العدد الثالث عضر - تموز 2006

نعيم تلحوق (دراسة في شعره)

رجاء كامل شاهين
الاربعاء 23 آب (أغسطس) 2006.
 

اسم الكتاب: نعيم تلحوق (دراسة في شعره)

الكاتب: رجاء كامل شاهين

دار النشر: الينابيع

سنة الإصدار: دمشق 2006

مراجعة: نرمين أبو خليل

جاء كتاب رجاء كامل شاهين توصيفاً ذهنياً لعمل الشاعر، وبحثاً منمقاً في نصوصه، ما استدعى منها وقفة جريئة للدخول الى عالم تلحوق الشعري، بفرادتها اللغوية الباحثة عن مكان تلد فيه عباراتها المصوغة بقالب جمالي، عرفتنا خلالها على قديم الشاعر وبعض جديده.

يبدو أن الكاتبة استعانت ببعض مجموعات الشاعر تلحوق على غير معرفة شخصية به، قارئة لأربعة أعمال له، وهذا ما ظهر من خلال دراستها التي أخذت تعرفنا على الشاعر ونصوصه بطريقة شائقة وأسلوب موضوعي دخل فيه التكليف النصي مصاحباً لوجدانها النقدي وحسها الانتمائي.

أبرزت الكاتبة من خلال الدراسة القصائد التي حاكت عملها ففكفكت بعض الألغاز الواقعة في شعر نعيم تلحوق، وقد تجرأت على ذلك مستفيدة من عدم معرفتها الشخصية به ومستعملة لغتها الحسية السهلة التي بدت فيها أكثر حرصاً على دلالات معينة واشارات تتعلق بانتماء الشاعر الى الوطن والمجتمع والانسان وقد دفعها حسها اللغوي إلى تعريفنا على تلحوق ليس كشاعر فحسب بل كمعتنق لأفكار معينة وناشط في قضية تساوي وجوده في العالم..

ربما جاء إهداء كتابها إلى صاحب القول المجتمع معرفة والمعرفة قوة الذي دحر جيوش الخرافة وقال للوطن كن يقيني فغدرته الفئة الضالة كان سيّد الشهداء الى الزعيم أنطون سعادة وهو الذي يؤمن الشاعر بأفكاره ـ فاعتبرت الكاتبة ان تأسيساً لنظرية الفكر المقاوم قد جسده صاحب الرسالة ـ المدرسة، قصدنا مدرسة النهضة القومية الاجتماعية، التي خرّجت مفكرين وادباء وشعراء أثروا حركة الادبية في لبنان والشام، وكان منهم (أدونيس، فايز خضور، محمد الماغوط، يوسف الخال، فؤاد رفقة، انسي الحاج، شوقي أبي شقرا، نذير العظمة، كمال خير بك وخليل حاوي).

وإذا كان قد بدا أن الطابع الأدبي قد طغى على دراسة رجاء شاهين، فهذا لا يعني إغفالها جوانب أخرى لها علاقة بالفكر المقاوم، حيث استنبطت من نصوص تلحوق ملامح رؤيوية تتعلق بدور القصيدة في المقاومة والتحرير، مستعينة بنصوص شعرية من مجموعة تلحوق الثالثة وطن الرماد، حيث قرأت نصوصه من ناحية بنيوية، فلحظت أنه رغم أسلوب تلحوق المباشر في وصف الأنظمة العربية الفاسدة والمستسلمة للهزيمة والذل، غير أن ذلك لم يسقط من دلالة المفردة الشعرية أو الصورة التابعة لما خلف السطور... وهذا يتيح المجال للقارئ أكثر أن يتخيّل ويفتكر مدى التناغم بين الحس والمعرفة بغية إسقاطها في الفعل البنائي للنص، مؤكدة أن المقاومة، هي فعل على رد فعل من خلال الإضاءة على جوانب معرفية في القصيدة، فاختارت الكاتبة أيضاَ أن تقرن هذا الجانب بما يحصل اليوم تحديداً، معتبرة أن المقاومة مستمرة، وهي باقية عبر دلالات معرفية تنصح بالقدرة على الانتماء الحقيقي للأرض والإنسان، والتجذّر بالهوية التي يحاولون سلبنا إياها، وهذا ما بدا واضحاً أيضاً من خلال جانب آخر في الإهداء إلى من خرج من جذور الجنوب وصعق التنين فعادت الشمس، إلى سيد المقاومة حسن نصر الله...

أبحرت الكاتبة في وجدانها كامرأة تنبض بالعشق والحياة والحرية... فأضاءت على قصائد الانثى عند تلحوق، حين اعتبرت انثاه لغة لا جسداً فحسب أو سلعة، حتى تحول العشق لديه إلى كل ما يرتبط بناء التأنبت، (قضية، حرية، وطنية، مسؤولية، قدرة، صديقة، حبيبة، عشيقة، الأم، زوجة، وخصوبة الحياة بما فيها الأرض التي هي أنثى العطاء فتحولت الدلالة من شكل بنائي إلى دلالة على العطاء وقدرة على التواصل).

تقول الكاتبة في كلمة تتأتّى من إيماني المطلق بالوطن الكبير سورية، ومن وعد متمدد متجدد منذ التكوين الأول، وإيماني بأن الوطن والثقافة هما سلاحنا لمحاربة الخرافة، وأن الشعر تبصر، يدرك الغيب، يخترق اقبية الظل، فاتحاً صدره لوجهة النهار، يرفض الغياب صنماً، يحب الحضور حركة، تتوالد منها الحركة الدائمة التي تأخذ زادها وقوتها من الإرث الثقافي (التراث) الذي حضنته تلك الأرض، فيقوم الجمال ويخلق الإبداع.

ولعل انجذابي الشديد لخوض غمار التجربة هو الحب الكبير، الراسخ للأرض والوطن والتراث لدى الشاعر نعيم تلحوق الذي يقول: المفردة قضية المعنى، والخافت في استعمال ضوء المفردة، خافت في الشعور بها، خافت في الانتساب اليها ومن هنا يبدأ الطريق....