العدد الثالث عضر - تموز 2006

ميشال سبع واستعادة الواقع ـ الحلم

د. أحمد برقاوي / مفكر فلسطيني
الاربعاء 23 آب (أغسطس) 2006.
 

يأتي كتاب ميشال سبع في معمعان البحث عن معنى لوجودنا. هذا البحث الذي يسقط في الزيف بعضه، وبعضه الآخر يحفر صادقاً في أعماق الواقع نفسه كي يصل إلى الحقيقة التي يحاول سدنة هيكل التجزئة والانعزال إخفاءها.

ينتمي كتاب الجيوبوليتك الأنطاكي إلى ذلك النمط من الوعي الصادق بالهوية في وقت يعتقد فيه نفر من الكتبة أن الهوية أشبه بسلعة تشترى من هذا السوق أو ذاك.

من حسن حظ ميشال سبع ـ وهو يعود للتاريخ ـ كي يؤسس للأمة السورية نظرياً انطلاقاً من الواقع الحق، أنه لن يجد صعوبة في هذا التأسيس ولم. ذلك أن حقيقة الوجود التاريخي المستمر رغم كل الأطماع في هذا الحقل الجيوبوليتيكي ـ أقوى من المنكرين له.

وهذا الوجود التاريخي هو الذي انطلق منه سعادة في كفاحه من أجل قيام الدولة ـ الأمة السورية. فكان من الطبيعي أن يعود ميشال سبع إلى سعادة ليقدمه بوصفه التعيين الأرقى للوعي بالأمة.

وهنا لابد لي من بعض الإشارات التي تمس وعي سعادة، والتي قد لا يوافقني المؤلف عليها:

1 ـ لا شك أن سعادة مسيحي أرثوذوكسي.

ولكن إلى أي حدٍ لعبت المسيحية في تشكيل وعي سعادة؟

أن يكون سعادة مسيحياً بالوراثة، فهذا أمر لا قيمة له، فسعادة ـ كما أرى ـ رجل ليس في وعيه مكان للوعي الديني.

فهو يرى أن أصل الدين والوعي الديني يقوم في الواقع نفسه، فهو ثمرة الشروط التاريخية الاجتماعية القومية. وهذا لا يعني أنه لا يكن احتراماً لمعتقدات الناس، لا، بل يتركهم أحراراً في وعيهم الديني دون أن يتعارض وعيهم هذا مع الوعي القومي السوري. ومع مبدأ العلمانية التي لا تميز بين هذا السوري أو ذاك استناداً إلى المعتقد.

حسبنا أن نعود إلى نشوء الأمم وإلى المحاضرات العشر وإلى جنون الخلود لكي ندرك مدى علمية وعلمانية سعادة. وكنا قد كتبنا في أوقات ماضية حول هذه المسألة. لكني سأضيف أمراً لم يقله سعادة صراحة، ولكني أستنتجه استنتاجاً. ألا وهي علاقة سعادة بكل من المسيحية والإسلام وخاصة في كتابه جنون الخلود.

المسيحية عند سعادة دين سوري فكان من الطبيعي أن يعبر هذا الدين السوري عن مستوى تطور الحضارة السورية.

فمن هذه الزاوية، ولأن أساس الدين عند سعادة قائم في الواقع، فإن المسيحية هي هذا الدين الأخلاقي المعبر عن وعي السوري المتقدم بالعالم. فيما الإسلام عند سعادة هو دين العَرَبة ذلك العالم المتأخر بالقياس إلى العالم السوري فكان من الطبيعي أن يعبر عن العالم المأمول. أو العالم كما يجب أن يكون انطلاقاً من واقعه، وذلك قبل أن يتسرين.

ولهذا نفهم لماذا خلت المسيحية من التشريع، فيما انطوى الإسلام على قوانين وأحكام.

فسوريا تعرف القانون وذات تاريخ غني من كل الجوانب فيما لا تعرف العَرَبة هذه. فكان أن تأثر الإسلام بالجانب الأخلاقي المسيحي وبالجانب التشريعي اليهودي.

وفي كل الأحوال، فإن سعادة أسس عقيدة أخرى متجاوزة للوعي الديني القائم، كي يتجاوز الطائفية والوعي الانعزالي الذي يصدر عنها.

والحق إن مصير سعادة التراجيدي هو أشبه بمصير المسيح. بل إن قتلة سعادة ليسوا أقل قذارة من قتلة المسيح.

د. أحمد برقاوي