العدد الثالث عضر - تموز 2006

أنطون سعادة منظوراً إليه في مجال الجيوبوليتيك الأنطاكي

نزار سلوم / باحث سوري
الاربعاء 23 آب (أغسطس) 2006.
 

ندوة حول الجيوبوليتيك الانطاكي والدكتور ميشال سبع يوقّع كتابه في أولى نشاطات أرز وياسمين ـ فريق لقاء الروح التي تم إطلاقها في دمشق.

اختار فريق لقاء الروح كتاب الدكتور ميشال سبع بجزءيه: الجيوبوليتيك الانطاكي والسورية القومية وصراع الدم للاحتفاء به، من خلال ندوة فكرية أقامها في دمشق، وأعقبها حفل توقيع للكتاب، وذلك في أولّ نشاط ثقافي من برنامج سنوي تقرر أن ينفذه تباعاً.

ولعل اختيار هذا الكتاب، يعود إلى كون مضمونه الذي يتناول أنطون سعادة وعقيدته، يشير بوضوح إلى أن سعادة عنوان توحيد استثنائي، في ظلِّ واقع تمزيقي تشتتي استثنائي، ويسير وفق متوالية متصاغرة.

من جهة أخرى، شاء منظمو الندوة الاحتفاء بباحث توحيدي ومُوحّد فضلاً عن كونه يدرج لغته في نسيج خاص فكري ـ إنشائي.

بدأت الندوة بكلمة للإعلامية عائدة سلامة عرّفت فيها بـلقاء الروح وخلفية تأسيسه، واتجاه تطلعاته، ثم قامت الفنانة المبدعة سميّة بعلبكي بتوجيه تحية إلى الحضور، على طريقتها، حيث أنشدت مقطعاً من أغنية ستطلقها في الأسابيع القادمة بعنوان: تحية إلى دمشق وبعد ذلك، قدم نزار سلّوم رؤية منهجية للكتاب، قبل أن يقدم الدكتور أحمد برقاوي قراءته له، فيما اختزل الدكتور سبع كتابه ورؤيته إلى سعادة في كلمته الختامية.

تنشر تحولات مقاطع رئيسة من كلمات الندوة:

تقديم منهجي في الندوة الخاصة بكتاب

الدكتور ميشال سبع الجيوبولتيك الأنطاكي

دمشق ـ سيدة القصور 4 حزيران 2006

تتشكل الخريطة المنهجية لكتاب الجيوبولتيك الأنطاكي في جزءيه مما يمكن تسميته [مجال الخط السوري] في التاريخ، الذي تعرّض لانقطاعات متعددة، وتداخلات معقّدة أدت إلى التباسٍ وغموضٍ اكتنف شخصيته فضلل سبل الوصول إليها. على أن أنطون سعادة الذي وضع هذا [الخط] على منصة الحقيقة وكشف قوانينه وأزال علامات الالتباس المحيطة به، نظر إليه الدكتور سبع بكونه استكمالاً خاصاً له، بل بكونه تكثيفاً فائق الوضوح لخصائصه.

وفي استقراء لهذه الخصائص، التي أزعم أنها تشكل مرتسم الخريطة المنهجية لبحث الدكتور سبع، تتبدى علامات الخط السوري فيما يلي:

1 ـ خط توحيدي في حركته وفكره، حيث تأسيسه لـالمدنية في إطار حالاتها المتدرجة ـ المدينة، والدولة، والإمبراطورية تكشف تلك الخاصية التوحيدية، التي تبدو فلسفياً في أحد أجمل إنجازاتها في قدرته على الوصول إلى صياغة الواحد في تكثيف عظيم لـتعدد إغرائي قائم على الاختصاص [مسيرته الروحية والفلسفية من الآلهة المتعددة إلى الإله الواحد].

2 ـ خط عملي ـ إنجازي، متحرر من أسر الماوراء ورهبته وقادر على مواجهة الواقع والارتقاء معه وفيه، وفي سجل هذا الخط العديد من الانجازات العملية الحاسمة في إطار رحلته التاريخية، لعل أكثرها تأثيراً على مدى التاريخ قدرته في الوصول إلى الأبجدية.

3 ـ خط قيمي ـ رسالي النزعة، وهو ما يشكل المضمون الأخلاقي لفكره وإنجازاته. ففضلاً عن إنجازاته المبكّرة في إطار الحقوق والتشريعيات، فإن وصوله إلى فكرة المواطن الكوني، أي الإنسان بوصفه إنساناً يعتبر الأساس الذي مازالت ترتكز إليه مجمل الدعوات والنظريات الخاصة بحرية الإنسان وكرامته.

في [مجال] هذا [الخط]، بهذه العلامات الكبرى، بحث الدكتور سبع عن سعادة فوجده فيما يسميه الجيوبولتيك الأنطاكي، ورأى كيف آل مصيره في النهاية إلى حتمية صراع الدم الذي خاضته وتخوضه السورية القومية المحكومة تاريخياً بمقتضيات هذا الجيوبوليتيك، وتراجيدية مساره.

في إطار هذا البحث، ثمة إشكاليات منهجية، لابدَّ من ملاحظتها، في محاولة لاقتراح [جملة نقدية] قادرة على مقاربة نص الكتاب وأطروحته المركزية:

أولاً ـ يلتزم سعادة الخاصية التوحيدية السوريّة في حركته وفكره، وبهذا المعنى، قدّم مُنجزاً توحيدياً، فهل يجوز تنسيبه إلى واقع أقلوي، أو عنوان تفرّيقي؟ أو بمعنى فلسفي مجرد: هل يجوز تنسيب (الكل) إلى (الجزء) وإكسابه صفاته؟

ثانياً ـ وفق ذلك، هل يجوز مرادفة الأنطاكيّة بما هي جيوبوليتيك بـالأرثوذكسية بما هي أحد تعبيرات الانشقاق المسيحي، الذي دخلت الأسباب القومية في صلبه، على نحو ما، ولكنه الآيل في النهاية إلى حقل التمذّهب المكتّظ بـاللاهوت.

 واستطراداً لذلك، فإن ترادفت الأنطاكيّة مع الأرثوذكسية في لحظات الانشقاق، فهل يستمر جواز هذا الترادف في شمول الأرثوذكسية كـمذهب بلاد اليونان، وصربيا، وروسيا، وانتشارها في العالم، بما يقرنها بـالكاثوليكية وينزع منها الخاصية الأنطاكيّة الجيوبولتيكية؟!

ثالثاً ـ هل مفهوم الإنسان عند سعادة مُؤسس فعلاً على دعوته الإنسان السوري كي يعي عظمة الألوهة فيه، كما يقول الدكتور سبع، وذلك استناداً إلى أن النسطورية ـ الأنطاكية السريانية اعتبرت أن المسيح أتى ليؤلّه الإنسان، بما يجعل من دعوة سعادة ترتكز إلى لاهوت أرثوذكسي، في وقت كان سعادة فيه حاسماً لجهة إبعاد الماوراء واستحضار خصائص العملانية والإبداع في سياق كشفه لـحقيقة السوري وخطه في التاريخ.

رابعاً ـ ثمة تدّرج استعماري مؤسس في مدرسة روما، وهو تدرج يبدأ بالتبشير وينتهي بالسيطرة الكاملة على المبشرين في نص مكثف ورائع.

إلى أي حدّ يمكن اعتبار دعوة سعادة للحرية والاستقلال والسيادة منضوية في إطار رفض التدّرج الاستعماري الرومي، وذلك كمسألة تخص أبناء أنطاكية وسلالاتهم، أو بمعنى آخر لأسباب أرثوذكسية؟!

خامساً ـ إن مبدأ التعويض عن المفقود يعتبر أحد مرتكزات المذهب الفرويدي، ووفق هذا المذهب فإن:

سعادة: الذي لم يلتقِ بأبيه إلاّ في العام 1921.

: الذي فقد أمه المريضة المنهكة المتعبة الوحيدة.

: الأقلوي الأرثوذكسي.

لابدّ أن يعوّض عن ذلك كله في إنتاج عقيدة توحيدية اجتماعية شاملة.

إلى أي حدّ يعتبر إدخال سعادة إلى [العيادة الفرويدية] ووضعه على طاولة [التشريح الوظيفي] جائزاً منهجياً؟!

ذلك لأن مبدأ التعويض هذا، وفي تبسيطية ما، يمكن أن يكون شاملاً لا يفلت منه أحد على وجه الأرض!

يبقى أن هذه الملاحظات، في سياقها النقدي، لا تلغي أن كتاب الدكتور سبع يعتبر رائداً بالمعنى المنهجي في سياق بحثه عن سعادة من منصة العلامات الراسخة للخط السوري في التاريخ.