العدد الثاني عشر - حزيران 2006

عودة الروح إلى عصام محفوظ في قصر الأونيسكو

أسماء وهبة
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

عندما يموت أحد كبارنا، نهرع جميعنا الى أعماله ومآثره وأفضاله، لنتذكرها ونحيّيها، لأننا لا نملك سوى أن نكون أوفياء للذين صنعوا لنا جزءاً حيوياً وحاراً من ذاكرتنا الأدبية والثقافية. فكيف إذا كان هذا الموت يطاول، عصام محفوظ، الشاعر والكاتب والناقد والمسرحي والمترجم، بل والمثقف والمناضل الفكري والسياسي، الذي ترك على أرض الصفحة الثقافية بالذات، نباتاً وأزهاراً وأشجاراً خضراء وارفة، كثيفة وعالية وبعيدة، الى حدود الأفق والسماء.

لقد غاب الجسد العليل، جسد عصام محفوظ، بعد صراعٍ طويلٍ مع المرض، وعزلة مّرة. وفي غيابه تحضر مؤلفاته المطبوعة كتباً، لتشهد فاعليته النيّرة ومساهمته الأساسية في جعل بيروت مختبراً جوهرياً للخلق الأدبي، وعاصمة للسؤال العربي الجريء والمختلف، ومنبراً طليعياً للمناقشة حول معنى الثقافة والحرية في عصر التحولات والهزائم والتطلعات الكبرى.

التقينا حول عصام محفوظ في الرابع من آيار في قصر الأونيسكو في بيروت برعاية المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، لنكرّم الطريق الذي شقّه، ولنعيد الموت إلى الحياة، حتى يبقى محفوظ في ذاكرتنا التي ذابت في خضم الحراك السياسي والإجتماعي والإقتصادي الذي يشهده اللبنانيون منذ أكثر من عام.

ولد عصام محفوظ عام 1939 في جديدة مرجعيون، القرية الجنوبية التي هجرها إلى بيروت الشعر والثقافة. فعمل في الصحافة منذ عام 1959، وساهم في حركة مجلة "شعر". رافق الحركة الثقافية اللبنانية والعربية والعالمية من خلال عمله ناقداً في جريدة النهار؛ دون أن ننسى أنه من أبرز مؤسسي الحركة المسرحية في لبنان منذ مطلع الستينات، حيث قدم على سبيل التعداد وليس الحصر مسرحية "الزنزلخت" عام 1969، "الديكتاتور" عام 1971 ، بالإضافة إلى مجموعاته الشعرية وترجماته الأدبية مثل ديوان "أشياء قيمة" عام 1959 و"أراغون الشاعر والقضية"عام 1974.

لهذا وبعد ذلك التراث الأدبي الكبير كان طبيعياً أن يحل جمهور عصام محفوظ و أصدقائه ضيوفاً في أمسيته الأدبية ليقدم فيه زملائه شهادات حبٍ واشتياق لصديق العمر الذي افتقدوه جميعاً.

لقاء الكلمات والألحان

كان الصيف عند الموسيقي ومدير معهد الكونسرفتوار اللبناني وليد غلمية هو حرش الصنوبر وآلة الكمان، وكان عند عصام محفوظ الدردارة وديواناً للشعر يقرأه، فكانا يلتقيات ليجمعا لغة الكلمات مع لغة الألحان."كان همنا الإبداعي كبيراً منذ عصر الولدنة، حيث تطور إلى همٍ اجتماعي فوطني فثوري، حتى وصل بنا الأمر إلى قناعة مطلقة بأننا سنغير الدنيا بكل ما فيها من قوانين. وفي مطلع الشباب تركت بلدتي صيدا وترك عصام جديدة مرجعيون قاصدين بيروت. وسكن عصام في غرفة في الخندق الغميق حيث كنا نلتقي لنلعب الشطرنج ونقرأ الشعر، كما كان يطلعني على ترجماته لشعراء مثل بول فاليري. وأذكر كيف كان يقرأ من ترجماته ثم يعلق قائلاً: هؤلاء الشعراء كبار، إنهم لا يشتمون بل يمجدون الجمال والإبداع الإنساني؛ فهم أحرار في الكلمة والجملة والبناء الشعري، وهكذا علينا أن نكون!"

ولا وليد غلمية الصندوق الصغير الذي أودعه عنده عصام محفوظ منذ سنوات طويلة، وفيه بعض النسخ من ديوانه الشعري الأول "أشياء ميتة"، ودفترين يحتويان على قصائد شعرية نقلها بخط يده لعدد من الشعراء، ونسخة عن تأليفه الموسيقي لمسرحية (الديكتاتور). "وقبل ثلاث سنوات كشف عصام على الصندوق، فوجد ديوانه الشعري الأول وقرأ بصوته العريض المتهدج: أشياء ميتة. وحينها قال لي: يا وليد لم يعد هناك أشياء ميتة؛ فكل الأشياء عندنا ميتة!"

المترفع عن المال

"حالم كأنه يفضل لون الغسق،لون الغياب" هكذا اختصر الشاعر والأديب شوقي أبي شقرا عصام محفوظ الذي يستطيع في نظره هز شجرة الفكر والشعر والنقد؛ حيث "يتميز عصام بحميمية الإعتراف العلني والإيمان القوي بأن الأدب هو المنقذ الأخير لعالمنا العربي من خلال صناعة الكتابة عندما يؤمن الأديب بأنها لذته الحقيقية.

اعتاد عصام من خلال كتاباته أن يعبر من السيء إلى ضده دفاعاً عن الحق والقيمة، لأنه في دوام البحث عن الأحلى، وعن السياج الذي يمكن أن يقفز فوقه متجاوزاً الآلام متخطياً أي حدود تلجمه.

ولأنه ليس ابن البذخ والرفاهية تعلم مما يحيط به كيف يكون الرد على أي طارىء، وتعلم من الوحدة كيف يكون داعياً، وكيف يكون هو ذاته فاتجه إلى موهبته ليجمع في شخصه الشاعر والأديب والصحافي.

 وإبان الحرب برز لي عصام العاقل وسط الجمرات، فكان ينشىء مقالاته بناءاً على الواقع الموضوعي حتى يكون النص مرآة للحاضر. وبالرغم من شاعريته وواقعيته الصحافية إلا أنه كان مترفعاً حتى عن المال بقدر ما كان ينقصه، ولا يبالي طويلاً بأنه المأساة والضرورة!"

عاش عبثياً أصيلاً

يؤكد الممثل والمخرج والكاتب الساخر ريمون جبارة على أن حياة عصام محفوظ عاشها كعبثياً أصيلاً، ثم متشرداً في أرض الله الواسعة، يهمس وجعه همساً هو الذي غناه شعراً ومسرحاً ومقالة في بيروت الستينات قبل أن تصير هونغ كونغ الشرق. " ولما عاد إليها شعر أن المدينة التي أحبها لم تعد له هو الذي كان يتمشى في شوارع ساحة البرج من غير أن يدفع الخلو لصاحب الكرسي على الرصيف هو الخالية جيوبه من أوراق المرور إلى لبنان الجديد.

وفي إحدى لقاءاتنا أخبرني أن لديه مسرحية كتبها عنوانها (الزنزلخت)، وأنه عرضها على أكثر من مخرج فما لقي منهم جواباً مشجعاً؛ فطلبت منه أن يمرر لي النص، وبعد قراءاته قصدت المخرج بيرج فازيليان وأقنعته أن المسرحية عبثية وبإمكاننا إضافة المناخ المسرحي إليها أكثر مما هو فيها فوافق على إخراجها. أما عصام فحاول أن يلعب دور (سعدون) في المسرحية لكن بسبب صعوبته اقترح الممثلون اسمي على المخرج فوافق وكذلك فعل عصام.

واليوم وأنا أتذكر تلك الأيام أترحم على عصام محفوظ الساكن الآن في مكان غير الذي قهره فالأشقياء مثله يحلمون بساعة الرحيل عن هذا العالم المليء بالحقد والقتل باسم القوميات والأديان."

حوار مع الموت

يبدو أن الشعر لم يأتي عصام محفوظ كما أتاه المسرح، حيث رأى أن الحوار في المسرح أكثر اتساعاً وقدرة على التوغل في عمق الذات وعمق العلاقات الإجتماعية؛ فكان لنا منه دوره الرائد والطليعي في الدخول بالمسرح العربي في لبنان إلى آفاق الحداثة. إلا أنه ولسبب ما غادر الكتابة المسرحية ولكنه لم يغادر المسرح. من هنا يرى الأديب محمد دكروب " أن عصام محفوظ ظل يخوض الحوارات مع الثقافة في لبنان والبلاد العربية. فانطلاقاً من ممارسته المسرحية ومن تكوينه الفني والإبداعي ابتكر تنويعات من الأشكال الحوارية والتراكيب المونتاجية في الكتابة؛ حيث تندمج العناصر الفكرية الثقافية والمعرفية بمتعة القراءة. فنتعرف مثلاً على أفكار المتمردين في التراث العربي ومواقفهم ومجابهتهم لأساليب القمع عبر ابتداع حوارات متخيلة معهم، تدخل القارىء إلى نتاجهم الفكري كما صاغوه وكما يراه عصام محفوظ أيضاً.

وبأسلوب مبتكر آخر أقرب إلى العرض المسرحي أو الشريط السينمائي قدم عصام محفوظ كتاباً مشوقاً بعنوان: سيناريو المسرح العربي في مئة عام، يعّرف القارىء على ما أنتجه رواد المسرح العربي الأوائل، والتجديدات التي قاموا بها حتى مشارف الإنتاج المسرحي العربي الحديث".

لقد تابع عصام محفوظ حواراته حتى مع الموت عندما أصيب بجلطة دماغية أقعدته عدة أشهر مشلولاً يصارع الموت والظروف الأكثر بشاعة من الشلل نفسه، ثم قال الأطباء إنه مات. لكن صراعه الخفي من أجل الحياة دفع الأطباء للإعتراف بأن قلبه قد عاد إلى النبض بوهن، إلى أن قالوا في اليوم التالي: إنه مات فعلاً بعد أن صرع الموت جسده ولكنه فشل في هزيمة روحه.

فنان جريء جداً

بالرغم من عمل عصام محفوظ في الصحافة إلا أنه رفض الدخول في لعبة المحسوبيات والنقد بالتراضي على طريقة: امتدح ديواني فأشيد بروايتك. ولم يتميز بالعقد النفسية الكامنة في نفوس الساعين إلى إخضاع الفنانين الضعفاء. وهنا يتذكر الكاتب السمرحي جلال خوري ما كان يقوله عصام محفوظ في هذا المجال: الناقد غالباً فنان فاشل وبالتالي حاقد. لذلك كان يغرد محفوظ حسب جلال خوري "وحيداً خارج السرب، منتمياً إلى شعراء اللعنة حتى اتهم بالذاتية والإنفعالية. لكنه في الحقيقة كان فناناً جريئاً جداً.

وفي وسط الستينات حين تمت الحملة على القوميين السورين بعد محاولة الإنقلاب على الشهابية وقف محفوظ بشجاعة ودافع عن رفاقٍ له شاركهم بالعقيدة ولو من دون الإنضباط الحزبي. فاسترجع في مسرحية (الزنزلخت) محاكمة انطون سعادة في شخصية (سعدون)، في عمل جمع بين التهكم والمرارة والنقد السياسي الصارخ. بعدها قضى على تسلط العسكريتارية في عمل ثانٍ أكثر جرأة فكانت مسرحية (الديكتاتور) حيث رأى فيه البعض شخصية مرمزة للرئيس فؤاد شهاب."

الإنسان هو رأس المال الكبير

حين بدأ عصام محفوظ في نشر كتاباته لاحظ أن ما كان يكتبه ينتمي إلى عالم ساحة البرج في وسط بيروت التي كان يقطنها، خصوصاً في مجال الشعر. لهذا قرر الرحيل عن ذلك المكان واختار الإقامة في منطقة الحمراء الميدان الرحب للغرباء القادمين من مناطق وبلدان أخرى، والتي جمعته أيضاً بالكاتب المسرحي أسامة العارف الذي تعرف على ابداعات عصام محفوظ وكتاباته في جريدة النهار وملاحقها ومجلة شعر، " حيث كان يدعو للتواصل اللامحدود مع الحضارة الغربية؛ لأنها كانت تمثيلاً للحضارة الإنسانية. وإذا كان لدى شعراء تلك المجلة رفض للفهم المغلق للتراث العربي آنئذ، فإن ذلك لم يكن تعبيراً عن شعوبية بقدر ما كان محفوظ ينظر إلى هذا التراث باعتباره شراكة فعلية في التراث الإنساني في هذه المنطقة على مدار العصور.

 وعندما كان التوجه الشعري والفكري للمجلة هو التعبير الأدبي عن مفاهيم الحزب السوري القومي الإجتماعي المناقض للماركسية أطلق رفاق عصام محفوظ في المجلة عليه لقب: الخروف الأسود، بعد أن دقت على قلبه طبول الماركسية. فاعتبروه خروفاً ضالاً عن قطيع المجلة.

إلا أن محفوظ لم يفهم كيف يمكن لتيارٍ شعري وفكري انقلابي أن يكون لا مبالياً اتجاه نظام سياسي متخلف في لبنان؛ فكان يفترض بهذه الحركة الشعرية الرائدة أن تكون جزءاً من الحياة. إلا أن رفاقه في الحركة كانوا حداثيين من حيث الشكل، لكنهم بقوا في سلوكهم متلائمين مع النظام السياسي اللبناني المتخلف فخرج من عالمهم".

الآن يرقد عصام محفوظ في رابية في جديدة مرجعيون، ولقد سعد كثيراً برحيل المحتل الإسرائيلي عن بلاده، بعد أن استطاعت البندقية أن تحمي الإنسان قبل الأرض، لأنه رأس المال الكبير الذي يجب حمايته.