دمشق/ صحيفة تشرين / الثلاثاء 30 أيار 2006

أنسي الحاج... شكراً لجميع الاندلاعات...!

زيد قطريب
الثلاثاء 11 تموز (يوليو) 2006.
 

أنسي الحاج... شكراً لجميع الاندلاعات التي أوقدتها منذ قليل.. هأنا أهرعُ إلى اقترافِ الهراء، أيها المتواطئ مع الرفض.. يا هاوية الاحتمالات.. شكراً!!

الآن، وبعد انقضاء نصف قرن على إطلاق أدونيس تسمية قصيدة النثر، على ذلك الشعر الإشكالي الذي فجّر جدلاً واسعاً في الأوساط الأدبية والثقافية، ومرور المدة نفسها على إعلان الولادة التأسيسي في مقدمة الديوان الشهير لن أين نجحت تلك التجربة وأين أخفقت؟ هل اكتمل نموها وما عادت كائناً دخيلاً؟! أم أن اغتراب هذا النوع من الشعر، والقطيعة التي أحدثها مع التراث، هي من ميزات كينونته المستقلة، وشخصيته المتمردة..؟! ‏

بالأمس، انتهى المؤتمر الأول لقصيدةِ النثر في بيروت، وعاد السادةُ الشعراءُ إلى بلدانهم حاملين نصفَ قرن من الارتكاباتِ، بدءاً من اختراع المنعطفات، إلى الدوخان حدَّ التلاشي، بتعرية الكلمات وإعادة تشكيلها مخالفة عما أَلفهُ أصحابُ الرتابة القديسون، ومَن سار في ركبهم من الجمهور والنقادِ وكل المنضوين تحت سلطة النصوص، حيث الصكوك الممهورة بالولاء للتراثِ، توزع على الكتّاب مثل جوازات المرور..! ‏

سنكتشف الآن، كم نحنُ محتاجون لانبجاساتِ الرعب والقيامة، إن كانَ على صعيد الحلمِ، أم الأفكار والعبارات.. وربما حانَ الوقتُ كي يرتجَّ مجدداً هذا السطح الساكن، منذ لحظة الخلقِ البدئية، عندما تكونت الذائقة قبل أربعة عشر قرناً، وظلت على حالها حتى الآن..! ‏

وإذا كان شعر النثر قد أصبح من المسلماتِ، هل يتحتمُ الحديثُ الآن عن ما بعد النثر، أم أنه ما زال في طور الشكلِ والاكتمال...؟! ‏

وهل يلزمنا الاعتراف به ابناً شرعياً، أم أنه سيبقى لقيطاً، رغم الإنجازات النادرة، والفتوح الهائلة على صعيد الصورة واللغة التي انتشلها من مجاهل المعاجم، حيث نفثَ فيها الحياة، فأورقت حالات كانت عصية على الأسماءِ الخليلية، بكل أنواعِ المجازِ والجواز؟!. ‏

هل نحنُ مضطرون للصُدفِ الموضوعية، كما تسميها جمانة حداد، كي نكتشف أن هناك نوعاً مختلفاً من الكتابة، قد بدأ على الطرف الآخرِ من المتوسط، فوصلنا حينها متأخراً في حرية بول إيلوار. ونزوح رينه شار؟! أم يتحتم أن ننتظر السفن الفينيقية، كي تعود محملة بأزهار الشرّ، وقصائد المنفى، حتى ندرك حجم التحول الذي يجري من حولنا؟! ‏

كم ستصمد مناهجنا التعليمية أمام حالة الفقر، وعدم المواكبة، تجاه تجارب الكتابة الحديثة في العالم؟!.. أو تجاه قصيدة النثر العربية على أقل تقدير؟ ولماذا لا تدرس في كرّاسات طلابنا، الأدبية والفلسفية، تجربة قصيدة النثر بكل نتوءاتها، واشتعالاتها، أو حتى إحباطاتها؟! أم أننا ننتظر كالعادة، فبركة التأصيل كي تشرعنَ حق الأبوة، تمهيداً لتنفيذ حكم الطاعة أسوةً ببقيةِ الفنون؟!.. ‏

يؤخذ على النثريين، خروجهم ليس فقط على قواعد صاحبة الجلالة أي القصيدة الموزونة كما يسميها أنسي الحاج، وإنما أيضاً على الأسس التي صاغوها في بيانهم الأول حول قصيدة النثر، وكأننا محكومون دائماً بالقواعد النهائية، والأحكام الصارمة تجاه حجم القصيدة وبنيتها إن كان على صعيد الشكل أو المضمون..!! لماذا يُعتبر وضع الشروط والضوابط شرعياً، في حين يُتهم كل خارج عنه، بشتى الصنوفِ والإدانات...؟! رغم أن الفاعلين في كلتا الحالتين، بشرٌ نسبيون لا أكثر! ‏

أسئلة كثيرة طرحها المولعون بالرقص على الحوافّ الأخيرة للأشياء، وبانتظارِ النص الحلمِ أو المستحيل كما يسمونه، ستبقى الأبوابُ مخلوعة على كل الاحتمالات!!