العدد الثاني عشر - حزيران 2006

آداء فايز خضور .. فتح مغاير يكسر المألوف

كلوديا شمعون أبي نادر
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

مداخلة رئيسة مجلس الفكر الدكتورة كلوديا شمعون أبي نادر

حول كتاب الشاعر فايز خضور آداد، دمشق، مبنى اتحاد الكتاب العرب، 16/ 12/ 1995

ويَبقى الخَلْقُ مزْيةً تراجيديةً، تَشَظِياً تَوَحَدَ في عُصَارةَ الألمِ: خذوا كلوا هذا هو جسدي الذي يُكسَرُ من أجلِكم لمغفرةِ الخطايا! خِدٌر للنسيانِ هي، إِن أَقْبَلَتِ الحياةُ ومِفتاحُ أرُ غُني لتداعياتِ الفكرِ والحواسِ إن كَوَّرَتْ الوجودَ. وكأني بفايز خضور يَنعَتِقُ من خَيباتهِ بتصاويرَ لم يخُفِ عُريَها اللظيّ سِوى غُلالةٍ كلاميةٍ اغتصَبت الخيالَ، فحبَّلَتِ الفِكرَ. نجمةُ الميلادِ أو Mandala السورية، مَجذوبٌ هو بإعصاريَّتِها وإهرامِيِّتها في آنٍ، ناتئةً كانت أم ضامِرَةً هي الذاتُ تَعكُسَ ذاتَها، سَمتٌ زلازِلَ النُدوبِ الشاهِدَةِ على انتصارٍ مُزَيَّفٍ وهِبَ لفزَّاعَةٍ كانت يوماً ليسَ بالبعيدِ إنساناً!.

حارسُ المقَبرة، رياحٌ خرساءَ، هجرة سنون، أمطار في حريق، كتاب الانتظار، طقس المقابر، غبار الشتاء، الرصاص، آداد، ثمار الجليد، نذير الأرجوان، أيام رجيمة، حصار، قداس الهلاك، عناوين إعاقية تتلذذ بفجائيتها الكابحة والفاغرة بعدميتها. ليل مشعشع أو قل كسوفٌ شمسيٌ، ما الفرق! مباعدة لفظ ـ كتابية كما يقول Jaques Derrida تتشوق لغياهب ما بعدية لا واعية وصلة وصل الكائن بموته، مستقبل: عصارة للأنا، فكل حرف وصية في ماهيّته.

جلبة وغيظ داديان (نسبة إلى السوريالي Dada) وعنف انتهاكي كما يقول Tristan Tzara (شاعر سوريالي)، كتابة فايز خضور وشمتها السوريالية بلعنة الشكل، إلاّ أن آداد وما بعده معبد دلفي هو (Le Temple de Delphes) ومهبط الوحي.

أيها القارئ إن لم تستسغ يوماً اختلاجية الجمال، فعبثاً تحاول فكّ رموز فايز خضور، كان عليك قبلاً أن تجمع مع الخيال، أنّى لنا أن نعرف الدفء بعيداً عن الثنايا؟

آداد ديوان بعث الأسطورة وملحم الإنسان. آداد إله المطر والعاصفة، رمز للخصب هو، ووعد قيامة في فعل صراع ومكايدة، آداد هو أيضاً اسم ابن الشاعر الذي سرقته أمه وضاعت. آداد ثلاث رؤىً تضج بشبقية (Erotisme) ترفض الموت وأن نازفة. فايز خضور رحمي الانتماء، وولادته تتفرد بشرنقة شعره، وهو المعتقد الملتزم، نراه مضرجاً بنقمةٍ على الأوضاع المتهرئة، ربما تشحن كيانه بساديةٍ عجزت عن شفاء غليله. كل وسائل التعذيب احتلت الصدارة: ففي رؤيا المقتول نرى الجسد يتملص شتاتاً. ويمعنى الشاعر وبعنادٍ مازوشي قد يكون خلاصاً حلاّجياً، يمعن في تقطيع أوصاله إذ يقول: عضواً، عضواً، صدراً، ظهراً، رأساً، أعصاباً، أمشاج (ص13) وهذا الجسد المشتت يتلظى ثم يهترئ (ص13). انحلال تشويهي يبرز سقوط الانهزامية. أما بالنسبة للمفردات الجنسية في ديوان آداد فحدث ولا حرج، يقول يفتض بكورة الخوف، أغواء التربة (ص14)، تتنامى في الأرحام النطفة (ص15)، رهزت باستعهار امومس (ص37) شفق الحلمة (ص40) بوتقة السرة (ص41) وغيرها من العبارات التي تذكرني بقول لـMaurice Merleau - Ponty.

إن أعطت حياة الرجل الجنسية مفتاحاً لحياته، فذلك لأن موقفه من العالم ينعكس في سلوكه الجنسي، بالنسبة للصيرورة الزمنية والبشرية. وبمعنى آخر يبقى الرجل غريزي في أحاسيسه، نحو المرأة، حدوده الجسد بتفاصيله وانفعالاته، وفايز خضور لم يشذ عن القاعدة فالمرأة التي خانته وسلبته مع أبوته أغلى ما عنده حكم عليها بالموت قائلاً: أرجمها، لا ترحمها (ص22) واسفح في عينيها حمض القصدير الفوار. واتركها، ترقب، كيف تصير الثيبً زبداً يتقشعه التيار...(27). وها هي المرأة أيضاً أفعى تلوب يقول سللت خنجراً. وأمسكت يدي برأسها. بترتها شطرين... (ص62)، يتماهى هنا الشاعر بعانات من ملحمة البعل التي انتقمت لأخيك عندما قطعت موت ونثرته فكانت قيامة البعل. عنف لا يوازيه سوى شهوة الحضور، فايز خضور أقر بأنك شاعرٌ ليس لشيء إلا أنك سرقت إعجابي بإيقاعات مشهدية تركت صدى في فكري، سأذكر بعضاً منها: إني المح كوناً يحبو صوبي (ص15)، ولا شيخ يطارحك الأمان (ص29)، ذاك المتواري بين صنوف الأوصاف المذهلة، وشتى غابات الأسماء... (ص41)، أي شفاعةٍ في الناس ترتق ما تفتق؟ (ص83)... رغم ثورتك البركانية لا تزال يا شاعري تحتفظ بشيء من اندهاش الأطفال، وبكثير من وسع خيالهم.

فايز خضور أمر ما فيك مرارتك، وألذ ما في شعرك معاناتك وأنت دفنت قبل الأربعين تقول: كنوز مقبرتي، وفحم رفات أوردتي... من يعنى بردع الحزن عن قلبي، ويسعفني؟ (ص21) أليست هي نفس الدعوة، أبعد عني هذا الكأس، وتقول من يعفيني، من لملمة الباقي من أشتاتي؟ (ص58)، فمن يردع الحزن عني؟ أحس كأني انتهيت... (ص78).

فايز خضور إيمانك سيخلصك أما انهيت ديوانك آداد قائلاً:

آداد

موتي وبعثك

وانبعاث الآخرين،

خصانة الوطن الوحيد...!! (ص95)

يا شاعري تعذب ما شئت وسع خيالك وفكرك، فكل جمرة كفيلة بقبض آه جديدة من ضمير كل من سلمك درع السحر الإيحائي. وتذكر جيداً قول الكاتب Eugene Ionesco: وحدها الكلمات المثقلة بالمعاني، تهوي لتدوي، وأن بعد حين، في الآذان الصماء!.