العدد الثاني عشر - حزيران 2006

مشروع

عدنان محمود محمد
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

وضعت صينية القهوة على الطاولة المستديرة بين المقعدين. وزّعتُ الفنجانَين، فنجانَها أولاً ثم فنجاني. أشعلتُ سيجارةً بانتظار أن تنهي مخابرتها. لا بدّ أنها ما تزال تحب القهوةَ مرةً، أم أنها أدخلت القهوة أيضاً في مشروعها؟

* * *

اخترقت عليَّ حياتي، وكأن هذه ينقصها اختراق! من غير استئذانٍ دخلت دون أن تطرق الباب. رأيتها أمامي بطولها الفارع وسمرتها الجذّابة. ما بدا من صدرها وفخذيها أكثر بكثيرٍ مما خفي. لم تغيّرْها كثيراً السنوات العشرون التي مرّت على آخر لقاءٍ بيننا. كانت آنذاك في الثانية والعشرين، وكنت في الخامسة والعشرين. جلست من غير دعوة، وأخذت راحتها كاملةً في الجلوس. أجالت بصرها في المكتب ولم تُخفِ إعجابها بالديكور، ثبّتت نظرتَها للحظةٍ على تمثالٍ رخاميٍّ صغير لفينوس وُضع على طاولةٍ زجاجية سوداء، ابتسمت ابتسامةً خفيفة لكنها معبّرة، ثم ركّزت نظرها إلى عينيّ. لحسن الحظ أني كنتُ أنظر في تلك اللحظة إلى وجهها فقط. سألتني بعفويةٍ بالغةٍ سؤالاً تنبيَّن أنه لبدء الحديث لا أكثر:


-   حتى متى سأبقى أبحث عنك؟

ومع ذلك أجبتُها بتغابٍ بالغ:


-   خير إن شاء الله؟ هل أستطيع أن أخدمكِ بشيء؟

ضحكت ضحكةً عصبية وقالت:


-   خدوم، ما شاء الله!

تجاهلتُ سخريتها وقلت وأنا أدور خلف المكتب لكي أجلس مقابلها على أحد المقعدين الجلديين:


-   أقول بجد: أنا موجود، لم أغادر هذه المدينة إلا ...، ومكتبي معروف للقاصي والداني:

 مكتب المهندس المدني لمّاح الحسّيني للدراسات والتعهّدات والإشراف.

 ولكن أنتِ أين حطّ بكِ الدهر؟


-   فعلاً، لقد حاول الدهر أن يحطّ من شأني، بل أن يحطّمَني، ولكنْ أستطيع أن أدّعي أنه فشل فشلاً ذريعاً، وهأنذا كما عهدتَني أمشي شامخة الرأس، عالية الجبين، فخورةُ بإنجازاتي.

قلتُ وأنا أمدّ إليها يدي بعلبة السجائر:


-   ما شاء الله! صار لديكِ إنجازات وأنا لا أعرف! هاتِ حدّثيني؛ ماذا فعلتِ منذ ذلك اللقاء المشؤوم.

زفرت زفرةً عميقة، صغرت عيناها فجأةً، تشنّجت شفتاها وهي تقول:


-   أوه يا لمّاح، ها قد مضى عمرٌ على ذلك اللقاء الذي تسمّيه مشؤوماً، وأنا أسمّيه اللقاءَ الولادة. لم أنم طوال الليلة التي سبقته. أمضيتُها في اتخاذ قراري الذي استطعتُ أن ألخّصه بهذه الكلمات: أنا عاجزة عن مواكبة حبّك، يجب أن نفترق. وهذا ما حصل بالفعل. أتيتُ محمرّة العينين وبلا مكياج، مازلتُ أذكر ذلك، وبثياب لا تليق بفتاةٍ جامعية ذاهبةٍ إلى لقاء حبيبها.

نفثت دخان السيجارة. نظَرَتْ إلى عينيّ مباشرةً ثم أضافت:


-   كما تذكر، لم أجلس أكثر من خمس دقائق. خفتُ أن أضعف أمام نظراتكَ التي لطالما أسكرتني، خشيتُ أن تهون عليّ كرامتي أمام الشابّ الذي حسدتْني على حبّه زميلاتي كلما كنتَ تقوم بزيارة مقصف الآداب...

وجدتُني أقاطعها سائلاً بنبرةً حادة ربما اختزلت احتقاناً دفيناً:


-   ومن داس على كرامتك؟ ... عفواً للعبارة، ولكني أقصد: ما الذي دفعكِ إلى ذلك التصرف الغريب؟ هل تعلمين يا ريّانة أني كفرت بالنساء من بعدك؟ أنا من أهينت كرامتي وليس أنتِ. نعم، لقد هدّمتِ كبريائي وكسرتِ أحلامي بتصرّفكِ الأخرق الذي لم أجد له مبرّراً طوال هذه السنين. هل تعلمين أني صرتُ أشكّ في نفسي وفي رجولتي من بعد فعلتك؟ أستطيع أن أقول أني فقدتُ توازني وأني احتجتُ إلى زمنٍ طويلٍ نسبياً لاستعادته. أيَّ شيطانٍ ركبكِ حتى وقفتِ جاحظة العينين وقلت! ِ بصوتٍ متهدّج: "يمكنكَ أن تعتبر علاقتنا قد انتهت منذ هذه اللحظة! وأرجوكَ، أرجوك ألا تبحث عني لأنكَ لن تجدني في أي مكان." طبعاً لم أحاول أن أبحث عنكِ: في البداية لأن غضبي منكِ وذهولي من فعلتكِ لم يسمحا لي، وفيما بعد لأني صدّقتُ جنونكِ.

رسمت شفتاها طيفَ ابتسامةٍ طويلةٍ نسبياً ثم قالت بصوتٍ خافت:


-   كل ما أعلمه، أو كل ما أستطيع أن أقوله لكَ، أن كرامتي منعتني من الاستمرار في علاقة حبٍّ مع شخص يفضلني في كل شيء. في وسامته، وفي رصانته وفي جاذبيته وفي منبته الطبقي الفقير وفي ثوريته وفي ثقافته.

انتفضتُ صارخاً:


-   هل تريدين أن تجننيني؟ ألم تكن هذه الأوصاف هي أمنيةَ أكثر من نصف فتيات العالم؟


-   بلى. وهنا كان مقتلكَ يا عزيزي.

قلتُ بنفاد صبر مشوبٍ بالسخرية:


-   أفيديني، أفادكِ الله!


-   المسألة معقّدة بعضَ الشيء، ولكني أستطيع أن أوجزها بالقول: كنتَ حلمي الذي حقّقتُه بلا تعب، بمعنى آخر، لقد عشتُ طوال السنتين اللتين دامتهما علاقتُنا وأنا أصارع شعوراً بأني لا أستحقّك، كنتُ أعدّ نفسي مجرّدَ فتاة جميلة ولكني في الوقت نفسه جاهلةٌ وضعيفة وحتى سخيفة.


-   إذن لا تقولي كرامةً ذبيحة، بل قولي مركبَ نقص... ولكني أذكر أننا تحدّثنا مراراً في هذا الموضوع وأننا اتفقنا على أن أعوّض هذا النقص الثقافي والثوري بمزيدٍ من الحب.


-   لم نتّفق، بل أنتَ قرّرتَ ذلك.


-   وما الفارق بينهما؟


-   الفارق شاسع جداً. ويؤسفني أن أكتشف أنكَ لم تراجع نفسكَ طوال هذه السنين. المهم، لقد اكتشفتُ بغريزتي الأنثوية أنكَ تريد، ككل الرجال الشرقيين، أن تجعل مني نسخةً عنكَ، المرأة هي نيغاتيف الرجل... أردتَ أن أنتسب إلى حزبكَ وبيّنتَ لي محاسن أن يكون الإنسان ثورياً ومساوئ اللاانتماء، بل فرضتَ عليَّ أن أتخلَّق بالأخلاق الثورية وأن أسمع الأغاني الثورية التي تحبَّها، بل قرّعتَني أكثر من مرة لأني لم أحفظها عن ظهر قلب...


-   ولماذا لم تعترضي في حينه؟ لماذا لم تناقشيني؟

أطفأت سيجارتها بعصبية وقالت بعد آخر نفثة دخان:


-   أنا لم يكن اعتراضي على أفكارك، إذ من حقكَ أن تتبنّى الأفكار التي تريدها، بل كان اعتراضي على علاقة الحب نفسِها، فقد بدأتُها بدايةً خاطئة لا تسمح لي بالاختلاف، وكنتُ مضطرّةً إلى قطعها.


-   ما شاء الله، ما شاء الله! تدمّرين نفسكِ وتدمّرين من تحبّين فقط من أجل الاختلاف!


-   بالعكس، لقد فعلتُ ذلك من أجل بناء الحب بناءً صحيحاً ومتيناً...أنا واثقةٌ من أنكَ تشعر الآن بالارتياح الشديد لأنكَ تعرف أين هي زوجتكَ في هذه اللحظة، وماذا تفعل، وحتى بماذا تفكّر... هل تستطيع أن تقول لي ماذا تركت لكما العادةُ من حبّكما؟

رنَّ هاتفُها الخليوي وأنا أهمّ بالإجابة. فتحت حقيبتها وردّت بعد تفحّص رقم المتّصل. منعني توفّز أعصابي من الالتفات إلا إلى عينيها اللتين اتسعتا وهي تقول: "ألو حبيبي،... أين أنتَ الآن؟..."

وقَفَت فبدت لي سامقة القامة، نحيلة القوام بثوبها الأسود. لوّحت بيدها ففهمتُ أنها تعتذر لماقطعتي. مشت باتجاه باب المكتب ففهمتُ أنها لا تريد أن تتكلّم بحضوري. نهضت ثم أسرعتُ خلفها، تجاوزتها. أشرتُ إليها أني سأخضّر فنجاني قهوة. دخلتُ إلى المطبخ وأنا ما أزال أسمع صوتها: "نعم...إممم...ربع ساعة وأكون عندك..."

* * *

خرجتُ إلى سفرة الدرج. فتحتُ باب المصعد فخرج منه جاري الطبيب. كدتُ أن أسأله إن كان قد رآها. تفحّصتُ الدرج حتى أسفله. عدتُ مسرعاً لأنظر من نافذة مكتبي إلى الشارع. باب سيارة أجرة ينغلق ثم تنطلق السيارة مسرعة.

عدتُ إلى مقعدي غاضباً، مُحبَطاً، حائراً...لقد أمضيتُ عشرين سنةً حتى عرفتُ لماذا ذهبت....تُرى كم من الزمن سيمضي حتى أعرِفَ لماذا أتت؟