العدد الثاني عشر - حزيران 2006

ليس بالكلمات وحدها

حنان زهر الدين
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

إن الإنسان كلٌّ متكامل لا ينفصل جزء منه عن الآخر ولا يستطيع أن يكون غير هذا الكل الطبيعي والمنظم تلقائياً والمتوازن، وأيضاً الفوضوي والمتمرد والغريب!! فهل يستطيع الإنسان التمرد على جسمه وحركاته الاعتيادية؟؟ وما هي علاقته ووسيلته لاتصال بالآخرين؟؟! بالتأكيد ليست اللغة وحدها السبيل إلى ذلك وإنما هي جزء بسيط من مجموعة حركاتٍ نتصل بها مع بعضنا فللأجسام لغتها المميزة وبالنسبة لكل منا يتصل بالآخر أولاً عن طريق اللغة التي تعلمها منذ الصغر أو وهو الأهم عن طريق وسائل أخرى نمارسها ولا نشعر بها؛ لذلك نرى بعض الناس يحركون أيديهم وحواجبهم عندما يلتقون بأحد أصدقائهم دون أن يتكلموا مثلاً ؟؟؟؟؟ أن هذه الحركة الجسمية هي وليدة مصادفة ولكن البحث العلمي الحديث في هذا المجال أثبت أن هناك نظاماً اتصالياً متكاملاً يسلبه النظام اللغوي المتعارف عليه في كافة لغات العالم.

الواقع أن لكل ثقافة لغتها الجسمية الخاصة يتعلمها الشخص من صغره كالعادات والتقاليد السائدة في المجتمع وهذه الحركات تختلف أيضاً من بلد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى فسكان القرى مثلاً عندما يلتقون بشخص يعرفوه يصافحوه بحرارةٍ ويدعونه لزيارتهم وهم يمددن أيديهم بقوةٍ وكأنهم يدلونه على طريق منزلهم الذي ربما يكون بمنطقة بعيدة عنهم بينما سكان المدينة يصافحون الشخص بشكل هادئ نوعاً ما ويكتفون بدعوتهِ باللغة النطقية وأيديهم إلى الأسفل. وإذا أراد شخص ما أن يوشي بكلمة أو خبر فنراه يقترب من أذن الآخر ليقول له ما يريد، فهنا الحركة بحد ذاتها عبرت عن الموضوع أنه سري ولا يجب على الشخص إجهارهِ للآخرين من خلال الطريقة التي طرح بها الموضوع. ومن هنا اعتقد علماء لغة الأجسام أن التبليغ أو الاتصال (الحركي الجسمي) إنما يعادل الاتصال اللغوي ويتجلى هذا الاتصال الجسمي عادةً في الجانب العاطفي من حياة الإنسان فإذا شعر الإنسان بحب شيء أو كرههِ فيحاول أن يعبد عنه لا بما يقول وإنما بكيفية ما يقول لقد وضع عالم النفس الدكتور البيرت بسهرايين هذه النظرية التأثير الإجمالي لعملية الإبلاع = 7% كلمات + 38% أصوات + 55% حركات جسمية ورغم أنهم عرفوا التفسير الوظيفي للحركات إلا أنهم لم يستطيعوا التعبير عنها بدقةٍ متناهية.

فعندما يضع شخص ما إصبعه على جانب جبهتهِ فربما يعني ذلك تمسكه برأيه أو أنه بفكر ويركز على أمرٍ ما أو أنه يتذكر شيئاً. لذلك يبحث العلماء المختصين بهذا المعلم عن صيغ واضحة لهذه اللغة وفهم إشاراتها وحركاتها من سياق المضمون العام لا من خلال الحركة الجسمية المعزولة. فقد أحص هذا العلم ثلاثة وعشرون وصفاً لحاجب العين وأثبت أن الرجال يستخدمون حواجبهم أكثر من النساء كما أثبت أن العين هي أعظم هذهِ العناصر الفعالة في لغة الأجسام.

فعندما تعجب فتاةٍ بشاب فهي تبادله نظرت الإعجاب وتتطور هذه النظرات لتصبح حباً وتصبح كلٍ نظرةٍ لها كثير من المعاني وترسل كثيراً من الكلمات الدقيقة والعاطفية والتي لا يتسنى لكثير من الأشخاص التعبير عنها بالكلام مهما تطورت تلك العلاقة العاطفية ومن المعروف أن لغة العيون هي أبلغ لغةٍ وأصدقها وكذلك الأمر بالنسبة لحركات الإنسان الأخرى فقد كتب عالم النفس فرويد: لا يمكن لبشري أن يحفظ سراً فإذا كانت شفتاهُ صافيتين فهو يلغو برؤوس أصابعهِ أنه يكشف ما في أغوار نفسه في كل نظرةٍ أو حركة تأملٍ.

وتختلف حركاتنا من موقف إلى آخر فعندما نستقبل في بيتنا بشخص لا نحترمه ولا نحبه فإن حركات جسمنا أمامه ستكون مختلفة جداً وغير اعتيادية ومتحفظة بالنسبة لشخصٍ نشعر حياله بالارتياح.

وإذا أردنا معرفة ردة فعل إنسان اتجاه آخر قد تجاوز حدوده فإنه يقوم بعدة حركات وحسب درجة انفعالهِ فيغير مكانه مثلاً أو يحرك رجليه ويقطب حاجبيه وربما شخص آخر يتجاهل الموضوع ويستهين به قاصداً بذلك بأن يعبث بعلبة سجائره أو بأي شيء أمامه على الطاولة بغية تهميش الآخر وعدم الاهتمام بكلامه أو موقفه وآخر يتصرف بشكل مغاير وهكذا وليست هذه الحركات تتغير فقط وكما ذكرت بين الأشخاص وإنما بين الشعوب والبلدان ففي بلادنا عندما تحدث شخصاً يجب عليه أن ينظر إليك ويهز برأسه من حين إلى آخر ليشعرك بأنه مهتم بحديثك بينما في بلد أخر تعتبر هذهِ الحركة بحد ذاتها هي عدم اهتمام بالموضوع بالشخص نفسه وعلى ما يبدو أن المحيط الخارجي للمرء يتأثر تأثراً كبيراً بشخصيته وسلوكه فالناس الانطوائيون يحتاج الشخص منهم إلى مكان واسع ليتحرك فيه أكثر من الشخص الانبساطي وليست الشخصية فقط هي المؤثرة بحركاتنا وإنما العامل النفسي أيضاً فجمهور كرة القدم الذي يرتاد الملاعب يقف بصفوفٍ متراصةٍ عيونهم معلقةٍ بأرض الملعب وغير مبالين ببعضهم هذا الجمهور نفسه يختلف عندما يكون في مظاهرة ما للمطالبة بشيء نريده فيكونوا متراصين وأيديهم ممسكةِ بأيدي بعضهم ولا يريد أحدُ منهم أن ينفرد بحركاته لوحده.

ومن كل ذلك يمكن لنا أن نتخيل كم سيكون الاتصال البشري عقيماً وجامداً إذا كانت أدواته الكلمات فقط، ولكن الحقيقة أن الكلمات إنما هي الجزء الأصغر من عملية الاتصال البشري.