العدد الثالث عشر - تموز 2006

الحروب الايديولوجية

نزار سلوم / كاتب سوري
الثلاثاء 22 آب (أغسطس) 2006.
 
New Page 1

ثمة انتباه خاص لبعض الكتاب والباحثين، إلى الانحسار الواضح لـالسياسة، كفعل قابل للممارسة اليومية، وبخاصة كلغة ولهجة وأدوات، في منطقة تبدأ أخبارها بإحصاء السيارات المفخخة التي تواصل انفجارها على مدار الساعة في مختلف أنحاء العراق، لتستكمل إخبارنا عن آخر إحصاءات الشهداء الفلسطينيين في غزة والضفة الذين يتم تعدادهم وفق مؤشر القتل الإسرائيلي، من طراز شارون القديم والذائع الصيت أو أولمرت الجديد في طور التجارب، أو غيرهما من طرازات فتاكة وجاهزة، ولا تنتهي هذه الأخبار إلا بعد عرض الحلقة اليومية من المسلسلة الدرامية الشائقة لبنان ولجنة التحقيق الدولية وسورية.

ومن المؤكد أن لحظات الصدام، ليست بكل الحالات لحظات لـالسياسة، بل هي زمن تتشكل فيه قاعدة السياسة المستقبلية، بعد أن تم تدمير جملة سياسية بدا أنها استهلكت ولم تعد قادرة على أن تشكل حوامل الحدث الجديد وعناصره. حيث يأتي حدث ما يُوصف عادة بالحدث الهيكلي، كما يوصف، صحفياً بـالزلزال لينسف الجملة السياسية المتوّضعة، والتي ربما استكانت إلى نفسها على نحو حوّلها إلى ستاتيكو مغلق غير قادر على مواصلة التنفس وبالتالي الاستمرار مع إيقاع الحدث، الذي سيسم التاريخ الحاضر. وليعمل هذا الزلزال بالمقابل، على تشكيل جملة سياسية جديدة، بعناصرها وأدواتها واتجاهها ولغتها وخطابها وأهدافها. في هذه اللحظة تماماًَ تبدو السياسة غائبة أو مُغيبة، وفي الواقع تكون قيد إعادة التشكيل. وفي هذه اللحظة نفسها تبدو منطقة الموت اليومي والموت المؤجل والموت قيد الدرس محكومة بمقتضياتها، وإن اختلف الحكم بين شاطئ المتوسط غرباً ومياه الخليج شرقاً.

New Page 2

وعلى نحو خاص، تقع سورية ولبنان في إطار ضغط الحدث الذي وصف بـ الزلزال ـ استشهاد الرئيس الحريري ـ فيما تتعامل معه الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا بكونه الحدث ـ الملك استلهاماً من مصطلح الشاهد ـ الملك. وذلك في إطار تدمير الجملة السياسية المتوضعة في الدولتين وفيما بينهما، والعمل على إعادة تشكيل هذه الجملة وفق مواصفات جديدة، وإن كان  الأشخاص المحليون السياسيون لا يزالون هم أنفسهم! وكأنهم فرقة تعمل في فن المسرح السياسي وما دام الجمهور قد ملَّ المسرحية القديمة فلا بأس بمسرحية حديثة لا أحد يعرف طاقتها على الإمتاع أو الاستمرار، رغم الحشود الكبيرة للمخرجين الأميركيين والفرنسيين الذين يستنفدون فنونهم في جعل العروض شائقة إلى أبعد حد ممكن، بعد أن ينهوا البروفات الخاصة على أهم مسرح عالمي في نيويورك!

في الإطار الموازي لغياب السياسة، أو انحسارها الكبير، تبدو الأيديولوجيا المتهمة والمرذولة مع أفول الاتحاد السوفييتي، العائد الأبرز والأكثر ملاءمة للحظات الصدام، أو لحظات وقوع الزلزال في لبنان وما رافقه من خلخلة في الخطاب السياسي أدت على نحو متسارع إلى نسفه وتدميره بإنتاج خطاب لا سياسي، ذي نزعة إطلاقية كانت كافية لقلب الأمور رأساً على عقب، فما كان أثيراً في الخطاب السياسي اللبناني حول العلاقة المميزة مع سورية و وحدة المسارين والمصير المشترك ومعاهدة الأخوة وسورية الشقيقة وتضحياتها و.. و.. !! انحسر بلحظات خاطفة وتمت محاصرته في ساحة رياض الصلح في 8 آذار 2005 بقوى سياسية لا تزال إلى اليوم حليفة سورية رغم ارتباك خطابها السياسي اليومي، ونزوعها نحو استخدام مصطلحات رؤاها الاستراتيجية حول العلاقة المحتومة مع سورية بحكم التاريخ والجغرافيا!، بينما بدا المشهد في ساحة الشهداء في 14 آذار 2005 عدائياً لـ سورية في العبارات التي حملتها اليافطات كما في الخطابات التي توالى على إلقائها فرسان المرحلة الجديدة.

من المؤكد أن مصطلحات مثل الاحتلال السوري عهد الوصاية النظام الأمني اللبناني ـ السوري وما رافقها من أقوال متلاحقة على مدار الساعة شكّلت ضغطاً إعلامياً هائلاً، كانت كافية تماماً لإعادة إنتاج خطاب مغاير ونقيض لما هو قائم، خطاب انقلابي النزعة، إطلاقي البنية، شكل الإيديولوجية اللبنانوية الراهنة التي تعتمدها قوى 14 شباط وإن بمستويات متباينة من الاستخدامات المغالية أو المعتدلة.

في المقلب الآخر، بدت سورية حينها، وكأنها أُخذت على حين غرّة، فإعلامها صامت، وسياسيوها متعفّفون عن الكلام، ومأخوذون بـ الانقلاب اللبناني والسرعة التي رافقته للإجراءات الدولية والتي كان أولها تنفيذ القرار 1559، حيث انسحب الجيش السوري على نحو غير لائق، وخلال أسابيع، فيما بدأت اللجان الدولية التمركز في لبنان للتنقيب عن الحقيقة!!

ما من شك، أن القاموس الإعلامي ـ السياسي السوري بدا متراجعاً في تلك اللحظات، بل بدا مقارباً لمواقع الهزيمة، واستغرق وقتاً طويلاً إلى حين التقط أنفاسه مجدداً وأعاد ترتيب أدواته ومصطلحاته ولو على نحو غير متكافئ إطلاقاً مع الحملة المضادة المستمرة والمتلاحقة.

ها هنا بدا أن المسألة لا يمكن أن تتوازن دون تدخّلٍ ما، فعدم التكافؤ سيبقي المرارة شعوراً سائداً عاماً، وسيحيل الناس إلى مهزومين دون أن يخوضوا معركتهم، فتقع سورية ضحية الإعلام، وتشكل مثالاً لنجاعته وقدراته الاستثنائية!!

في هذه اللحظة الحاسمة، ألقى الرئيس بشار الأسد خطابه على مدرج جامعة دمشق في العاشر من تشرين الثاني، فيما يمكن اعتباره خروجاً نهائياً من الصمت الإعلامي المتواصل ومحاولة تأسيسية لإعادة التوازن مع الحملة الإعلامية المضادة ومختلف أطيافها.

ألقى الرئيس بشار الأسد أول خطاب له في 17 تموز عام 2000 فيما سمي خطاب القسم ومن ذلك التاريخ وفي مجمل خطبه المتلاحقة أسس إرثاً خاصاً به تميز بالمنهج العلمي، والمناخ النسبي والبنية التحليلية لعباراته من حيث المصطلحات وعدم الارتهان إلى رؤية مغلقة، مبتعداً بعداً واضحاً عن البنية التقريرية القصيرة النفس، مؤكداً انحسار اللغة الأيديولوجية في خطاب رئيس هو بالأساس أمين عام حزب معروف بأيديولوجيته وخطابه الذي لا يحيد عنه وأدواته ومصطلحاته.

بدا الرئيس بشار الأسد خارجاً في خطابه على الخطاب العربي الرسمي عموماً. فبدا لدى الدوائر الغربية حديثاً أو تحديثياً على نحو يقيني.

والحال كذلك، لمدة سنين خمس وتزيد، فما الذي جرى ويستدعي من الرئيس إعادة إنتاج خطابه على نحو يعيد للأيديولوجيا بعض حضورها، ويعيد للتقريرية بعض نكهتها إلى جانب التحليل، كما يفصح عن خاصية إعلامية وصلت إلى حدود الشعبية، وأثارت ردود فعل من كل حدب وصوب، وخصوصاً، من قبل قسم كبير من زعماء 14 شباط في لبنان!!

إضافة إلى ما ورد في الخطاب من كلام مكتوب قبلاً، تعمد الرئيس الأسد الاستطرادات الشفوية لا الارتجالية كما يروّج، ليمنح خطابه سلطة مرجعية نهائية، كونه ـ أي الرئيس ـ قادراً على المواجهة المباشرة الفورية، وفق أفكار لا يمكن أن تكون بنت ساعتها بل نتيجة وخلاصة للعملية السياسية المعقدة والمفتوحة منذ 14 شباط 2005. وفي هذه الاستطرادات الشفوية ورد الكثير من العبارات التي تم استهجان ورودها، من قبل سياسيين لبنانيين، كما أدت إلى ما أدت إليه من شبه أزمة حكومية في لبنان، وبالخلاصة بدا وكأن سورية استعادت بعض مواقعها وتأثيراتها في لبنان!!

من المؤكد أن الرئيس الأسد، توصل إلى قناعة تامة بأن الخطاب الأيديولوجي اللبنانوي غير قابل للتراجع عن نفسه ومعناه، وإلا فإنه سيقوم بعملية إفناء ذاتي لعناصره، وهذا لن يتم في الحالات كلها، ولكونه يتجه في استهدافه نحو سورية فلا بد من مواجهته بأدوات وأسلحة ومنهجية تمكّن على الأقل من التوازن معه، في معركة بدت أخيراً بأنها غير قابلة لمنطق التسويات الذي ينتمي إلى عالم السياسة وسلوكياتها، فيما الصدام القائم، وإن كان من طبيعة لا عسكرية، يتجه وفق مبدأ يا قاتل يا مقتول، ولذلك يتوسل الخطاب الأيديولوجي الإطلاقي البنية، النمطي الاتجاه. وما يستغرب له أن يعبر بعض السياسيين اللبنانيين عن استنكارهم لهذا الخطاب، لكونه ذا لغة قديمة، ووفق مصطلح رائج خشبية فيما بعضهم شارك على نحو ظاهر في إنتاج الخطاب الأيديولوجي اللبنانوي الراهن، والذي يلتزم منطق الأيديولوجيا ولغتها وخشباتها، فكيف تواجه مثلاً قولاً متكرراً لزعيم لبناني هو وليد جنبلاط من أن سورية هي المسؤولة عن جميع الاغتيالات في تاريخ لبنان الحديث، وبأن نظامها مجرم ويجب إزالته حتى ولو على الطريقة العراقية؟!

قبل خطاب الرئيس الأسد، كانت ثمة حرب إعلامية غير متوازنة، حرب من طرف واحد، قائمة على لغة الإيديولوجية ومناخها، وبعد خطاب الرئيس، بدا وكأن الحروب الإيديولوجية قد استعادت وضعها وأدواتها في منطقة لا تزدحم بالمصالح وحدها، بل أولاً وقبلاً وتاريخاً، تكاد تختنق بالأفكار ولغتها ولهجاتها.