أفعاه شطرين، بصحوة ضمير وارتعاشة عنفوان.

ولا يستفيق إلا وخمسونه قد مضت، صدأ وأمطاراً، وغيماً وغباراً... انقرضت على شفق البنفسج حوجلات الحبر والورق المتيّم، وانتهى شوط المكابرة. لا نفع في التذكار، ما دام التذكار قطعة من الندم الركيك. ولكن مهلاً! لا تأتزر يا أخي فايز بالحزن، لا تأترز بالحزن، يكتئب الربيع. خمسونك ولّت لتفرح بها الأفلاك. في انتظار خطواتك أبراج من الأشبال، وأفواج من الأعراس، وأفراس تحمحم رغبة، وصهيل أحصنة جموحة.

إن شاعريتك الرّنانة بأصداء جماليّات الإبداع، المتقنة الصنع على هديل الحرير وضوضاء الجيوش، المصقولة التشكيلات البنائية والتصويرية هي نسيج وحدك بصورها، وانسيابيَّتها، وعمق أغوارها، وعناوينها، وإيقاعاتها الحرة، والحاحية رغبتها في التطوير والتغيير. وها أني واجدك اليوم أكثر من أي يوم مضى أخصب، وأنقى، وأبلغ. فالرؤى المنقادة، والأشباح المستعارة، والانطباعات الميكروحياتية تتمسرح معاً لتخترق الزمان المحترق وتتلقف الورد والقرنفل والياسمين. فَاسْتَمِتْ من جديد في زراعة النخيل المثمر في كل صحراء أرجوانية، ولنقطف معاً عمّا قريب أهازيج النصر والخصوبة!