العدد الثالث عضر - تموز 2006

الملف النووي الإيراني؟ أم الملّف الإيراني الاستراتيجي؟

بسام ضو
الاربعاء 23 آب (أغسطس) 2006.
 

هل هو الملفّ "النووي" الإيراني؟ أم هو الملفّ الإيراني الذي يدور بقوّة مميّزة، وبدفع غير مسبوق، ولا سيما في السنوات الثلاث الماضية بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين من جهة، وبين الجمهورّية الإسلامية في إيران من جهة أخرى؟.... قد يكون هذا السؤال غريباً بعض الشيء نظراً إلى ما فيه من تقاطع وتشابه بين شقيه: الأول الذي يتمحور على المسألة النووية قبل غيرها، والثاني الذي يتمحور على الملف الإيراني كدولة وكدور وكثورة وكموقع استراتيجي وكثقافة سياسية وكقدرات اقتصادية وعلمية تأتي المسألة النووية كجزء منها، ولا تشكّل وحدها علامة فارقة وبارزة برغم أهميتها المستقبلية على مستوى السلاح، وعلى المستوى الإقتصادي والعلمي.

التدقيق في التشابه المتوازي مع التمايز بين هذين الشقين، يزيل من الأذهان غرابة السؤال، ويفتح الآفاق نحو أبحاث تساهم في الكشف عن أبعاد غير متداولة إعلامياً وسياسياً، بل يجري رميها إلى الخلف عمداً وبعيداً عن الأضواء، فإذا أمسكنا - ولو باختصار شديد هنا - بهذه الأبعاد سنجد أن الصراع ليس نابعاً من خوف الولايات المتحدة من امتلاك إيران قدرات نووية عسكرية في يوم ما، ولا هي تعيش "فوبيا" استثنائية من قنبلة نووية إيرانية آتية على الطريق، لكن الصراع نابع من مسألة استراتيجية تبدأ من قضية الدور الإيراني بين العمق الآسيوي وسواحل المتوسط، وتنتهي بدراسة تأثير هذا الدور على الاستراتيجية الأميركية - الإسرائيلية، وتأثير التقائه في ساحة العلاقات الدولية مع أدوار أخرى مماثلة وهادفة إلى الخروج من وطأة الأحادية والهيمنة التي حاولت الولايات المتحدة الأميركية فرضها على العالم منذ بداية التسعينيات بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وما زالت تحاول وتتوتر عندما تواجهها العقبات، كالعقبة الإيرانية في الشرق الأوسط، وكالعقبات المتصاعدة في عدد من دول أمريكا اللاتينية التي تخاف واشنطن أن لا تبقى "حديقتها الخلفية"

(بحسب تسمية مورو في القرن التاسع عشر) على رغم انعدام الأسلحة النووية في البرازيل، وفنزويلا، وكوبا، وبوليفيا؛ مثلما تخاف في المستقبل الوسيط والبعيد من التقاء الأدوار الصينية والروسية مع الدور الإيراني فتتغير الخريطة الاستراتيجية في آسيا؛ وقد تتبدل في ضوء ذلك حسابات كثيرة عندما تتبدل مواقع السيطرة والتأثير على "طريق الحرير" القديمة التي أصبحت طريق الحرير الحديثة، أي طريق النفط من الشرق المتوسطي إلى الشرق الهندي والشرق الصيني، فمن يتحكم بهذه الطريق قد يتحكم بالعالم. ومن هذه النقاط بالضبط، من البوابة الإيرانية إلى أقاصي الصين تبدأ لعبة الحسابات المستقبلية للولايات المتحدة، وبالتالي فإن الإدارة الامبراطورية الأميركية التي كانت تحمل قفل البوابة ومفتاحها في عهد الشاه حتى العام 1979والذي خسرته بعد الثورة الإيرانية، تريد حالياً إما التخلص من البوابة الإيرانية، وإما إستعادة القفل والمفتاح. ولما كان الأمران مستحيلين، فالتخلّص بالضربة العسكرية ممكن نظرياً بحسب قوة الولايات المتحدة المتحالفة كلياً مع الكيان الاستيطاني الإسرائيلي، وغير ممكن، وغير مجدٍ عملياً لأنه غير قادر على الحسم ولا سيما بعد تجربة العراق. وهذا ما تؤكده دراسات غالبية الخبراء الاستراتيجيين، بمن فيهم الأميركيون، على رغم أن خطط ضرب إيران عسكرياً موجودة لدى البنتاغون منذ منتصف الثمانينيات عندما بدأت الإدارة الأميركية تعتبر أن إيران تعمل على امتلاك المعرفة النووية، في سياق قرار الثورة بالسعي إلى العمل على امتلاك المعارف العلمية المتطورة. أما الخطط الحديثة فقد تجددت منذ العام 2001 وتوسع التفكير بها والتنظير لها من قبل كثيرين في البنتاغون وغيره من مؤسسات القرار الأميركي، وقادها مؤخراً عدد من البارزين من أمثال: ايليوت أبرامز، ودوغلاس فيث، ودافيد رامسفيلد وغيرهم، واصطدموا جميعاً بحقيقة أن الحسم غير مكفول، بل قد يكون عدم الحسم في حال اللجوء إلى الخيار العسكري أكثر كلفة من الحرب نفسها...أما استعادة القفل والمفتاح في البوابة الإيرانية فمستحيل بدوره، فإيران ليست في وضع يجبرها على تقديم تنازلات سياسية مقابل خدمات تقنية في مجال الطاقة ( العرض الأميركي - الأوروبي )، وليست في وضع استراتيجي ضعيف يدفع إلى الخوف من ضربة عسكرية، فهي أيضاً تعرف أن الحسم مستحيل، وإن يكن ضرب المنشآت ممكناً ( بعض الخبراء يقدر عدد المنشآت النووية الإيرانية بين 36 و 40 منشأة، وبعضهم الآخر يبالغ دعائياً فيقدرها ب 200 )، بل لعلها تعرف أيضاً أن الضربة العسكرية تعطيها فرصة استراتيجية إضافية لتمريغ الولايات المتحدة. وهذه النقطة تعرفها الإدارة الأميركية بدورها وتشكل نقطة تردُّد أساسية في خوض خيار عسكري غير قادر على الحسم، وإنْ يكن بعض مجانين المحافظين الجدد يدعو الى هذا الخيار بتحريض إسرائيلي. غير أنه بالمقابل بدأت تبرز في الولايات المتحدة آراء تحذر من الاستمرار في المغامرات العسكرية؛ وأحياناً تحذر من الاستمرار في تلبية التحريضات الإسرائيلية ( انظر الدراسة التي صدرت في هذا الموضوع عن مركز الأبحاث في جامعة هارفرد في نيسان/ أبريل الماضي )، وبالتالي تبرز أمامنا نتيجة أساسية وهي أن الخيار العسكري غير مجد، واستعادة القفل والمفتاح عن طريق الإغراءات والاحتواء غير ممكن، وهذه النتيجة تترتب عليها نتيجة أساسية كبيرة وهي أن الملف في العمق هو الملف الإيراني بمعناه الإقليمي والاستراتيجي، وليس الملف النووي الذي تتخذه الولايات المتحدة رأس حربة بقصد استهداف الملف الأول، وهذا يعني أن الصراع سيطول، وأن المرحلة التي دخلت فيها المنطقة هي مرحلة الدور الإقليمي الإيراني القوي والوازن، ومن هذا المنطلق تبدو إيران في ذروة الحنكة عندما تقبل بمبدأ المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة وتدعو إليه، لأنها بذلك تحقق مستوى متقدماً من النديّة في الساحة الإقليمية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهذا ما ترفضه الولايات المتحدة من خلال رفضها المفاوضات المباشرة التي لا مهرب منها في المستقبل الذي سيجبر الولايات المتحدة على التنازلات، ولو بعد حين .

 انطلاقاً من هذه الصورة، وهي تحتاج إلى تفصيلات كثيرة لا متسع لها هنا، نقارب الملف بين إيران، والولايات المتحدة وحلفائها، مقاربة مختلفة عن السائد على السطح في يوميات الحدث، أي مقاربة غير نووية، فالولايات المتحدة تتعايش مع دول نووية من خارج النادي النووي الدولي الذي جرت محاولة إقفاله في العام 1967 مع معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ( النادي الأساسي خماسي: أميركا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا ) وكان بإمكانها التعايش مع إيران في ظل احتمال حصولها على المعرفة التي تخولها صناعة السلاح النووي، لو أن الموضوع هو موضوع سلاح فقط، لكن السلاح النووي المحتمل هو أحد جوانبه، أما الجوانب الأخرى فتبدو واضحة وقوية بين السياسة العامة ( الاستراتيجيا ) والعلم، وهذا ما قصدناه بالضبط عندما أشرنا إلى الأبعاد غير العسكرية في الملف المذكور والتي يجري رميها إلى الخلف في المتابعات الإعلامية اليومية للحدث الإيراني.

 نستطيع أن نلخص هذه الأبعاد بالنقاط الأساسية الآتية:

1-  إن إيران تخوض معركة البناء المعرفي الحديث لمواكبة العصر والدخول الفاعل فيه من دون التنازل عن الإرادة الوطنية المستقلة.

2-  إن معركة المعرفة والعلم تريدها إيران من أجل هدفين أساسيين: امتلاك القدرة على بناء الذات، ثم توظيف المعرفة في مجال التنمية الحديثة والمستقلة.

3-  إن امتلاك المعرفة النووية، سواء انتهت إلى امتلاك السلاح النووي أم لم تنته إليه (بعض الخبراء يقدرون أن إيران أصبحت قادرة على ذلك ) إنما يندرج في إطار عملية التنمية المشار إليها، والمرتكزة على قواعد الشخصية الوطنية المستقلة، ومبدأ سيادة الدولة في نطاقها الإقليمي، وحمايتها أمنياً من الاعتداء وفق استراتيجية تقوم على مبدأ تعزيز القدرات الدفاعية.

4-  إن الرفض الإيراني للعروض والإغراءات التي تقدم إليها لوقف عمليات التخصيب لليورانيوم، إنما تستهدف في العمق إتقان عملية التقدم العلمي على طريق محاولة إتقان التنمية الوطنية الشاملة والمستقلة، ومنعها من تحقيق توازن جديد في الشرق الأوسط بوجه إسرائيل، ومنعها من تقديم نموذج لحماية الثروة الوطنية والإرادة الوطنية بعيداً عن هيمنة الولايات المتحدة المتستّرة بالقانون الدولي، ومنعها من القيام بدور إقليمي في المنطقة، يتلاقى دولياً مع أدوار متصاعدة في أمريكا اللاتينية، وفي روسيا والصين.

هذه الأبعاد الأربعة تجعل من الملف، ملفاً سياسياً - ثقافياً - اقتصادياً - استراتيجياً أكثر بمئات المرات مما هو ملف نووي كما يظهر على السطح، ومن هنا تنبع أهميته في ساحة العلاقات الدولية والإقليمية، ومن هنا أيضاً تخطط الولايات المتحدة لإغراق هذا الملف بإثارة ما يمكن تسميته بـ " الرهاب النووي الإيراني " لابتزاز العالم، ولابتزار العرب بالدرجة الأولى عبر إثارة المعطيات القومية والدينية في هذا الموضوع مثلما فعلت في السابق عندما صوّرت للبعض أن العدو للعرب الأشد خطورة، هو إيران وليس إسرائيل.

وبإزاء ذلك، من المؤسف حقاً أن نجد الأوضاع العربية بصورة إجمالية - ما عدا حالات المقاومة الاستثنائية في ظل هذه الأوضاع - لا تتفاعل مع التطورات من حولها، ولا تبرز فيها دراسة نقدية ومراجعة نقدية للتجارب التي مررنا بها على مدى القرن العشرين بكامله، فلا نحن نخوض معركة العلم والمعرفة والتنمية الوطنية، ولا نحن نوظف الطفرة النفطية الثالثة ( الأولى كانت في الستينيات، والثانية في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، والثالثة في المرحلة الراهنة ) من أجل معركة العلم والإنتاج ورسم الاستراتيجيات المستقبلية. وها نحن الآن أمام التجربة الإيرانية نرى الكثيرين من العرب يراوحون في الجمود السياسي، ويعيشون عقدة الخوف من إيران، بينما كان من المفترض، ويجب أن تكون لديهم الحيوية السياسية لدراسة التجربة الإيرانيّة، ثم لتحديد موقف منها يقوم على النظر إليها من موقع الصديق لا من موقع العدوّ كما تريد الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا من موقع افتعال الصراع القومي بين العرب والفرس كما يحلو للبعض أن يصوّر، وكما بدأت إسرائيل بالترويج بأن السلاح النووي الإيراني إذا تمّ الوصول إليه سيكون موجّهاً ضدّ العرب.

إنَّ اللحظة المصيريّة التي نعيشها في المنطقة، ومهما يكن الرأي في السياسة الإيرانيّة، هي لحظة تحوّلات استراتيجية مستقبلية تستغرق سنوات، وهذا هو المحرّك الأساسي في إثارة الموضوع الإيراني، وليس الموضوع النووي بذاته، وعلى العرب أن يتعلّموا كيفية دراسة التحوّلات المحيطة بهم كي لا تضيع ثروة الوقت من دون الحفاظ على ثروة القدرات الموجودة لديهم، ومن دون العمل على تجميع ثروة الإرادة.