العدد الثاني عشر - حزيران 2006

أفعى الحضن

عبد الرزاق الحاج ابراهيم
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 

بتلويحة متفائلة يبذل القيصر نيوقلا الأول 1825 النصح لليهودية: يعتبر اليهود شعباً غريباً، شعباً يجب أن يكيِّف نفهس بسرعة مع الأكثرية السلافية اليونانية الأرثوذكسية، أو يقاسي من النتائج الوخيمة.

ويعاتبها فولتير الساخر 1771م حزيناً:

إنك لتجد فيهم مجرد شعب جاهل ومتوحش زاول لمدة طويلة أقسى أنواع البخل، وأبغض أنواع الخرافات، ويحمل كراهية لا تعادلها كراهية لكافة الشعوب التي تسامحت معه وكانت سبباً في تراثه.

زيضغط ديدرو قرفه واشمئزازه: اليهود شعب غامض ومتعصب.

ويهمس مستشار الدولة الألمانية أوتوفون بمسارك في أذن كتب التربية القومية: إن كل أمة معرضة للنقد ولكن إذا ما تجرأ شخص على أن يمسَّ اليهود وينتقدهم، حينئذٍ تتشابك أيدي اليهود حول هذا العيب نوضحه ونلتمس المعاذير ويرسمها دكتور ليونيل كراتا نيويورك 1924 بريشة نسفها حبر عينين مسمَّرتين على النافذة كي لا يسقط برصاص مقولة الفن للفن: إن اليهودي يخلق من يهوديته أكثر من مشكلة سياسية وثيقة. إنه يتحاشى أي نقد. فمن يجرؤ اليوم على ذم اليهود؟ إن الذي يتناول المسألة اليهودية، لن يسلم من افتراس وتمزيق كلاب الحراسة اليهودية. فاليهود معصومون من النقد، هذا هو قانون اليهود!.

ويناجي المؤرخ الألماني هينريش ترتيسكا قضبان سجنه النفسي: يمكن للمرء أن يتحدث بصراحة عن شعبه دون خجل، ولكن من يجرؤ على التحدث بانصاف وعدل ودقة عن ضعف الشخصية اليهودية، يجمع العالم على التمثيل به كأي بربري أو ملحد!

ويعلن فوليتر وقد غدا المؤدِّب حربه بعد مراسلات رسولية عبر معظم المنارات الحضارية ذات الاهتمام المشترك: إن اليهود ولدوا جميعاً والتعصب يتأجج في قلوبهم كما يولد البريطاني والجرماني وشعره أشقر!

ومتأخراً يشهر المؤرخ اليهودي اسحق بير سيف الردَّة ـ طبعاً مثل هذه الأصوات نحترمها ولو كان مؤقت لها سلفاً دور الارتفاع والهبوط والاختناق ـ: إنه بالرغم من أنه كان للدين في تاريخ اليونان والرومان، وفي تاريخ، أوروبا في القرون الوسطى تأثير حاسم، فإنك لتجد لدى هذه الأمم، مع ذلك، فصولاً في السياسة والأدب لا دخل للدين فيها، مما يدل على أن تلك الشعوب وفقت في عزل هذين الميدانين عن سلطان الدين عزلاً تاماً. أما عندنا فإنك لا تكاد تجد مثل هذين الميدانين في الزمن القديم، ومن باب أولى في القرون الوسطى، إلى عشية عصر التنوير الحديث!

وفي إثر مكاشفة هادئة عميقة بعيدة عن الانفعال بين أرنولد توينبي ومحلفيه السادة أسفار التاريخ ورُقم الحضارات، يذيع حكمه سداً منيعاً: اليهودية أقبح أمثلة عبادة الذات الغانية صيتاً!

هذا القليل من الكثير الذي قيل في اليهود والروح العدوانية الدّونية غرَّة مناقبهم ومبادئهم، عفوي وصادق كما عفوية وبراءة الأطفال. لم يخضع لتسلسل زمني وليس مخططاً له ولا يملك أي قدر من جاهزية الترقيم والتبويب، كما أنه ليس مقصوراً على بؤرة أو مدينة أو دولة معينة، ولا معاناة غرور الانتصار، أو سموم إعلامية لأقلية مغلوبة على أمرها تحاول دفع الظلم والقهر. إنه لكتَّاب أعلام ومفكرين ومؤرّخين وفلاسفة ورجال دين وسياسة توزَّعوا = وفق ما تشير إليه أمكنة الولادة، فمنهم الأمريكي والروسي والفرنسي والبريطاني والألماني والإسباني والبولوني.. و.. و.. ما عدا من بقي من الشعوب محصَّناً ضد هذا الوعي اللوثة بقمصان من الغيبيات سميكة جداً = توزَّعوا في برية الكرة الأرضية ومدنها ومخابرها ومعابرها ومراكز إشعاعها!

فهل يحق لنا أن نصف من لم يدخل أو يدفع بحصانة إلى ميدان مناقصة أدبية ولا إلى سوق مفاحمة دينية ولا إلى بازار مزاودة وطنية، بالمقامر أو المتشفيّ؟ أو أن ننعت من قال كلمته ومضى غير عابئ بساعة إعلان أسماء الفائزين وتوزيع الجوائز، بالمداهن أو المرتزق؟!

أظن أن لا وقت لطرح الأسئلة ولا فسحة لتموضع الارتياب، باستثناء سؤال يفتح أكثر من بوابة للشمس، وهو غير الذي يعني الاستجداء =

ـ لحساب من يعمل هؤلاء؟!

هل يعملون لحساب العرب الذين قيل فيهم: أسوأ محامٍ في أعدل قضية؟! لا أعتقد. أغلبهم رحل إلى العالم الآخر قبل أن يذرف دمعة أسىً واحدة على فلسطين لأنها لم تكن قد وقفت بعد وشقيقاتها المهزومات وبلباس الغسيل على أعتاب هيئة الأمم!

ـ هل يعملون لحساب المسيحية؟

أعوذ ألوذ بتراب الوطن من شرِّ صك البراءة. الأحفاد في غاية الدقة والوفاء. فهم قبل أفول شمس القرن العشرين وبفعل الخوف والذعر من بطش التوراة، أعطوا البراءة من دم المسيح وشيَّدوا عبداً ندبة نفسية على غرار عيد ندبة عاشوراء يلطمون فيه ويكفرون عن خطيئتهم الأولى والأخيرة ـ التأخير في منح البراءة ـ التي ترتب عليها غرامات باهظة تفوق الغرامات التي يدفعها الألمان.. الفلسطينيون.. اللبنانيون.. العراقيون... الهنود... الزنوج... حتى الآن بملايين المرات!

ـ هل يعملون لحساب المحمدية؟

معظمهم تبرأ من تهمة الخضرمة، أي لم يطل به العمر فلم يدرك الجاهلية ولم يحصل له شرف التعرف على ملوك الطوائف وطرشان النفط!!

ـ هل يعملون لحساب الشيوعية ـ عرّاب الاستيطان اليهودي الثاني، العراب هنا إشارة إلى العهود التي سمح فيها المسؤولون المعاصرون آنذاك بالهجرة اليهودية من روسيا إلى فلسطين تلك الهجرة التي كانت دماً جديداً كان اليهود في أمسّ الحاجة إليه، وليس تسييس المقال والإساءة إلى الشيوعية كمبدأ وعلمنة وعلمانية ـ التي تقول: احذروا تاجر البيض في القرية؟

الجواب عند شايلوك، شكسبير!

ـ هل يعملون لحساب السورية القومية الاجتماعية القائلة:

إن علاقتنا مع اليهود علاقة الحديد بالنار!

الجواب عند رفات الشيخ شكسبير، فوليتر المؤدِّب، بسمارك السلف، بسمارك الخلف، وغيرهم من الذين قالوا كلمتهم في الحقد الجنيني اليهودي، قبل النكبة قبل النكسة قبل الجاهلية قبل البلبلة قبل النهضة بكثير!

إذاً هذا الإجماع الصدفة في الرأي المحذِّر من أفعى الحضن، لحساب من يعمل، طالما أنه لا يعمل لحساب الأديان ولا لمصلحة الأحزاب ولا لخدمة شعائر العشائر والزواريب ولا لكفكفة دموع اليتامى والأقليات ولا طمعاً في خطوة الملوك والأمراء وأبناء السبيل؟!

لا ريب بعمل للإنسان ولحساب إنسانية الإنسان فقط، وليس لزيادة عدد أقفاص يافلوف!

وبلا ريب لسنا بحاجة إلى محلَّفين وشهود عدول!!

مصياف

عبد الرزاق الحاج إبراهيم