العدد الثاني عشر - حزيران2006

فصل الدين عن الدولة

كمال حمودي
الاحد 9 تموز (يوليو) 2006.
 
لم تكن الدولة ـ الدينية ـ في يوم من الأيام هي الأمل المرجو، و المآل الذي لا بدّمنه، عند ـ شعب ـ من الشعوب، و لم يكن هذا الأمر يعني إلا أتباع هذا الذّين، أو ذاك، هذه الطائفة، أو تلك، هذا المذهب، أو ذاك، بمعنى آخر، هو مطلب فئوي، لا أكثر ولا أقل؟؟ و بالتالي فإنّ أتباع الطوائف و المذاهب الأخرى هم ـ مُلحَقون ـ بهذه المشروع الخاص ـ الدّولة الدينية ـ وفي أحسن الأحوال، ـ رعايا ـ لا مواطنون؟؟ و ـ أهل ذمّة ـ لا سكان أصليون؟؟ تكثر المُسمّياتْ، و المعنى واحد.. و لطالما انحصر أمر تطبيق ـ النّوازل ـ الإلهية، من سنن و تشريعات، فسّرها البعض تفسيراً خاصاً ؟؟ و فسّرها البعض الآخر، نقيض ذلك، ثمّ بني على هذا التفسير، كل هذا الكم الهائل، من المظالم التي تحوّلت إلى وحش كاسر، أكل الأخضر و اليابس، و أتى على كل ما اعترض طريقه؛ ما الذي يجعل مواطنا لبنانيا يصرّح عبر إحدى الفضائيات Œ نحنُ سُنّة عند الحاجة، و أكراد عند الاضطرارŒ ؟؟ و مواطن آخر يقولŒ أنا لبناني بما يتعلّق من واجبات، و غيرَ ذلك عندما يتعلّق الأمر بالحقوقŒ ؟؟ وقد نجد هذا الأمر عند الكثيرين من الناس، على اتساع العالم العربي ؛ هذه المظالم التي انحصر أمر تطبيقها بمن ـ أوكل ـ إليهم هذا الأمر من أهل المال و الجاه؟؟ و أهل البطش و ـ الإرهاب الحقيقي ـ فقد كانت النتيجة، أنّ شريحة هائلة من الناس قد وقع الغبن عليها، باسم الدين، و حُماته ِعلى مرّ الزّمن ؛ هذا الغَبَنْ، التاريخي مورسَ باسم مَنْ يجبُ أن يكون ـ معنىً ـ خالصا للعدالةِ الاجتماعية بالدّرجة الأولى، و للقيم بأنواعها ثانياً، و ما لاقاه المسيحيون الأوائل، و خاصة في روما ـ كإمبراطورية ـ على سبيل المثال، من عسف و بطش و جورْ، ما لا يصدّق، فقد لوحق أتباع السيد المسيح حتى في ـ الدّياميس، كهوف حجرية تحت الأرض ـ و التي كانت ـ كمقالع ـ يأخذ منها الرومان الحجارة الكبيرة لصنع أقواس ـ النّصر ـ بعد أنْ قلّ الغار ـ ؟؟ لزرعها في بلاد الله الواسعة، حيث حلتْ خيولهم، و طموحاتهم، و قبل أن تتحوّل المقالع إلى ملاجئ لهؤلاء الهاربين من وجه البطش الإمبراطوري و من ثمّ بعد اكتشافها لاحقا، تحولت المسارح الرومانية، إلى ساحات عرض مرعبة، أبطالها هؤلاء البؤساء الذين كانوا يجلبون ليكونوا طعاما للوحوش الجائعة، على مرأى من القيصر و حاشيته و جمهور المتفرجين؟؟ و بعد أن يُقدّم أحد هؤلاء بعبارة يطلقها أحد الحراس متوجها بها إلى Œ سيّدي القيصر يحيونك مَنْ هم على وشك الموتْŒ ؟ هاهو التاريخ يعيد نفسه، و دائماً بالخلفيات و الدّوافع نفسها؛ فقد كانت محاكم التفتيش في القرون الوسطى، هي الوجه الآخر للقياصرة، ولكن هذه المرّة، كان العدد العديد من هؤلاء الضحايا هم من خيرة المبشرين الأوائل، و من خيرة المفكرين و الشعراء و الأدباء.. و في دورة جديدة من دورات السيف و النّطع كانت الفتوحات الإسلامية هي الوجه الآخر لهذا الغبن الذي لحق بنفس ـ اللا أتباع ـ فكان ـ فتح ـ الأندلس، في مقابل ما نسميه نحن ˜احتلالŒ عندما يتعلق بنا الأمر، كاحتلال فلسطين من قبل اليهود، تحت نفس الشعار ـ الدّولة الدينية ـ و هكذا انتهى Œ ابن رشد، و الحلاج، و السهر وردي، و غيلان الدّمشقي، و محيي الدين ابن عربي، و بشار بن برد، و أبن الرومي، و أعشى همدان، و كعب بن الأشرف، محمد بن سعيد العامري الدمشقي، منصور بن سلمة بن الزبرقان أو المنصور النّمري و سديف بن ميمون، و عبد الله العرجي ـ حفيد عثمان بن عفان ـ Œ إلى آخر هذه القافلة الطويلة من المبدعين، إما لكلمة حق عند سلطان جائر، أو موقف نقدي في مسألة من المسائل التي لا تحتمل حتى مجرّد النقاش، وحصل الترويع نفسه فيما يسميها التاريخ ـ حروب الردّة ـ في الوقت نفسه الذي ندرك فيه جميعا بل، و نجزم بأنّŒ الله لم ينتدب أحداً على الأرض ليقوم بالحساب و بالحشر بالنيابة عنه Œ و بالعودة إلى الكتب السماوية، فقد كادت تضيع كقيمة روحية كبرى بين تفسير و تفسير، بين عالم و فقيه، بين موال و معارض، ولا أريد أن أغوص أكثر  سمحت لنفسي بشئ من الإطالة في موضوع لا علم لي فيه كبير من الناحية الروحية، كل ما في الأمر، عرض وجهة نظر  و في هذا الإطار، كان هذا الأمر ـ الدين و ملحقاته ـ التأديبية و التكفيرية حيث هما صفتان متلازمتان، فقد أجبرتا الكثير على الالتحاق بهذا الدين أو ذاك ؟ و لا داعي لذكر كيف سيّس الدين، و انحرف عن مجراه، في كثير من محطات التاريخ، و لا يزال، وقد يلزمه الكثير من الوقت حتى نعي أهميّة فصله عن الدولة، حتى نعيش كمواطنين مدنيين، لا دينيين، لأنّ المدنيّة أشمل من الدين، و أعم، على اعتبارها شاملة للمواطنين في هذا المتحد الاجتماعي، أو ذاك، جامعة لحقوقهم على أنواعها، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية و المذهبية .. و بالعودة إلى المفكرين المتنوّرين الذين فهموا الدين ظاهرة اجتماعية ـ و رسالة روحية سامية في مضمونها، هدفها النهائي تشريف الحياة، لا تشويهها وتهذيبها لا شرذمتها وتنظيمها لا بث الفوضى فيها لنجد في كتابات Œ عبد الرحمن الكواكبيŒ الجد الأكبر للمصلحين الاجتماعيين و السياسيين، وصولا إلى كتابات Œ علي عبد الرازقŒ و Œ محمد عبدهŒ و Œ الرافعيŒ الذين دعوا إلى فهم الدين فهما روحيا و أخلاقيا، كما دعوا إلى عدم فرضه على الناس تحت أي شعار عملاً بـِلا إكراه في الدين، وصولا إلى كتابات المفكر Œ أنطون سعادة Œ مؤسس الفكر القومي الاجتماعي، و الداعي إلى ـ فصل الدين عن الدولة ـ إذ إنّ هناك تعارضا كبيرا بين الدين كسلطة روحية، و الدولة كسلطة حقوقية سياسية، مع التأكيد على أهمية الجانب الروحي للمواطن على اعتبار أن بلادنا ـ مهبط ـ الرسالات السماوية، وفي المحصلة، الفكرة الدينية هي مسألة خاصة بين العابد و المعبود، بين الإنسان وربه، ولا يحق لأي كان أن يقرر بالنيابة عن أحد شكل أو لون عبادته، و الطريقة التي ترضي ذاته بالتطلع نحو الكمال، وصولا إلى كتابات Œ صادق جلال العظم Œ و˜نصر حامد أبو زيدŒ و Œ حسين مروّةŒ و Œ سعيد تقي الذين Œ و غيرهم كثر، إذ أنّ حياتنا لم تعد تحتمل هذه ـ الازدواجية ـ المفروضة علينا بشكل أو بآخر، و المهم أن نكون جميعا في خندق المواجهة مع عدو وجودنا ـ اليهودية الصهيونية ـ القابعة في جنوبنا السوري ـ فلسطين ـ والتي اعتمدت الأسلوب نفسه ـ الدولة الدينية ـ على اعتبار اليهود ـ شعب الله المختار ـ و نحن نراه ـ شعب الله ـ المحتار ـ بين شهود يهوه ـ الإله الذي يدعو للقتل؟؟ والإله الأرضي ـ المال ـ الذي اشتروا به كل شيء؟ تحتدم الآن على الساحة الثقافية و الفكرية مسألة ـ العلمانية ـ إذ يراها المثقفون تعبيرا صادقا عن شكل العلاقة المرادة بين الدين و الدنيا ـ كمضمون لفكرة ـ فصل الدين عن الدولة ـ و يراها السلفيون، مصطلحا غربيا، لا يحمل في مضمونه سوى فكرة الإلحاد، لا أكثر ولا أقل ؟ و في النهاية، فإنّ عملية الفصل بين الدين و الدولة، ليست أن يهدم أحدهما الآخر، لأنه من غير الممكن أن تكون هناك عملية ـ سلخ ـ و ما نفهمه من العلمانية هو وببساطة تنسيق أولوياتنا بدءا بقانون عادل يحفظ حقوقنا كمواطنين، و انتهاءً بقانون عادل يصون فكر الإنسان و روحه وصولا إلى تمثل القيم المطلقة، ولو في حدودها الدنيا، قيم الحق و الخير و الجمال.