العدد الثاني عشر - حزيران 2006

سيكولوجية التظاهر لدى اللبنانيين

خالد سليمان
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

سيكولوجية التظاهر لدى اللبنانيين

توظيف سياسي لجماهير مجرمة، منظمة، منفعلة

جلستُ أراقب الأحذية، كانت مهترئة وجائعة

متظاهر

1 ـ لم يشهد لبنان في تاريخه الحديث موجة من التظاهرات كما شهده خلال العام الماضي ومطلع العام الحالي. وفي قراءة سيكولوجية لهذه الجماهير نجد أن تحريكها كان يتم بمحركات مختلفة، وتوظف خارج إطار الشعارات المرفوعة.

2 ـ سأتناول في مقالتي ثلاثة أشكال من التظاهرات التي حدثت خلال فترة متقاربة (بين 5 و14 شباط المنصرم)، وأقصد بذلك تظاهرة الأحد في الأشرفية، ومسيرة عاشوراء في الضاحية، وتظاهرة 14 شباط في ساحة الشهداء.

تظاهرة الأشرفية: جماهير مجرمة

3 ـ بشتى النعوت وصفت تظاهرة الأشرفية: بربرية، وحشية، همجية، مجرمة... وسلوك الأفراد كان متوقع الحدوث، لا بفعل المندسّين، كما حاول البعض تفسيره، وإنما بسبب تلك الجماهير المجرمة، التي جاءت لتحتج على إهانة الرسول، فإذ بها تنحرف عن هدفها وتعمد إلى تحطيم المباني وإحراق السيارات والاعتداء على دور العبادة.

4 ـ إن تفسير هذا السلوك مرده إلى غياب العقل الفردي لدى الأفراد حينما يكونون في جموع غفيرة وغير منظمة، فيكتسب ـ أي الفرد ـ شعوراً بالقوة لا يقاوم، لا بل قد يرتكب أخطر الجرائم ويتصرف بطريقة وحشية لا على أنه كائن بشري.

5 ـ وهذا السلوك نلاحظه في الجماهير الغاضبة في مدرّجات ملاعب كرة القدم حيث تعمد إلى إحداث الشغب والتكسير والتحطيم والسباب، وقد تنتقل العدوى بين أفراد هذه الجموع، فتراهم يردّدون العبارات ذاتها، ما أن يردّد أحد الحاضرين عبارة ما.

6 ـ وكثير من المشاغبين في أحداث الأشرفية سيكون جوابهم أمام المحقق أنهم لم يفعلوا هذا الأمر، فيما كانت الكاميرات تصطادهم الواحد تلو الآخر وهم يهشّمون واجهات المحال وزجاج الأبنية والسيارات. بل قد يصل الأمر بهم إلى عدم تصديق أنفسهم وأنهم قاموا بهذه الأفعال القذرة.

7 ـ وتمتاز جماهير المشاغبين في الأشرفية بأنها تصبح أكثر تطرفاً وأكثر تعصّباً وسريعة التأثّر والتصديق.

مسيرة عاشوراء: جماهير منظمة

8 ـ في المقابل، امتازت مسيرة حزب الله بمناسبة واقعة عاشوراء بالتنظيم والدقة، وقد ضمّت الآلاف في صفوفها، فبماذا تمتاز جماهير عاشوراء عن جماهير تظاهرة الأشرفية؟

لا بد من الإشارة إلى أن لا رابط يجمع المتظاهرين في التباريس سوى فكرة الاحتجاج، حيث جاؤوا من أصقاع مختلفة من لبنان وانصهروا كالمركب الكيماوي على حدّ تعبير غوستاف لوبون.

9 ـ إن ما يميّز تظاهرة عاشوراء وجود القائد المحرّك للجماهير الذي تنصاع له خاضعة دون أي تردّد، فلا يكاد السيد حسن نصر الله ينطق بعبارة تثير الجماهير، حتى يردّد من بعده الآلاف عبارات الدعاء والرضى.

وهذا الأمر كان مفقوداً في تظاهرة الأشرفية، حيث لا قائد ولا محرّك سوى بعض المحرّضين والمندسّين، الذين فعلوا فعلهم في الجمهور كالنار في الهشيم.

10 ـ يضاف إلى ذلك أن تظاهرة عاشوراء ذات نسيج واحد، يرتبط أفرادها ببعضهم البعض، وهم يرتبطون في ذات الوقت بالقائد، وهذا ما يفسر التنظيم الذي ظهرت فيه.

وهذا بخلاف الجماهير في الأشرفية، إذ لا رابط، كما ذكرنا، بينهم سوى فكرة الاحتجاج على الصور المشينة للرسول، فهم شكّلوا جمهوراً عابراً، غير متجانس، سرعان ما تلاشى كما تتلاشى الأمواج العاتية على سطح البحر، وهذا الأمر ينطبق إلى حدّ كبير على جماهير 14 شباط المنفعلة.

تظاهرة 14 شباط: جماهير منفعلة

11 ـ فعل التحريض والترغيب فعله في جماهير 14 شباط التي جاءت "مليونية" لإحياء ذكرى اغتيال الرئيس الحريري.

كانت ردّة فعل، وهي تظاهرة عابرة ولا تشكّل جمعاً سيكولوجياً، كما هي الحال في تظاهرة عاشوراء، وهي كذلك تفتقد إلى وجود القائد، رغم كثرة القادة الذين كان كل واحد منهم يخاطب جمهوره وحده، كالراعي الذي يبحث عن نعجته الضالة في قطيع جاره.

وهي جماهير منفعلة، ألهبتها حدّة الخطابات وسطوة الكلمات، التي أشعرت الجماهير بالقوة والمجد، وكأنهم في مسرح أسبرطي يشاهدون قتالاً عنيفاً.

12 ـ وهذا الشعور بالانتصار أزال أو خفّف من حدّة القلق والرعب الذي شعرت به طوال عام، نتيجة الخطر الخارجي الذي يتهدّدها، وقد يكون هذا الخطر هو مصدر تلاحمها إلى حين، فعندما يزول تندثر الجماهير، "ويلوذ جميع الأشوريين بالفرار" على حدّ قول فرويد (علم النفس الجمعي وتحليل الأنا، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة).

اندثار التظاهرات: زوال الخطر وغياب القائد

13 ـ يجب التمييز ما بين تظاهرتي الأشرفية و14 شباط من جهة وتظاهرة عاشوراء من جهة أخرى. فالأولتان تفتقدان التنظيم وغياب القائد بالمعنى السيكو ـ اجتماعي للكلمة، فيما تظاهرة عاشوراء منظمة، والأهم من ذلك وجود القائد الذي تتحرّك له الحشود إذا ما أومأ بإصبعه كما تتحرّك أمواج البحر الهائج، وتنقاد له صاغرة، لأن الروابط بين حشود عاشوراء والقائد هي التي تجعل هذا الجمع متماسكاً.

14 ـ ويمتلك السيد نصر الله تلك الهيبة (التي اعترف خصومه له بها) أو الحظوة الشخصية كما يسمّيها لوبون، التي تجعل منه قائداً تاريخياً كنابليون أو الاسكندر المقدوني، أو ربما أسقطت عليه الجموع صورة الحسين، فإذا به إمام مبعوث من جديد.

15 ـ أما تماسك الجماهير في تظاهرتي الأشرفية و14 شباط فسببه الشعور بالرعب المتأتي من الخطر الخارجي، لذا نراهم يتحدون ويتضامنون طالما أن هذا الخطر باقٍ، وعندما يزول أو يتضاءل، تبدأ الجماهير بالتحلّل والاندثار شيئاً فشيئاً.

16 ـ في الخلاصة، إن توظيف الجماهير لأهداف سياسية لا تحمد عقباها، إذ قد تنقلب هذه الجماهير فجأة ضد قادتها، لأنها، كما قلنا، سريعة الانفعال والتأثّر. من هنا خطورة استخدام ما يسمى الشارع من قبل جماهير منفعلة، كما هي الحال في تظاهرتي 14 آذار و14 شباط.