العدد الثالث عضر - تموز 2006

حول كتاب الجيوبوليتك الانطاكي والسورية القومية وصراع الدم

الاربعاء 23 آب (أغسطس) 2006.
 

الكتاب الذي نتداوله اليوم هو جزءان، الجيوبوليتك الانطاكي والسورية القومية وصراع الدم، وهما يطرحان إشكالية مفادها أن الإبداع السوري هو حصيلة مدرسة فكرية، المدرسة الفكرية نتاجات متراكمة لحضارات قامت، والحضارات قامت على أرض بمتحد اجتماعي قوامه الجماعة التي وعت، والوعي في الأساس هو وعي الذات، والذات التي يراها الزعيم أنطون سعادة هي الذات السورية التي وعت حس الألوهة فيها.

الله خلق الإنسان، هذا ليس ديناً، هذا إيمان، الإنسان كونه على صورة الله فهو الصورة وليس الأصل، الأصل لا محدود في الزمان ولا في المكان، الإنسان محدود في زمانه ومكانه، هذه الهاء تعني جغرافيا، تعني أرضاً، وتعني تفاعل الإنسان مع أرضه، أي تاريخه.

الأرض للإنسان تكوينه الجسدي، البنائي، ومناخها، عواطفه، وأحاسيسه وطباعه، وكلما كانت الأرض جميلة أكثر كان حس الإبداع فيها أكبر، وكلما كانت أرض الأقوام البشرية تأتيها لجمالها وحسن موقعها واستراتجيتها، كلما كان إنسان هذه الأرض مثقفاً أكثر، واعياً أكثر، مبتكراً أكثر؛ لأن الحضارة تولد في الإبداع والإبداع مخاض وألم. الأرض السورية في قلب العالم، محورية القارات، جمالها مميز، قصدها الكل تحبباً أو مروراً عابراً، أو محاولةً لاغتصابها أو النيل منها أو الإقامة فيها... إنسانها بقي فيها، عانى، ناضل، تأقلم، (تبندق)، عصر في ذاته كل الأقوام، فكان تاريخه تاريخها، لذا لا يمكن دراسة الفكر السياسي السوري إلا من خلال دراسة الجغرافيا السورية. والجغرافيا السورية فرضت نفسها، لم يخترعها الزعيم أنطون سعادة، بل كانت في الحسابات الرومانية الدقيقة، وكانت في رسم كنيسة أنطاكية رعائياً، وعلى مساحتها كان فكر يؤنسن ويدعو الإنسان إلى مقاربة لبس الالوهة.

الزعيم سعادة وعى حس الالوهة في الإنسان السوري، وبالتالي وعى ذاته الإبداعية، رأى صورته مرتسمةً على الأرض السورية، أحبها بنرجسية.

وكما كانت الآلهة الأنثوية قمرية كانت سورية هلالاً وزرع فيها نجمة بحرية وجدها في المياه الإقليمية.

الجغرافيا السورية كوّنت تاريخها لذا فإن الجزء الأول من الكتاب يبين الأهمية الاستراتيجية للطرق والموقع والتشكل، حركة الإنسان السوري على أرضه صنعت تاريخه، وما كان يمكن لهذه الحركة أن تتسم بهذه الأهمية لولا أهمية الموقع بالذات، والحضارات قامت وتفاعلت على أرضه بسبب المقومات الطبيعية لها، والصراعات قامت على ثرواتها وطرقاتها، وقد قامت الدول الاستعمارية بزرع الدولة الصهيونية في قلبها كي تبقى لها بوابة مفتوحة لنهب الثروات الطبيعية لها.

من هذه الأرض المعطاء، الخصبة، الجميلة، قام مبدع اسمه أنطون سعادة، ينبئ بنهضة سورية عظيمة، مدركاً تماماً أن بعض أبنائها عدو لها، لذا اعتبر أن الصراع أولاً هو صراع أبناء الدم من أجل تثبيت البيت وتحقيق الأبوة فيه، دعا إلى وحدة أقطارها لأن القوة لا تقوم إلا بالاتحاد، ولأن الإطار الجغرافي الوحدوي أثبت التاريخ الحديث أن الوحدة بين قطر سوري وغير سوري هش لأن الجغرافيا لم تسعف القائمين بها. الوحدة تمر أولاً بأهل البيت ثم تمتد إلى أبناء العم.

لقد ركّز الزعيم سعادة همه على المتحد الاجتماعي إذ وجد فيه المدماك الأساس بين الجماعة السورية والأرض السورية، المتحد الاجتماعي ليس مصالح مشتركة ولا أحلاماً فقط، هو تاريخ نضالي مغموس بالدم، وهو علاقة رحمية وجدانية مع الأرض، إنه إيمان الإنسان السوري بأرضه، والإنسان ليس فرداً بل جماعة، الإنسان الفرد إذا آمن بفرديته يقتل الوطن فيه، الإنسان الجمعي في متحده الجمعي يشكل الوطن الحق، إنه عقيدة، إنه إيمان، إنه دين يصعد من الأرض السورية نحو السماء، لذا، فالسورية القومية الاجتماعية ليست حزباً سياسياً بل عقيدة إيمانية ذات منحنيين: الأرض السورية والإنسان السوري في بعده المتحدي، هذه العقيدة تنبثق عن الوعي الالوهي، والزعيم أُعطي له أن يعي أكثر من غيره، هو ليس نبياً لأنه لم يتنبأ، هو ليس قديساً لأنه ليس معصوماً عن الخطأ، إنه ليس رئيساً لأنه لم ينتخب، هو ليس ملكاً لأنه لم يرث الملك، إنه زعيم أعطته الطبيعة ما ليس له منة عليها كما قال له أبوه الدكتور خليل سعادة في رسالته الشهيرة إليه، وعى حس الالوهة فبشّر بها، إن هذا الحس منه وبه ومعه، لم يكن منفصلاً عنه، لذا، لم يفهمه الرفاق الأولون، بعضهم أراد الوعي دونه، بعضهم أراده خارجاً عن وعيه، تألم كثيراً كي يُفهِم الآخرين هذه العلاقة الجدلية ولكي يقول لهم أنا أحمل المتحد الاجتماعي كبذرة شجرة، وأنتم الشجرة التي ستبذر البذور الكثيرة، الأمة السورية العظيمة شجرة المعرفة الخيرة، والحق والجمال، كونوا معاً كي تشكلوا قوة الدفاع عنها.

لقد أخاف الكثيرين لأنهم وجدوه كإعصار آت من تاريخ الأمة السورية مارداً في حجمه الصغير، إيمانه بذاته السورية، جماعة في رجل، لم يأبه لوعود كثيرة، أراد أن يبدأ من مكان ما كي يحقق الخطوة الأولى لقيام الأمة. أخاف الفرنسيين الذين يريدون استعمار قسم من سورية، أخاف الإنكليز للسبب نفسه، أخاف الصهاينة لأنه نقل قضيتهم من قضية عالمية إلى قضية سورية فعرفوا أنه نقل ساحة المعركة ليسحقهم، أخاف الأقليات التي وجدت في الإرساليات التبشيرية مصدر قوة فقامت الإرساليات ضده، وعندما فضح سيطرة المحافل وارتباطها بالغرب ضد المصلحة السورية تآمرت عليه ورسمت مرسوم إعدامه.

سعادة الزوبعة كان يمكن أن يدمّر دولة الصهاينة، لأنه ليس سياسياً وبالتالي غير خاضع للمساومة، ليس دينياً ولا طائفياً كي يأخذ قراراته من المرجعيات والفتاوى، ليس خائفاً على شيء لأنه يملك كل شيء فيه ولا يملك شيئاً خارجاً عنه. إنه كان الأمة السورية بالقوة وهذه القوة لو فعلت لدمرت وبنت وعلت.

هذا الكتاب الذي بين أيديكم تاريخ لأمة عظيمة كتبها رجل بدمه، سطّرها بين جدران سجنه، حررها بموته، أعلن عقيدة وأسس حزباً من أجل نشر العقيدة والعمل بها، ولا قيمة للحزب دون العقيدة. والعقيدة لكم فلعلكم بها تعون.