العدد الثاني عشر - حزيران 2006

أبو زيد الهلالي ....متلفزاً

عبادة تقلا
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

 لعل إحدى أكثر المقالات التي تناولت مسلسل الزير سالم التصاقاً بذاكرتي، تلك المقالة التي جاء في عنوانها:

إنه الزير سلوم وليس الزير سالم ....

ـ يومها تماهت تلك الكلمات مع ردة فعل جدتي التي أنكرت معرفتها بالزير الذي رأته على الشاشة، فأوقفت متابعتها للمسلسل، مفضلة العودة إلى سحر الحكاية التي تحفظها، والتي طالما زينت بها أمسيات طفولتنا .

ـ اليوم، وبعد انتهاء عرض مسلسل " أبو زيد الهلالي " أستطيع أن أخمن ما كانت ستقوله جدتي ـ رحمها الله ـ فيما لو امتد بها العمر لتبتلى معنا بتلفزة أحداث سيرة عربية أخرى :

ـ اسمع يا جدتي.ـ أوقفوا هذا التهريج، فليس كل من نلونه بالأسود يصبح أبا زيد !

ـ وما علاقتنا بالأمر يا جدتي، فبطل السير سلوم حداد صرح لإحدى جرائدنا بعد انتهاء عرض زيره، أن في نيته تقديم باقي السير الشعبية في مسلسلات تلفزيونية .

فما دام السباق محتدماً الآن على تقديم الشخصيات التاريخية، لدرجة أنها أصبحت معياراً لأهمية الفنان وعمق تجربته، فما الذي يمنع سلوم حداد ـ حسب رأيه ـ من التخصص في تجسيد أبطال السير الشعبية !

أين المشكلة ؟ فمن يؤدي الزير لن يرهقه أبو زيد... فالجهة المنتجة موجودة، والكلمة بحمد الله مسموعة .

ـ وهكذا كان مشاهدنا المسكين على موعد مع ما يمكن تسميته : رؤية جديدة لأبي زيد الهلالي .

على حد تعبير نجدت أنزور وهاني السعدي أيام الصحبة : رؤية جديدة للكواسر !

* بداية تلك الرؤية الجديدة كانت ـ بحسب ما رأينا ـ في تفاهم سلوم حداد وباسل الخطيب على اختيار الممثلين، وذلك عبر قسمة عدل قوامها: خذ من تريد وآخذ من أريد .

فباسل الخطيب حافظ على ممثليه الذين اعتاد العمل معهم، وسلوم حداد جاء ببعض من شاركوه سيرته الأولى، ليمنح بعضهم البطولة، أو ليقرب آخرين ـ بالكاد يمنحون أدواراً هامشية ـ من الصفوف الأولى .

ـ ومن الواضح أن مسألة النص لم تشغل بال أحد، فمجرد تقديم أبي زيد بكل ما لهذا الاسم من تاريخ وبريق وحضور في الذاكرة الشعبية، يكفي لجذب الناس وإنجاح العمل .

لذلك دبروا نصّاً مرتبكاً لا يعرف شيئاً اسمه الترابط، وطعّموا حواراته الفصحى بكلمات وعبارات وأهازيج شعبية ، حتى اختلط الأمر على بعض المشاهدين، وظنوا أنهم في حضرة أحد مسلسلات يوم الجمعة التي قررت شاشاتنا الغراء ألا تستغني عنها مهما طال الزمن .

ـ وبالعودة إلى بطل العمل، سلوم حداد، فلقد تساءل كثيرون لماذا لم يحاولوا إخفاء التجاعيد البارزة تحت عينيه؟ هل أرادوا أن يقولوا لنا إنكم في حضرة رجل عرف الهم مبكراً واحتفظ بآثاره ؟ أم قصدوا أن هذا الرجل ولد كبيراً في كل شيء ؟، يبقى الجواب عندهم .

 

ـ أما مسألة الوزن عند سلوم حداد، والتي سبق أن آثارها كثيرون، ونصحوا سلوم أن ينتبه للأمر كي لا يأتي يوم ويلتفت المخرجون عنه، فهي قضية أخرى .

قضية تذكرنا بالكثير من الممثلين الذين أرادوا تجسيد شخصيات سياسية أو رياضية أو إجرامية ، أو غير ذلك ، فأخضعوا أنفسهم لعمليات تجميل، أو انتسبوا إلى أحد النوادي الرياضية لأشهر طويلة ناشدين الوصول إلى لياقة تساعدهم على أداء الدور، أو عايشوا السجناء معايشة حقيقية، تعرفوا من خلالها على تفاصيل حياتهم ودقائقها .

ـ لكن مع سلوم حداد، الأمر مختلف تماماً، فالرجل لا يلتفت إلى كل ذلك، ويقدم لنا ـ كما أسلفنا ـ رؤيته الخاصة لأبي زيد، رؤية ربما أراد من خلالها أن يقول : هذا ليس أبا زيد بل هو اتحاد الهلاليين جميعاً ؟! أم أنكم لم تشاهدوا الكاميرا وهي تلاحقه بينما يستعرض فروسيته وقتاله، وكأنه قبيلة بأكملها !!

* وخشية أن يكون المشاهد الكريم قد فكر مجرد تفكير بنسيان سيرتهم السابقة، أقحموا جدهم كليباً وسيفه الخارق في الأمر، كنوع من التأكيد على وحدة السير الشعبية، وبالتالي منطقية تقديمها من قبل ممثل واحد.

وربما قبل أن يفكر أحد بنسيان أبي زيد، يخرجون علينا بسيرة جديدة، يتابعون فيها تكريس حمقنا وعصبيتنا، وحروبنا التي لم ننجح في شنّها إلا ضد بعضنا.

* أخيراً .. أذكر أن سلوم حداد قال في لقاء عدة سنوات مع مجلة فنون إنه كان في بداياته صديق الأبطال، بمعنى أنه كان يلعب الدور الثاني إلى جانب ممثلي جيله، وهم يتربعون على عرش البطولة.

ـ ويبدو أنه عندما سنحت له الفرصة، تبادل معهم الأدوار ـ وهذا حق لا ننكره عليه ـ ولكن بشرط أن يحسن الاستفادة من الظرف لا أن يحوله ضده عبر اختيارات سيئة، وانجرار وراء بطولات وهمية سبق أن أوقعت الكثيرين في مطبها، وجعلت الجمهور يحن إلى أيام أدوارهم الصغيرة وحضورهم الكبير؟!