أحزاب جديدة قديمة

بقلم: سركيس أبو زيد
الثلاثاء 11 تموز (يوليو) 2006.
 
New Page 1

تشهد الساحة السياسية اللبنانية ولادة متكاثرة لأحزاب وتيارات وتجمعات وتكتلات متفاوتة الأحجام والدور والأهمية. هل هذه الظاهرة هي دليل دينامية وعافية أم هي تعبير عن مأزق وأزمة في الحياة الحزبية والسياسية في لبنان؟

من إيجابيات هذه الحالة أنها انعكاس طبيعي لأزمة العمل السياسي التقليدي ــ العائلي، المناطقي، الإقطاعي، الطائفي، الشخصي ــ وشعور زعاماته بضرورة مواكبة العصر وتطوير آليات عملها وتوسيع مشاركة المفاتيح الانتخابية والشباب بالتنظيم والظهور الإعلامي والجماهيري.

ومن سلبياتها أنها صورة لتفكّك المجتمع وعجز الأحزاب التاريخية عن تطوير ذاتها وتجاوز أزماتها واستيعاب تغيرات الحياة العامة. ولقد أصبحت معظم الأحزاب بشكل عام وسيلة ارتزاق ووجاهة وجمع الثروة والمعلومات الأمنية.

فهل نحن بحاجة إلى تجديد الأحزاب القديمة أم إلى تأسيس أحزاب جديدة في البرنامج والأساليب والقيادة؟ والأحزاب القديمة والجديدة هي جزء من الحراك العام.

الحياة السياسية اللبنانية في مأزق وهي تدور في حلقة مفرغة وأسيرة الانقسام التقليدي المرمز بتواريخ مختلف عليها أيضاً: 8 آذار، 14 آذار، 14 شباط، 5 أيار... وهذه الاستقطابات مكبلة بروح الثأر والانتقام والاستئثار وبخطاب خشبي مزدوج ملتبس ببّغائي، وحركتها غير مؤثرة وفاعلة إلا داخل أسوار محيطها الضيق وجمهورها الخاص، وبالتالي فهي فئوية طائفية مناطقية، قاصرة عن عبور الحواجز والمتاريس وجدران العزل الطائفي. وهي عاجزة عن صيانة السلم الاجتماعي وغير قادرة على تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، ولا تعبّـر عن وحدة المجتمع ووحدة مصالحه وتطلعاته واتجاهاته.

والحركة السياسية اليوم منقسمة بين رئيس جمهورية غير فاعل وقوى معترضة على تمديده وغير قادرة على إزاحته.

بين حكومة متعثرة وقوى معترضة على إدارتها وغير قادرة على إسقاطها.

بين مقاومة تتخوف من عزلتها ومن اختلال التوازنات الإقليمية وقوى معترضة على سلاحها ودورها وغير قادرة على تنفيذ المقررات الدولية ضدها.

بين نظام طائفي استبدادي تبعي للخارج القريب والبعيد وقوى معترضة عليه غير قادرة على بناء نظام جديد.

بين نظام أمني تصارع بقاياه على الاستمرار ونظام أمني جديد يشق طريقه من رحم سلفه ومعترض عليه وغير قادر على استكمال قبضته وهيمنته.

بين نظام اقتصادي غارق في العجز والفساد والمديونية وقوى معترضة عليه غير قادرة على التخطيط والتنمية الشاملة والنهوض.

الأوضاع السياسية اليوم تعيش حالة من اللاتوازن واللااتّزان، وهي مفتوحة على كل الاحتمالات من تكرار الحروب الأهلية المجانية بصيغة أحداث أمنية متنقلة، أو تجديد التسوية التاريخية في ظروف إقليمية ودولية ملائمة.

وفي كل الحالات، نحن أمام مفترق وخيارات وولادة لبنان جديد. الحياة اللبنانية في مأزق، لكن أين هي الطليعة المثقفة العاقلة المناضلة صاحبة الرؤية التاريخية والوعي المستشرف؟

أين قوى التغيير صاحبة المصلحة الحقيقية في بناء نظام مدني تنموي عادل يقاوم من أجل صيانة حقنا في الجنوب وتعزيز استقلالنا السياسي ــ الاقتصادي ــ الثقافي ــ النفسي من التبعيات وتعميق وحدتنا الوطنية.

الطبقة السياسية بشقيها الحاكم والمعترض في مأزق، والأحزاب التاريخية في اليمين أو اليسار أو الوسط في أزمة، فهل تبادر قوى المجتمع المدني إلى توحيد رؤيتها وإطلاق حركة تغيير جديدة في القيادة والنهج من أجل لبنان جديد؟

الأحزاب القديمة والجديدة مطالبة بحد أدنى من المستوى والبديهيات:

1 ــ أن تقطع مع النظام الأمني السابق ولا تطمح بالدخول في النظام الأمني الجديد.

2 ــ أن تحاكم بجرأة المرحلة السابقة الممتدة من اتفاق الطائف إلى استشهاد الرئيس رفيق الحريري وتجري نقداً ذاتياً جذرياً يبيّن الإيجابيات والسلبيات، وتستخلص ــ بإخلاص ــ العبر والدروس.

3 ــ أن تعيد الاعتبار إلى الثقافة والفكر والأخلاق والنضال من أجل المواطن لا من أجل الوجاهة والارتزاق.

4 ــ أحزاب للأوادم تخرج من معاناة الناس ومن خيبات المحازبين ومن رحم الشباب والمهمشين وقوى التغيير.

5 ــ أحزاب تعمل على قاعدة الوحدة الوطنية لبناء نظام جديد ومواطن حرّ ومجتمع مدني حديث.

أسئلة مطروحة على الأحزاب القديمة ، لعلّها تجدّد ذاتها.

أسئلة مطروحة على الأحزاب الجديدة حتى لا تكرّر أخطاء  القديمة وعجزها.

في كل الحالات هل نحن بحاجة إلى أحزاب هي مجرّد آلة ووسيلة في خدمة السلطان، أم نحن بحاجة إلى نهضة جديدة في الفكر والأخلاق وتكون في خدمة الإنسان أولاً؟

 

بقلم: سركيس أبو زيد