العدد الثالث عشر - تموز 2006

المقاومة هي الطريقُ الاستقلالي التحرّري الوحيد

زهير فياض
الاربعاء 23 آب (أغسطس) 2006.
 

مرت الذكرى السادسة لتحرير جنوب لبنان والأمة بأسرها تتحرك في مساحةٍ تتداخل فيها الجغرافيا بالتاريخ، وتتشابك فيها قضايا المصير القومي لتطول حياتها من شرق موطنها الى غربه، ومن شماله الى جنوبه، فإذ بالأمة تتوحد حول فكرة مضيئة وواقع حي غدا علامة فارقة في ليل لن يطول ظلامه بإرادة الأحرار وتصميم الشرفاء ونضال المقاومين والمستشهدين وحاملي رايات التحرير الكبرى الذين يخترقون النسيج الشعبي الأهلي لأمة يمتد فعلها المقاوم من الفرات الى النيل أي على مساحات هذا الوطن الكبير المترامي الأطراف، الذي عبثاً يحاولون مدّ أسلاكهم الشائكة لترسيم حدود وهمية على أرضه،  أرادوا من خلالها تقطيع أوصال الجسم الواحد الحي، فإذ بالطاقة الخلاقة المبدعة التي يكتنزها هذا الشعب في أعماقه، تهزأ بكل الأسلاك الشائكة ، وتسخر من كل السواتر التي يحاول الأعداء رفعها بين القلوب، والأفئدة، لتقيم منها جبال كراهية وحقد وعنصرية، فيكره لبنان شامه، ويحقد الأردن على عراقه، ويغيظ الكويت عراقه، ويرى لبنان في فلسطينه عدواً لدوداً.

وكما سقطت على أرض الصراع كل الحدود التي أوجدتها الموجة الأولى من تقسيمات سايكس بيكو، كذلك ستسقط كل التقسيمات المستحدثة في الخرائط الملونة بالأزرق والأخضر والأحمر، والمليئة بالأسلاك الشائكة المزنرة بألغام التجزئة والتفرقة والتفتيت، تلك الخرائط  الجيو ـ سياسية لجون بولتون وبول وولفويتز ورامسفيلد وغيرهم من الحاقدين الجدد على أمة الحضارة والهداية والتنوير،  وكما سقطت الحدود الفاصلة بين أجزاء الأرض الواحدة، كذلك ستسقط الحدود الفاصلة بين أجزاء الأمة الواحدة، والمجتمع الواحد، والنسيج الشعبي الواحد الموحد في روحه، وإرادته، ووعيه، وثقافته، وهويته، هذه الأمة ستذهل أعداءها في صمودها، وفي جهادها، وستذهلهم في صبرها على الشدائد تأتي من كل حدب وصوب، وستؤدي حركة مقاومتها المتنامية المتزايدة الى صنع المستقبل الجديد الذي تعبق منه رائحة الكرامة والعزة الحقيقية والسؤدد والشرف، وستؤدي هذه الحركة الى تعميم ثقافة جديدة، هي ثقافة الحرية والسيادة والاستقلال الحقيقي في وجه الظلم والعدوان والاستكبار والطغيان.

 إن الثقافة الجديدة تنطلق من رحم الظلم الكبير، والمأساة الكبرى التي عاشها شعبنا على مدى عقود لم نشهد فيها الا ثقافة النكبة ، وثقافة الانتكاسة و لغة الانكسار باستثناء ومضات الشهادة التي أضاءت ظلام الليل، وكانت علامات فارقة أنارت لأجيال الأمة الحاضرة والآتية دروب حريتها المضرجة بدماء الشهداء وعذابات الأسرى وآلام المجاهدين في سبيل الوطن والشعب.

 مر العيد السادس للتحرير في لحظة تاريخية هامة في مضامينها وتحدياتها ومدلولاتها التاريخية، وفي زمن تتداخل فيه المسائل المتعلقة بحاضر ومستقبل مجموعنا القومي، وفي زمن المعادلات الصعبة التي يصنعها المجاهدون الأحرار في ميادين القتال ضد المحتل الأميركي الأجنبي في العراق، مروراً بالمقاومة في لبنان التي ساهمت في تعميم ثقافة المقاومة لتصبح ثقافة الأحرار في كل مكان في هذا الوطن، وفي كل مكان في هذا العالم العربي الكبير، وصولاً إلى المقاومة في فلسطين، التي تخوض جهاداً يومياً صعباً في معركة مفتوحة تتسلح فيها بالايمان والارادة والصبر وعلى أرض مكشوفة ضد عدو حاقد يتسلح بأعتى ترسانة حربية في المنطقة بأسرها، ويقف في صفه عالم انقلبت فيه المفاهيم، وتصدعت فيه القيم، واختلطت فيه المسائل، فتحول المقتول قاتلاً، والمقاوم، إرهابياً، والمظلوم ظالماً، والذي يجاهد في سبيل حقه إلى معتدٍ يتآمر عليه الطغاة على مدى العالم.

25 أيار لم يعد مجرد مناسبة أو عيداً للتحرير وحسب، وانما أصبح أنموذجاً امتد ليشمل العراق وفلسطين وكل الأمة، وأصبح ثقافةً ولغةً وتراثاً ومدرسةً تخرّج أجيالاً تؤمن بالمقاومة طريقاً للتحرر والبناء والصمود والحفاظ على الوجود...

 المقاومة أصبحت مشروعاً متكاملاً يملك مفرداته، ومصطلحاته، وله أدواته، وأسلوبه، وآلياته المتنوعة، التي تخدم تحقيق الهدف الواحد أي الحرية.

 المقاومة هي حقٌ طبيعي للشعوب المقهورة والمظلومة، وهي الخيار الوحيد المتاح لشعبنا، بالنظر الى خصوصية المعركة الكبرى التي نخوضها في وجه عدو من نوع خاص يحمل مشروع الغائنا بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وعبثاً يحاول البعض من المضلِلين أو المضلَلين أن يوهمنا أن التسوية ممكنة مع هذا العدو، وأن فرص إقامة السلام واقعية وحقيقية مع كيان عنصري قائم ـ بحد ذاته ـ على ثقافة الالغاء والتدمير والهدم بالمعاني المباشرة لتلك المفردات.

إن الطبيعة الوجودية لهذا الصراع، تجعلنا نتمسك أكثر بثقافة المقاومة ومنهج المقاومة وسلوك المقاومة، وهذه الحقيقة تدفعنا دفعاً لاستكمال بناء قدراتنا وتنمية امكاناتنا في السياسة، وفي الاقتصاد، وفي الدفاع، وفي الثقافة، وفي العلم وميادين المعرفة والتقدم، فالمقاومة ليست فقط سلاحاً بل هي منهج حياة متكامل تسير عليه الشعوب لتحافظ من خلاله على وجودها وعلى قدرتها في مواكبة التحديات.

المقاومة هي أيضاً مناخٌ داخلي واسع رحب يحضن المقاومة، ويحصّنها ويقوّي مناعتها، ويقيم سقف حمايتها الأهلية، فالمقاومة ليست فصيلاً معزولاً عن شعبها، بل هي بنية أهلية وشعبية متماسكة تتناغم فيها الأدوار والأفعال في مختلف الميادين والحقول لتؤدي واجبها وتقوم بوظائفها في حماية الأمة والوطن...

لذلك من أولى موجبات حماية المقاومة، أن نقوم بما نستطيعه لتحصينها داخلياً، فأخطر ما يواجه المقاومة هو مشروع كشفها داخلياً من خلال المحاولات الآيلة الى تشويه صورتها، واضفاء الطابع ـ الفئوي ـ عليها، وتسفيه منطقها تحت شعارات واهية وباطلة.

وتحصين المقاومة داخلياً يكون من خلال تعميم وتعميق ثقافة المقاومة لدى كل شرائح المجتمع في لبنان وفي كل الأمة، وإخراج موضوع المقاومة من بازار التوازنات الطائفية والمذهبية الدقيقة في لبنان، فالتركيبة الطائفية المقيتة في لبنان أساءت الى المقاومة وحولت مقاربة إشكالية المقاومة من مستوى استراتيجية الدفاع الوطني التي تحمي كل المجتمع، و كل الشرائح، و كل الشعب، الى مستوى مقاربة بدائية مرتبطة بثقافة التكوين الطائفي لبنية النظام السياسي في لبنان والتي لا ترى المقاومة الا من زاوية أنها سلاح في يد فئة، يتم إقحامه في لعبة السلطة والنفوذ في لبنان، اذاً المطلوب مواجهة المشروع الدولي المتقاطع مع بعض القوى المحلية في ضرب نهج المقاومة وفكر المقاومة وأداء المقاومة وذلك عن طريق اتخاذ اجراءات شجاعة وقوية وحازمة تقوي  عامل الطمأنينة الذي يحاول البعض زعزعته عن طريق زرع الشكوك حول المقاومة وسلاحها، وتقوية شبكة الأمان الوطني حول المقاومة عن طريق اعطائها البعد الوطني الشامل والاضاءة على الدور الريادي للفعل المقاوم في حماية كل لبنان، وتصحيح النظرة التي يحاول البعض إلصاقها بالمقاومة من خلال ايجاد الاطار الوطني الشامل للمقاومة، اطار يتجاوز الحالة الطائفية باتجاه تعزيز الحالة المدنية الوطنية الملتفة حول خيار المقاومة باعتباره الطريق للدفاع عن الأرض والوطن، فالمقاومة ليست هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة للذود عن الكرامة، والدفاع عن الوجود.

والمقاومة ومهما تعددت الحوافز والعقائد والأفكار والدوافع التي تحرك شرائح من المجتمع لتأدية واجبها في المقاومة، فالحقيقة الدامغة هي أن هذه المقاومة في جوهر صراعها، وقيامها، واستمرارها تمثل حالةً وطنيةً ذات طابع وطني وقومي، فالصراع من أجل تحرير الأرض لا يمكن أن يوضع في خانة الصراع الديني بل هو صراع وطني بامتياز، وهو حركة تحرر قومي بامتياز.

المقاومة اذاً هي وقبل كل شيء فعل قناعة بهذا المنهج في حماية الأوطان والدفاع عنها، والذود عن الأرض والشعب، وهي أيضاً سلوك واداءٌ راقٍ يحضن آمال الناس وتوقهم الى الحرية.

قناعة الناس في جدوى المقاومة هي عامل مهم في تحصين المقاومة، وجبه كل الأطروحات التضليلية التي يحاول البعض تعميمها، والتسويق من خلالها لما يسمى الضمانات الدولية أو العمل الديبلوماسي، أو غيرها من حملات إعلامية تهدف الى غسل الأدمغة واعادة تشكيل وعي غريب عن حقائق الصراع، وتدجين الثقافة، وضرب منطق وحدة الأمة والمجتمع، عبر التسويق لمنطق التعددية الحضارية و التعددية الثقافية التي تخفي في طياتها مشاريع التقسيم والفدرالية و الكونفدرالية وغيرها من المفردات التي تهدف الى حرف الشعب عن خطه الجهادي الصحيح وإغراقه في صراعات جزئية هامشية تضيّع القدرات، وتحوّل الفعل الى اتجاهات لاضعاف الأمة وشرذمة قواها الحية بدل توظيفها في مشروع التنمية والبناء وتعزيز القدرات. 

المقاومة هي جزء من منظومة دفاعية تحتاج اليها أمتنا في كل كياناتها السياسية، وهي بالتجربة برهنت أنها تمثل قوة ردع حقيقية تحمي الشعب من غدر الأعداء، وفي لبنان أثبتت تجربة المقاومة رياديتها وقدرتها وأسقطت كل المقولات الانهزامية ـ الاحباطية التي تفلسف الضعف وتسوّغه، وتبقي لبنان أسير الخوف والقلق وفقدان الثقة بالذات، عملاً بالمبدأ الفاسد الفريد من نوعه في تاريخ الشعوب، هذا المبدأ الذي رفعته بعض الطبقة السياسية لعقود والذي يقول: إن قوة لبنان في ضعفه، شعار سخيف بالٍ لا قيمة له الا في أذهان المترددين الضعفاء المنهزمين الذين لا يعرفون طعم الكرامة والعزة الحقيقية، هذا المبدأ الهزيل أسقطته تجربة المقاومة على مدى أكثر من عقدين، وأصبحت المقاومة جزءاً من الوعي الشعبي الوطني، وجزءاً من شبكة الأمان الوطني، فلا اتفاقية الهدنة تحمي لبنان وقد تمت تجربتها على مدى اكثر من نصف قرن، ولا قرارات الأمم المتحدة تشكل ضمانة، فالشرعية الدولية تعكس توازنات قوى دولية ليست اليوم في مصلحة أمتنا ومصالح شعوب الأرض المستضعفة، وهي أي الشرعية الدولية لم تحم شعبنا ولم تقدم له لا ضمانة أمنية ولا سياسية، وأبقت لبنان ساحةً مفتوحةً على الاعتداءات الاسرائيلية، وكلنا يتذكر مجزرة قانا التي ارتكبها العدو الصهيوني بحق مدنيين لجؤوا إلى موقع تظلله راية الأمم المتحدة، فنُحروا نحر الخراف، بعد هذا كله، كيف يتجرأ  أحد على ذر الرماد في العيون، وإعادة عقارب الزمن الى الوراء، واستحضار شعارات بالية تتصل بزمن الهزائم والانكسارات المتلاحقة.

وكيف يطرح البعض وبوقاحة نشر قوات دولية جديدة على الحدود مع فلسطين المحتلة؟

إنها مفارقات الزمن الحالي! ولكننا على يقين أن الأمن الحقيقي هو أمننا نحن، والأمان الحقيقي هو الذي نصنعه بأيدينا، وعبثاً نحاول الاتكال على الآخرين، فالحماية المثلى هي النموذج المقاوم الوطني الشعبي الذي أثبت جدواه في الحرب المفتوحة مع الكيان الغاصب.

والحكمة هي أن نحتفظ بعناصر القوة التي توفرها هذه المقاومة، لا أن ندخل مجدداً في مغامرات دولية لم تقدم لنا إلا السراب...

 إن المقاومة أصبحت اليوم فكرةً عالميةً تتبناها كل الشعوب والأمم الناهضة، وبدأت تتبدى معالمها  في الواقع العالمي على شكل إرهاصات ونتوءات تمثلها مقاومات شعوب تتوزع على خريطة هذا العالم من أميركا اللاتينية، الى أمريكا الجنوبية، من كوبا الى فنزويلا الى البرازيل، الى كوريا الشمالية الى الصين الى روسيا مروراً بالقارة الأوروبية، وصولاً الى ايران والعراق والشام ولبنان وفلسطين.

فالمقاومة هي الطريق الاستقلالي التحرري الوحيد في مواجهة الاحتلال والظلم والعدوان.