علمانية القومية الاجتماعية

العدد 1 - تموز 2005 : مها محمد الخطيب
الثلاثاء 5 تموز (يوليو) 2005.
 
يشكل الفكر القومي الاجتماعي في ساحة الحوار الفكري السورية والعربية /معلماً مركزياً مهماً/ لما يحتويه من غنىً معرفي / ثقافي، في تنكبه لمشروع نهضوي يتناول تجديد أم الحضارات الإنسانية ـ الأمة السورية / العربية ـ والذي لا يستطيع أي باحث بغض النظر عن انتمائه الفكري، أو موقعه الأكاديمي أن يتغافل، عن الثورة المعرفية التي جاء بها مؤسس ومنشئ هذا الفكر الأستاذ الشهيد انطون سعادة، ومدرسته بنظامها المعرفي / الثقافي، في شقيه العقيدي والمؤسساتي، فكرياً، والمتضمن نظام ثقافة عقيدته القومية الاجتماعية، ونظام ثقافة مؤسساته المتسق مع طبيعة نظام ثقافة عقيدته، بصورة جدلية مركبة، تطبيقاً لفلسفة أطروحة سعادة في رؤيته لمفهوم ـ النظام ـ حيث في عرفه هو:

* [نظام الفكر والنهج، ثم نظام الأشكال التي تحقق الفكر والنهج.. النظام شيء عميق جداً في الحياة.. الذي لابد منه لتكييف حياتنا القومية الجديدة] ـ المحاضرات العشر ـ ص40.

علمانية الفكر آثرت أن يكون موضوع دراستي هذه، عرض الخطوط العريضة لعلمانية هذا الفكر وإيضاح مضامين نصوص علمانية العقيدة الاجتماعية فيه ونصوصها الثلاثة الأولى: * [ 1 ـ فصل الدين عن الدولة. 2 ـ منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين. 3 ـ إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب]. وهي المبادئ الإصلاحية ـ العلمانية ـ التي يؤكد سعادة انبثاقها من المبدأ الأساسي السادس في عقيدة هذا الفكر القومية [الأمة السورية ـ مجتمع واحد] ـ المحاضرات العشر ـ ص94. وهذا التأكيد من سعادة، هو إشارة منه إلى وحدة العلاقة الترابطية لجدلية مبادئ فكره القومي الاجتماعي. وهذه برأينا نقطة مفصلية في منهج آليات نشوء وإنتاج هذا الفكر. ففي سياق شرحه لهذه المبادئ يقرر سعادة أن دولة أمته السورية الجديدة: [تقف إلى جانب الأفكار الدينية الفلسفية أو اللاهوتية المتعلقة بأسرار النفس والخلود والخالق وما وراء المادة، أو الماورائيات]، أي [الجامعة الدينية الروحية للمسيحية والمحمدية] ولكنها ـ أي دولة الأمة السورية ـ [تحارب وتقف ضد الوجهة المدنية السياسية للمسيحية والمحمدية] المحاضرات العشر ـ ص117. ومن ضمن هذا التوجه، أعلنت الدولة العلمانية المنبثقة عن الفكر القومي الاجتماعي أنه: [يجب أن يكون لكل فرد من أفراد الأمة السورية الحق والحرية ليعتقد في الشؤون المتعلقة بما وراء المادة، كالله والسماء والجحيم والخلود والفناء، كما يريد. ولا يُطلب منه إلاّ أن يكون قومياً صحيحاً مخلصاً لأمته ووطنه] كتاب الإسلام في رسالتيه . وفي رسالته الثانية لغسان تويني في 7 نيسان 1946 يطرح سعادة مفاضلته للإيمان الديني /الروحاني للفرد على الإيمان الاستثماري السياسي التجاري/ النفعي له. * [لا يمكننا ونحن نبغي الصحيح أن ننظر إلى الدين بمنظار سياسي ولا إلى السياسة بمنظار ديني. يُحسن أن يكون الإنسان مؤمناً في الدين ولا يحسن أن يكون مؤمناً في السياسة]. الرسائل الجزء الثالث ـ ص575. وفي ردوده على الإشكاليات الدينية والمذهبية التي وقع فيها الأمين السابق ـ فخري المعلوف ـ وعبر رسالته لغسان تويني ـ يعلن سعادة أن قضية الدولة القومية الاجتماعية: * [لا تتدخل في مسائل الإيمان الديني ولا تريد أن تفرض حقائق دينية معينة على أعضائها. فليؤمن من شاء بما شاء وليجهر كل ذي رأي برأيه وليوافقه من يشاء وليخالفه من شاء، ولكن سلامة العقيدة القومية الاجتماعية ووحدة العقيدة وحركة النهضة يجب أن تبقى فوق جميع النظريات، والمذاهب المتعلقة بما وراء المادة وبما لا دخل للعقيدة فيه] الرسائل الجزء الثالث ـ ص540. لأن ـ يتابع سعادة مناقشة المعلوف ـ عبر رسالته لغسان تويني ـ بأنه يقوم عملياً: * [بجلب نزاع النظريات والمذاهب الفلسفية الدينية المسيحية والمحمدية واللادينية من علمية دروينية وغير دروينية واسبنسرية وغيرها إلى صفوف مفكري الحزب يخرق وحدة العقيدة ووحدة صفوفها.. وتمزيق الأمة السورية وكل متحد قومي متمدن في العالم كله إلى أحزاب دينية متنافرة متطاحنة] الرسائل الجزء الثالث ص540. وارتكازاً لذلك يؤكد سعادة بصورة حاسمة وجازمة على الفصل بين الديني والزمني / السياسي في عقيدة الفكر القومي الاجتماعي معلناً: * [إن خرق مبدأ المساواة في الحقوق وحرية الاعتقاد وحرية إبداء الرأي، معناه مخالفة صريحة لمبادئ عقيدتنا القومية الاجتماعية القائلة بتساوي الأفراد في حرية الاعتقاد الديني وبالفصل فصلاً تاماً بين المسائل الدينية والقضية القومية الاجتماعية والسياسية]. وفي إجابته على تساؤلات حول طبيعة الجوهر العلماني وآلياته العملية / النظرية لدولة الأمة السورية القومية الاجتماعية المقبلة، والمراد إقامتها مستقبلاً، يطرح سعادة بنوده التالية: * [1 ـ تساوي جميع الأعضاء في حقوق عضوية الدولة. 2 ـ حرية الرأي والاعتقاد مبدأً عاماً لا يمكن حرمان أحد منه إلاّ الذي يستخدمه لإفساد الأخلاق وإلقاء الشقاق وإثارة العداوات بين أبناء الأمة. 3 ـ إن الإيمان الديني يُمتحن به الإنسان في دينه لا في قوميته. 4 ـ إن الأمة والدولة وشؤونهما السياسية والإدارية والاقتصادية والحربية والحقوقية والقضائية ليست من شؤون الدين. 5 ـ عدم لزوم أي اعتقاد للزعيم أو لرئيس الدولة غير الاعتقاد القومي الاجتماعي. 6 ـ إن جميع القضايا المتعلقة بالإيمان الديني وإرادة الله لها محكمة عليا أخيرة هي الحساب يوم الدينونة / يوم الآخرة فيجب ترك حكم الله لله] ص584. وبالمحصلة وفي إطار شرحه للمبدأ العلماني الثاني، يوسع سعادة شرحه لمضامين فكره العلماني لجهة الناحية السياسية الحقوقية والقضائية فيعلن: * [1 ـ هذا المبدأ يعين ما يفهم من فصل الدين عن الدولة.. فالإصلاح يجب ألاّ يقتصر على الوجهة السياسية] بل [أن يتناول الوجهة الحقوقية ـ القضائية أيضاً]. 2 ـ إن الأحوال القومية المدنية والحقوق العامة لا يمكن أن تستقيم حيث القضاء متعدد أو متضارب ومقسم على المذاهب الدينية الأمر الذي يمنع وحدة الشرائع الضرورية لوحدة النظام. 3 ـ لابد، للدولة القومية الاجتماعية، من وحدة قضائية ـ وحدة شرعية.. لا يمكن أن تكون لنا عقلية واحدة ونعمل بمفاهيم متنافية مع وحدة المجتمع] المحاضرات العشر ـ ص126 + 127. فحسب منهج سعادة لرؤيته لفلسفة آليات نشوء وإنتاج الأطروحة العلمانية في الدولة القومية الاجتماعية، فإن الوحدة ـ الشرعية القومية / المدنية ـ تؤسس: [لإزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب ـ وهي الوحدة المؤسسة عملياً للوحدة الروحية / القومية والاجتماعية التي لا تتحقق بواسطة روحيات دينية متعددة، بل بواسطة روحية واحدة، بنظرة واحدة إلى الحياة والكون والفن بواسطة مقاييس ومفاهيم واحدة، بواسطة وحدة مقاييس وإرادات ومصالح في الشعب الواحد في الأمة الواحدة] المحاضرات العشر ـ ص128. وارتكازاً لذلك يرى سعادة من موقع النقض أن: [ الحواجز الاجتماعية ـ الحقوقية بين طوائف الأمة تعني إبقاء داء الحزبيات الدينية الوبيل] ص129 ـ المحاضرات العشر.